سابعًا: وفاته مع شقيقه وسيرة عبد الرحيم رحمهما الله: توفي رحمه الله تعالى عن عمر يبلغ ١٨ ثماني عشرة سنة وتسعة أشهر، بعد إمامته للناس، في صلاة العشاء والتراويح، في مسجد الزبير بن العوام - ﵁ -، بإسكان طريق الخرج ليلة الأحد السابع عشر من رمضان عام ١٤٢٢هـ، مرّ على حيِّ العزيزية لقضاء بعض الأغراض، ثم رجع؛ لِيُدْرِكَ حلقته التي يُدَرِّسُ فيها القرآن الكريم للطلاب في مسجده الذي يؤذّن فيه [جامع الفاروق بإسكان أفراد القوات المسلحة بطريق الخرج]، وفي طريقه إلى طلابه الذين يعلّمهم القرآن قدَّر الله الرحيم، الحكيم، العليم، أن يحصل له حادث مروري، وكان بصحبته شقيقه عبد الرحيم الذي وُلد في اليوم السادس عشر من ربيع الأول عام ١٤١٠هـ، وكان قد صلَّى خلف شقيقه عبد الرحمن صلاة العشاء والتراويح في الليلة نفسها، وكان عبد الرحيم ﵀، قد نشأ على ما نشأ عليه أخوه عبد الرحمن - ﵀ - من التوحيد، وطاعة الله ورسوله، والتأدّب بآداب الإسلام، ولله الحمد والمنّة، وقد درس الابن عبد الرحيم - ﵀ - في السنة التمهيدية عام ١٤١٥هـ، وعمره خمس سنوات، ودخل حلقات تحفيظ القرآن الكريم في جامع أفراد القوات المسلحة، ثم دخل في المدرسة الابتدائية [مدرسة الإمام حمزة لتحفيظ القرآن الكريم] في حي الغبيراء بمدينة الرياض في بداية العام الدراسي ١٤١٦هـ، وتخرّج منها عام ١٤٢٢هـ، وكان يدرس في الفترة الصباحية في المدرسة، وفي الفترة
[ ٣٦ ]
المسائية بعد العصر في حلقات تحفيظ القرآن الكريم في جامع الفاروق المذكور، على الشيخ: حافظ قاري غلام محمد بن فيض الله - جزاه الله خيرًا -.
ثم دخل المتوسطة الثانية لتحفيظ القرآن الكريم بمدينة الرياض، وذلك في ١٣ من جمادى الثاني عام ١٤٢٢هـ، فدرس بها بقية جمادى، ورجب، وشعبان، وستة عشر يومًا من رمضان ﵀ رحمة واسعة.
وكان الابن عبد الرحيم ﵀ يحفظ من القرآن سبعة عشر جزءًا: من سورة الرعد إلى سورة الناس، ولله الحمد والمنة، وقد راجع هذه الأجزاء مرات كثيرة جدًا على شيخه المذكور، وعلى الشيخ زمراوي محمد خيري، والشيخ سخاوة حسين، والشيخ مأمون الرشيد - جزاهم الله خيرًا -.
وكان الابن عبد الرحيم ﵀ يحب أن يرافقني، وقد كان يحضر معي الدروس عند سماحة شيخنا الإمام عبد العزيز ابن باز - ﵀ - ليلة الإثنين وفجر الخميس وليلة الجمعة في الجامع الكبير من كل أسبوع، وذلك في آخر حياة شيخنا - ﵀ - عام ١٤١٨، ١٤١٩هـ.
وكان الابن عبد الرحيم - ﵀ - يحضر دروسي في جامع الفاروق حتى توفي ﵀.
وكان الابن عبد الرحيم ﵀ طائعًا لوالديه، ويرحم أمه كثيرًا، ويُحسن إليها، أحسن الله إليه وأنزله الفردوس الأعلى في أعلى منازل الشهداء، وقد أخبرتني والدته - ربط الله على قلبها؛ ﴿لِتَكُونَ مِنَ
[ ٣٧ ]
الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١): أن عبد الرحيم إذا رجع إليها من المدرسة يعطيها أحيانًا بعض الحلوى هديةً لها؛ لحبه لها جمعه الله وإيَّاها وشقيقه وإيَّايَ ووالدينا وجميع المؤمنين الصادقين المخلصين في الفردوس الأعلى في أعلى منازل الشهداء مع النبيين والصديقين والشهداء.
