ثم ساق حديث عائشة «أن فاطمة كانت إذا دخلت على النبي قام إليها فقبلها وأجلسها في مجلسه، وكان النبي ﷺ إذا دخل عليها » فذكره مثله وقد مضى بتمامه ص ٤٤ من رواية الترمذي.
[ ٥٠ ]
قلت: فهذه الترجمة خطأ كما يظهر بأدنى تأمل، ذلك لأن الحديث يقول: «قام إليها»، ولم يقل: «قام لها» كما في الترجمة، والقيام إلى الشخص معناه الذهاب عنده والانتهاء إليه، بخلاف «القيام له» فهذا لا يستلزم سوى القيام، ورواية أبي داود أصرح في الدلالة على هذا المعنى، ولفظها:
«كانت إذا دخلت عليه قام إليها، فأخذ بيدها، وقبلها، وأجلسها في مجلسه، وكان إذا دخل عليها قامت إليه، فأخذت بيده فقبلته، وأجلسته في مجلسها».
فهذا صريح في أن القيام منه ﷺ إليها، إنما هو الذهاب إليها لاستقبالها، بدليل أخذه بيدها، وتقبيله إياها ﵂، والقيام للاستقبال مشروع لا نزاع فيه لهذا الحديث وغيره مما في معناه، بخلاف القيام الذي اعتاده الناس اليوم فإنه مكروه بدليل قول أنس ﵁ «ما كان شخص أحب إليهم من رسول الله ﷺ، وكانوا لا يقومون له، لما يعلمون كراهيته لذلك». رواه البخاري في "الأدب المفرد" بسند صحيح على شرط مسلم. فالذي كانت السيدة فاطمة تصنعه له ﷺ وهو القيام إليه ﷺ، هو غير الذي كان ﷺ يكرهه وهو القيام له، كما هو ظاهر، فلا اختلاف بين الحديثين، والحمد لله.
وإذا عرف هذا تبين أنه لا اختلاف أيضًا بين حديث أنس هذا وبين قوله ﷺ في حديث البخاري: «قوموا إلى سيدكم»، لأنه ليس أمرًا بالقيام المكروه، بل هو أمر بالقيام إلى السيد والذهاب إليه، فهو مثل قيام فاطمة إليه ﷺ، على أنه قد جاء التصريح بذلك في هذا الحديث في رواية ثابتة بلفظ «قوموا إلى سيدكم فأنزلوه». انظر إن شئت الكلام عليه في "سلسلة الأحاديث الصحيحة" (رقم ٦٦).
[ ٥١ ]
وخلاصة القول أن ترجمة المصنف للحديث بأن الرسول ﷺ كان إذا دخلت عليه فاطمة قام لها، خطأ واضح، نتج من عدم التأمل في النص وسياقه، ومن عدم الانتباه للفرق بين «قام لفلان» و«قام إلى فلان» في الأسلوب العربي، وعدم استحضار الأحاديث الواردة في الباب التي تساعد الباحث على اجتناب مثل هذا الخطأ. والعصمة لله وحده.