فهذه أربعة مؤاخذات:
فمثال الأولى: (ص ٢٢): «عن عائشة ﵂ قالت: ما رأيت أحدًا أشبه سمتًا ودلًّا وهديًا برسول الله ﷺ في قيامه وقعوده من فاطمة بنت رسول الله ﷺ، قالت: وكانت إذا دخلت على النبي ﷺ قام إليها فقبلها وأجلسها في مجلسه، وكان النبي ﷺ إذا دخل عليها قامت من مجلسها، وقبلته، وأجلسته في مجلسها، فلما مرض النبي ﷺ دخلت فاطمة فأكبت عليه، فقبلته، ثم رفعت رأسها، فبكت ثم أكبت عليه، ثم رفعت رأسها، فضحكت، فقلت: إن كنت لأظن هذه من أعقل نسائنا، فإذا هي من النساء، فلما توفي رسول الله ﷺ قلت لها: أرأيت حين أكببت على رسول الله ﷺ، فرفعت رأسك فبكيت، ثم أكببت عليه، فرفعت رأسك فضحكت، ما حملك على ذلك؟ قالت: إني إذن لبذرة، أخبرني أنه ميت من وجعه هذا، فبكيت، ثم أخبرني أني
[ ٤٤ ]
أسرع أهله لحوقًا به، فذاك حين ضحكت. أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي».
قلت: هذا الحديث لا يصح عزوه إلا للترمذي وحده فهو الذي أخرجه بهذا التمام في «المناقب» وقال: «حديث حسن غريب»، وأما أبو داود فإنما أخرج منه قصة القيام والتقبيل فقط، وهذا ما لم يخرجه الشيخان أصلًا، وإنما أخرجا بإسناد آخر آخره في بكاء فاطمة وضحكها ﵍.
وثمة مثال آخر حديث عزاه لأبي داود ولا أصل له عنده ثم هو ضعيف جدًّا، تقدم في الفصل الأول (الحديث الثالث والعشرين).
ومثال ثالث، وهو قوله (ص ٤٤):
«عن عائشة ﵂ أن فتاة دخلت عليها فقالت: إن أبي زوجني من ابن أخيه ليرفع خسيسته، وأنا كارهة، قالت اجلسي حتى يأتي رسول الله ﷺ، فجاء رسول الله ﷺ، فأخبرته، فأرسل إلى أبيها، فدعاه فجعل الأمر إليها، فقالت: يا رسول الله، قد أجزت ما صنع أبي، ولكن أردت أن أعلم النساء أن ليس للآباء من الأمر شيء. أخرجه النسائي».
قلت: الحديث عند النسائي في «كتاب النكاح» (٢/ ٧٨) بهذا السياق إلا الجملة الأخيرة منه فإنها بلفظ:
«ولكن أردت أن أعلم أن للنساء من الأمر شيء».
وإنما أخرجه بلفظ الكتاب أحمد (٦/ ١٣٦) والدارقطني (٣٨٦) وكذا ابن ماجه (١٨٧٤)، إلا أنه جعله من حديث بريدة.
وأخرجه بلفظ النسائي الدارقطني (٣٨٦) والبيهقي (٧/ ١١٨) وزاد في آخره:
«أم لا؟».
[ ٤٥ ]
ثم الحديث ضعيف الإسناد، لأنه من رواية كهمس بن الحسن عن عبد الله بن بريدة عن عائشة.
قال الدارقطني والبيهقي عقبه:
«وهذا مرسل، ابن بريدة لم يسمع من عائشة ﵂».
وكل الرواة عن كهمس قالوا: عن عبد الله بن بريدة عن عائشة، سوى وكيع فقال: عن ابن بريدة عن أبيه قال: فذكره.
أخرجه ابن ماجه قال: حدثنا هناد بن السري ثنا وكيع به.
وهذا خطأ من هناد فقد قال الإمام أحمد: ثنا وكيع ثنا كهمس عن عبد الله بن بريدة عن عائشة.
وهذا هو الصواب: أن الحديث عن عائشة لموافقة هذه الرواية عن وكيع لرواية الجماعة عن كهمس.