التقى المسلمون والمشركون واقتتلوا قتالا شديدا فانتصر المشركون وانهزم المشركون. وأكثر المسلمون القتل فيهم وغنموا وسبوا فبلغ نفل الفارس ستة آلاف والراجل ألفين وقال في ذلك عفيف بن المنذر:
ألم تر أن الله ذلل بحره وأنزل بالكفار إحدى الجلائل
دعونا الذي شق البحار فجاءنا بأعجب من فلق البحار الأوائل١
وجاء في أسد الغابة أن العلاء بن الحضرمي هو من حضرموت حليف حرب بن أمية وقد خاض البحر بكلمات قالها ودعا بها.
إسلام راهب
كان مع المسلمين راهب من أهل هجر فأسلم فقيل له: ما حملك على الإسلام؟ قال: ثلاثة أشياء خشيت أن يمسخني الله بعدها:
١- فيض في الرمال.
٢- تمهيد أثباج البحر٢.
٣- دعاء سمعته في عسكرهم في الهواء سحرا:
اللهم أنت الرحمن الرحيم لا إله غيرك والبديع فليس قبلك شئ والدائم غير الغافل الحي الذي لا يموت وخالق ما يرى وما لا يرى وكل يوم أنت في شأن علمت كل شئ بغير تعلم.
فعلمت أن القوم لم يعاونوا بالملائكة إلا وهم على حق فكان أصحاب النبي ﷺ يسمعون هذا منه بعد٣ ولم يرو لنا التاريخ اسم هذا الراهب الذي أسلم.
كتاب العلاء لأبي بكر
كتب العلاء إلى أبي بكر بهزيمة أهل الخندق وقتل الحطم وهذا نص الكتاب:
أما بعد فإن الله تبارك اسمه سلب عدونا عقولهم وأذهب ريحهم بشراب أصابوه من النهار، فاقتحمنا عليهم خندقهم فوجدناهم سكارى فقتلناهم إلا الشريد وقد قتل الله الحطم٤.
فكتب إليه أبو بكر: أما بعد فإن بلغك عن بني شيبان بن ثعلبة تمام على ما بلغك وخاض فيه
_________________
(١) تاريخ الطبري: ٢/٢٩٠ البداية والنهاية: ٦/٣٢٩.
(٢) أثباج البحر: أي: أعاليه أو معظمه.
(٣) المنتظم: ٤/٨٤.
(٤) البداية والنهاية: ٤/٧٢٢ تاريخ الطبري: ٢/٢٩١ البداية والنهاية: ٦/٣٢٩.
[ ٥٨ ]
المرجفون فابعث إليهم جندا فأوطئهم وشرد بهم من خلفهم فلم يجتمعوا ولم يصر ذلك من إرجافهم إلى شيء.
ردة أهل عمان ومهرة١
عمان اسم كورة عربية على ساحل بحر اليمن والهند تشتمل على بلدان كثيرة ذات نخل وزروع إلا أن حرها يضرب به المثل. قال الزجاجي سميت عمان بعمان بن إبراهيم الخليل وعمان أرض جبلية يكتنفها الجبل الأخضر وسلسلة جبال أخرى صغيرة بالقرب من ساحل البحر وعاصمتها الآن مسقط على الخليج الفارسي.
ومهرة. قال صاحب معجم البلدان: بالفتح والسكون هكذا يرويه عامة الناس والصحيح مهرة بالتحريك وجدته بخطوط جماعة من أئمة العلم القدماء لا يختلفون فيه٢ هذا ما أثبته ياقوت في معجمه غير أن دائرة المعارف الإسلامية كتبتها بالكون هكذا Mahra وكتاب القرون الوسطى لجامعة كامبردج الجزء الثاني وكان الواجب أن تصحح بالتحريك، Mahara كذلك وقع في نفس هذا الخطأ مستر موير في كتاب الخلافة. وتقع مهرة في الجنوب الشرقي من شبه جزيرة العرب على المحيط الهندي بين حضرموت وعمان.