وكان الابن عبد الرحيم كريمًا يكرم أمه، وإخوانه، وأخواته من المال الذي أعطيه من أجل الانتفاع به أثناء المدرسة، وأخبرني الشيخ زمراوي محمد خيري أن عبد الرحيم كان يكرمهم بعد انتهاء الدراسة في التحفيظ ببعض العصيرات، ووصفه بالكرم فقال: «كان عبد الرحيم كريمًا ﵀».
وكان الابن عبد الرحيم لا يقهقه؛ بل كان يبتسم في وجه كل من قابله، وقد أخبرني بعض الأساتذة في مدرسة الإمام حمزة لتحفيظ القرآن الكريم أن عبد الرحيم وأخاه عبد السلام يبتسمان كثيرًا، وقال: قد سمَّيناهما: «المبتسمان»!.
وكان الابن عبد الرحيم قد أخذ زاوية صغيرة من مكتبتي الخاصة، وكلما ألّفت كتابًا أخذ نسخة وجعلها في هذه الزاوية، ومات - ﵀ - ومؤلفاتي في مكتبته الصغيرة التي تتكون من رفٍّ واحد؛ لحبه للاطلاع على كتبي خاصة، غفر الله له، وجمعنا وإياه في الفردوس الأعلى في أعلى منازل الشهداء مع النبيين والصديقين والشهداء.
_________________
(١) سورة القصص، الآية: ١٠.
[ ٣٨ ]
وكان الابن عبد الرحيم يصوم رمضان منذ السنة السادسة من عمره، ويتبعه ستًّا من شوال، ويصوم يوم عاشوراء ويومًا قبله وربما صام يومًا قبله ويومًا بعده، وكان يصوم مع شقيقه عبد الرحمن - ﵀ - تسعة أيام من عشر ذي الحجة، وكان يحافظ على السنن الرواتب وصلاة الوتر.
وكان الابن عبد الرحيم - ﵀ - في العشر الأواخر من رمضان من كل عام يأخذ كتاب الدعاء من الكتاب والسنة قبل الفجر بساعة أو ساعتين من كل ليلة، ويستقبل القبلة، ويرفع كفيه، ويدعو حتى ينهي الكتاب من أوله إلى آخره، رحمه الله تعالى.
وأخبرني الشيخ حافظ قاري غلام محمد فيض الله الذي كان يُحفِّظ الابن عبد الرحيم القرآن الكريم، وكان مع ذلك يذهب بالابن على سيارته إلى المدرسة أيضًا، قال: كنت واقفًا عند الإشارة المرورية يومًا وعبد الرحيم - ﵀ - معي في السيارة، فرأى رجلًا يشرب الدخان ففتح عبد الرحيم - ﵀ - زجاج السيارة وقال: «الدخان حرام» أي ينصح شارب الدخان.
وأخبرني الأخ أيمن بن عبد الله العاصمي أنه كان يوم جمعةٍ في الجامع، وعبد الرحيم ﵀ بجانبه، وكل منهما يقرأ سورة الكهف، وبعد أن أنهيا سورة الكهف تكلّم الأخ أيمن مع الابن عبد الرحيم، قال أيمن: فقال عبد الرحيم ﵀: «لم يبق من خروج الخطيب إلا خمس دقائق، دعنا نستغلّها في التسبيح حتى يخرج علينا الخطيب»، قال الأخ
[ ٣٩ ]
أيمن: «فسبح عبد الرحيم، وسبّحت حتى خرج الخطيب».
وأخبرتني والدة عبد الرحيم - ﵀ - وجمع بينها وبينه في الفردوس الأعلى في أعلى منازل الشهداء، فقالت: إن عبد الرحيم يوم الخميس الموافق ثلاثة عشر من رمضان قبل أن يُتوفَّى بثلاثة أيام آلمته أسنانه، فلم يستطع أن ينام، فجاءت إليه والدته بحبوب مهدئة للآلام وماءٍ، فطلبت منه أن يفطر؛ لأنها تعتقد أنه غير مُكلَّفٍ؛ حيث يبلغ من العمر اثنتي عشرة سنة ونصفًا فقط؛ ولرحمتها له؛ لأنه لم ينم من الألم الشديد في ضرسه، ولكنه امتنع ولم يفطر، فقال له شقيقه عبد الرحمن - ﵀ -: لا تفطر يا عبد الرحيم، فقال عبد الرحيم - ﵀ -: «تُعلِّمني؟» أي أنا لا أفطر.
