للحسن البصري مواقفه الشجاعة الباسلة في وجه الحجاج، تشهد له بعلوّ كعبه، وسبقه في هذا الأمر، فقد تصدّى لطغيانه، وجهر بين العامة بسوء أفعاله، وصدع في وجهه بكلمة الحق والصدق. ولا أدلّ على ذلك من موقفه القوي الشجاع حين بنى الحجاج بناءً في
_________________
(١) ميزان الاعتدال للذهبي، ٢/ ٢٢٦ - ٢٢٧، وتقريب التهذيب لابن حجر، ص٢٢٥. وانظر: هزاع الشمري، الحجاج، ص٢٢.
(٢) روى أبو حنيفة عن حماد قال: بشرت إبراهيم (النخعي) بموت الحجاج فسجد وبكى من الفرح. ذكره الحافظ الذهبي في تذكرة الحفاظ، ١/ ٧٣.
(٣) هزاع الشمري، الحجاج، ص٢٢.
(٤) هذه المواقف أضفتها للفائدة [المحقق].
[ ١١٦ ]
واسط – وهي مدينة متوسطة بين البصرة والكوفة –، ونادى الحجاج الناس أن يخرجوا لينظروا إلى روعة البناء، فسارع الحسن البصري وخرج في وسط الجموع الغفيرة وهم يطوفون بهذه البناية، فوقف فيهم خطيبًا يعظ الناس ويقلل الدنيا في أعينهم، فقال: لقد نظرنا فيما ابتنى أخبث الأخبثين، فوجدنا أنّ فرعون شيّد أعظم مما شيَّد، وبنى أعلى مما بنى، ثم أهلك الله فرعون، وأتى على ما بنى وشيّد، ليت الحجاج يعلم أنّ أهل السماء قد مقتوه، وأن أهل الأرض قد غرّوه، فلما سمع الحجاج مقالة الحسن البصري امتقع لونه، وخرس لسانه، وغاص في جلده، ولم يتكلّم ببنت شفة، غير أنه اقتصر على قوله:
حسبك يا أبا سعيد. . . حسبك.
فرد عليه الحسن البصري بثبات جنان، ورباطة جأش: لقد أخذ الله الميثاق على أهل العلم ليبينّنه للناس، ولا يكتمونه.
ولم يملك الحجاج أن يفعل للحسن شيئًا وانصرف، وفي اليوم التالي عاتب جنده وحراسه، ووبّخهم، وعنّفهم قائلًا لهم: تبًّا لكم وسحقًا! يقوم عبد من عبيد أهل البصرة، ويقول فينا ما شاء أن يقول، ثم لا يجد فيكم من يرده أو ينكر عليه، والله لأسقينّكم من دمه يا معشر الجبناء.
واستدعي الحسن لينكّل به الحجاج في وسط حرسه وجنوده، وجاء الحسن، ولما رأى النّطع والسيف والسيّاف دعا ربه أن يكفيه شرّ الحجاج، وأن يجعل نقمته بردًا وسلامًا، كما جعل النار بردًا وسلامًا على إبراهيم الخليل - ﵇ -، فدخل الحسن على الحجاج، ولم يعبأ بما رأى، ولم يهزهّ منظر السيف والنّطع والسيّاف، بل كان في عزّة المؤمن، ووقار الداعي إلى الله، فهابه الحجاج، وأقبل عليه
[ ١١٧ ]
يرحب به، ويدنيه من مجلسه، ويوسّع له، هذا ما حدث في وسط دهشة واستغراب الحرس والجنود.
وطفق الحجاج يسأل الحسن عن بعض أمور الدين، والحسن يجيبه عن كل مسألة بثقة العالم الرباني، لا يتتعتع، ولا يهتزّ، حتى انفضّ المجلس، وأحسن الحجاج للحسن، وطيَّبه (١).