نبغ بعمان ذو التاج لقيط بن مالك الأزدي وكان يسامى في الجاهلية الجلندي وادعى النبوة وغلب على عمان مرتدا والتجأ جيفر بن الجلندي رئيس أهل عمان وعباد إلى الجبل والبحر ثم بعث جيفر إلى أبي بكر يطلب منه النجدة فأرسل إليه حذيفة بن محصن الغلفاني من حمير وأرسل عرفجة البارقي من الأزد إلى مهرة فإذا قربا من عمان كاتبا جيفرا فمضيا إلى ما أمرا به وكان أبو بكر بعث عكرمة إلى مسيلمة باليمامة واتبعه شرحبيل بن حسنة وأمرهما بما أمر به حذيفة وعرفجة فإذا فرغا منه سارا إلى اليمن فلحقهما عكرمة قبل عمان فلما وصلوا رجاما وهي قريب من عمان كاتبوا جيفرا وعبادا وبلغ لقيطا مجئ الجيش فجمع جموعه وعسكر بدبا وخرج جيفر وعباد من موضعهما الذي كانا فيه فعسكرا بصحار وأرسلا إلى حذيفة وعكرمة وعرفجة فقدموا عليهما وكاتبوا رؤساء مع لقيط وانفضوا عنه ثم التقوا على دبا فاقتتلوا قتالا شديدا كانت الغلبة فيه للقيط ورأى المسلمون الخلل والمشركون الظفر وبينما هم كذلك جاءت المسلمين النجدات من بني ناجية وعليهم الخريت بن راشد ومن عبد القيس وعليهم سيحان بن صوحان وغيرهم فقوى الله المسلمين فولى المشركون الأدبار وقتل منهم في المعركة نحو "١٠. ٠٠٠ " وسبوا الذراري وقسموا الأموال وبعثوا بالخمس إلى أبي بكر مع عرفجة وكان الخمس ٨٠٠ رأس، وبقي حذيفة يسكن الناس ويحفظ النظام٣.
أما مهرة فإن عكرمة بن أبي جهل سار إليهم بعد أن فرغ من عمان ومعه جيوش من ناجية وعبد
_________________
(١) تاريخ الطبري: ٢/٢٩١ ٢ معجم البلدان: ٥/٢٣٤
(٢) تاريخ الطبري: ٢/٢٩٢، البداية والنهاية: ٥/٢٣٤ الإصابة:
[ ٥٩ ]
القيس وراسب وسعد فاقتحم بلادهم فوجد جمعين من مهرة أحدهما مع رجل منهم يقال له شخريت والآخر مع مصبح أحد بني محارب ومعظم الناس معه غير أنهما كانا مختلفين فكاتب عكرمة شخريتا قبل أن يحاربه فأجابه وأسلم وانضم اليه ثم كاتب المصبح الذي كان معه معظم الناس فلم يجب اغترارا بكثرة جيشه فسار إليه مع شخريت وحاربه فانهزم المرتدون وقتل رئيسهم وأصاب المسلمون كثيرا من الغنائم ومما أصابوا "٢٠٠٠ " نجيبة وأرسل عكرمة خمس الغنائم إلى أبي بكر مع شخريت واشتدت شوكة عكرمة وأسلم المرتدون١.
ردة اليمن٢
اتد قيس بن عبد يغوث بن مكشوح باليمن ثانية لما بلغه وفاة رسول الله مع أنه كان اشترك هو وفيروز وداذويه في قتل الأسود العنسي كما تقدم ذكره فلما ارتد أراد التخلص من فيروز وداذويه فخدعهما ودعاهما إلى طعام صنعه لهما فدخل عليه داذويه فقتله وأما فيروز فلما هم بالدخول سمع امرأتين على سطحين تتحدثان فقالت إحداهما: هذا مقتول كما قتل داذويه ففر إلى جبل خولان وهم أخوال فيروز فامتنع بهم وكتب إلى أبي بكر يخبره وعمد قيس إلى تفريق الأنباء فلما علم فيروز جد في حربه وأرسل إلى بني عقيل بن ربيعة وإلى عك يستمدهم فمدوه بالرجال فخرج بهم وبمن اجتمع عنده فلقوا قيسا بالقرب من صنعاء فاقتتلوا قتالا شديدا انهزم قيس وأصحابه. وبينما هم كذلك قدم عكرمة بن أبي جهل من مهرة مع جيشه وقدم أيضا المهاجر بي أبي أمية في جمع من مكة والطائف وبجيلة مع جرير إلى نجران فانضم إليه فروة بن مسيك المرادي فأقبل عمرو بن معدي كرب الذي كان قد ارتد حتى دخل على المهاجر من غير أمان فأوثقه المهاجر وأخذ قيسا أيضا فأوثقه وسيرهما إلى أبي بكر فقال لقيس:
يا قيس قتلت عباد الله واتخذت المرتدين وليجة٣ من دون المؤمنين فانتفى قيس من أن يكون قارف من داذويه شيئا وكان قتله سرا فتجافى له عن دمه.