وقد سَمِعَ مني الابن عبد الرحيم ﵀ ثلاثة الأصول للإمام محمد بن عبد الوهاب - ﵀ -، وحفظ أهم ما فيها، وسمع الدروس المهمة لعامة الأمة مرتين وحفظ أهم ما فيها؛ لكنه لم يكمل المرة الثانية؛ لموته ﵀.
وكنت إذا سألته عن شروط لا إله إلا الله أجاب بالأبيات التي نظمها الشيخ حافظ الحكمي - ﵀ - فإذا قلت: يا عبد الرحيم كم شروط لا إله إلا الله وما عددها؟ فيقول ﵀: ثمانية:
العلم، واليقين، والقبول والانقياد فادرِ ما أقول
والصدق، والإخلاص، والمحبة وفقك الله لِمَا أحبه
[ ٤٠ ]
ثم يقول: والكفر بما يُعْبَد من دون الله.
وقد أخبرني الابن عبد الله، وعبد السلام، وعبد الرزاق أن الابن عبد الرحيم - ﵀ - كان يردّد هذه الأبيات قبل موته فيقول:
إنما الدنيا فناء ليس للدنيا ثبوت
إنما الدنيا كبحرٍ يحتوي سمكًا وحوت
ولقد يكفيك منها أيها الطالب قوت
فاغتنم وقتك فيها قبل ما فيها يموت
إنما الدنيا كبيت نسجته العنكبوت
﵀ ورفع منزلته وجمعنا وإياه وشقيقه في الفردوس الأعلى في أعلى منازل الشهداء؛ فإن هذا الاجتماع الذي لا فراق بعده.
ولم يكن للابن عبد الرحيم ﵀ ما لشقيقه عبد الرحمن من المواقف والمناقب؛ لأن الابن عبد الرحيم صغير السن، فقد كان عمره اثنتي عشرة سنة وستة أشهر تمامًا بلا زيادة ولا نقص، بينما عمر عبد الرحمن ﵀ ثمانية عشر عامًا وتسعة أشهر وتسعة عشر يومًا بلا زيادة ولا نقص.
وكان عبد الرحيم ﵀ يَدْرُسُ في التحفيظ في نفس الجامع الذي يُدَرِّسُ فيه شقيقه، ولكنه عند مُدَرِّسٍ آخر، وقد توفي عبد الرحمن وعبد الرحيم في ساعة الحادث المذكور، وهما في طريقهما إلى حلقات
[ ٤١ ]
القرآن الكريم: الابن عبد الرحمن؛ ليعلّم في حلقة الإمام الذهبي، وعبد الرحيم يتعلّم في حلقة الإمام ابن ماجه، رحمهما الله.
وقد صلَّى عليهما جمع كبير من الناس بعد صلاة الظهر يوم الأحد السابع عشر من رمضان سنة ١٤٢٢هـ، في جامع الراجحي بالربوة بمدينة الرياض، وكان دفنهما بمقبرة النسيم، رحمهما الله تعالى.
أسأل الله العظيم، رب العرش الكريم، الرؤوف، الرحيم، الكريم، المنّان، أن يُدخلهما الفردوس، ويجعل هذا الحادث شهادة لهما، وأن يبلّغهما أعلى منازل الشهداء؛ فإنه - ﷾ - على كل شيء قدير، وهو ذو الجود والإحسان، والفضل والامتنان، لا يُسأل عما يفعل ﵎.
كما أسأله بوجهه الكريم أن يجمع بينهما وبين والديهما في ذاك المكان العظيم؛ فإن هذا هو الاجتماع الذي فراق بعده.
والحمد لله على كل حال، وعلى قدره وقضائه، واختياره، حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه.
وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد بن عبد الله وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أبو عبد الرحمن
سعيد بن علي بن وهف القحطاني
حرر في يوم الخميس الموافق ٢٦/ ١٠/١٤٢٢هـ
[ ٤٢ ]