وقال لعمرو بن معدي كرب:
أما تستحي أنك كل يوم مهزوم أو مأسور. لو نصرت هذا الدين لرفعك الله ٤.
فقال: لا جرم لأقبلن ولا أعود فخلى أبو بكر سبيله.
ورجعا إلى عشائرهما فسار المهاجر من نجران والتقت الخيول على أصحاب العنسي فاستأمنوا فلم يؤمنهم وقتلهم بكل سبيل ثم سار إلى صنعاء فدخلها وكتب إلى أبي بكر بذلك.
_________________
(١) تاريخ الطبري: ٢/٢٩٣ البداية والنهاية: ٦/٣٣١.
(٢) المنتظم: ٤/٨٦.
(٣) الوليجة: البطانة والخاصة.
(٤) تاريخ الطبري: ٢/٢٩٩
[ ٦٠ ]
ردة حضرموت وكندة١
حضرموت صقع ببلاد العرب قيل: سمي بحضرموت بن قحطان لأنه أول من نزله وكان اسم هذا الرجل عامرا فكان إذا حضر حربا أكثر من القتل فصاروا يقولون عند حضوره حضرموت ثم جرى ذلك عليه لقبا وسكنوا الضاد للتخفيف وجعلوا الاسم مركبا مزجيا على الأشهر ثم صاروا يقولون للأرض التي كانت بها هذه القبيلة حضرموت ثم أطلق على البلاد نفسها.
تحد حضرموت غربا باليمن وشرقا بعمان وشمالا بالدهناء وقال ياقوت وهي ناحية واسعة في شرقي عدن بقرب البحر وحولها رمال كثيرة تعرف بالأحقاف٢.
كان الأشعث بن قيس قدم على النبي ﷺ في وفد كندة من حضرموت فأسلموا وسألوا أن يبعث عليهم رجلا يعلمهم السنن ويجبي صدقاتهم فأنفذ معهم زياد بن لبيد البياضي عاملا للنبي ﷺ يجبيهم فلما مات رسول الله نكص الأشعث عن بيعة أبي بكر ﵁ ونهاه ابن امرئ القيس بن عابس فلم ينته فكتب زيا د إلى أبي بكر بذلك فكتب أبو بكر إلى المهاجر بن أبي أمية وكان على صنعاء بعد قتل العنسي أن يمد زيادا بنفسه ويعينه على المرتدين بمن عنده من المسلمين. فجمع زياد جموعه وأوقع بمخاليفه فنصره الله عليهم حتى تحصنوا بالنجير٣ بعد أن رموه فحصرهم فيه ثم قدم إليه عكرمة بجيشه فأعيوا عن المقام في الحصن فاجتمعوا إلى الأشعث وسألوه أن يأخذ لهم الأمان فأرسل إلى زياد بن لبيد يسأله الأمان حتى يلقاه ويخاطبه فأمنه فلما اجتمع به سأله أن يؤمن أهل النجير ويصالحهم فامتنع عليه وراده حتى آمن سبعين رجلا منهم وفيهم أخو قيس وبنو عمه وأهله ونسى نفسه وأن يكون حكمه في الباقي نافذا فخرج سبعون فأراد قتل الأشعث وقال له: أخرجت نفسك من الأمان بتكملة عدد السبعين فسأله أن يحمله إلى أبي بكر ليرى فيه رأيه وفتحوا له حصن النجير وكان فيه كثير فعمد إلى أشرافهم نحو ٧٠٠ رجل فضرب أعناقهم ولام القوم الأشعث وقالوا لزياد: إن الأشعث غدر بنا، أخذ الأمان لنفسه وأهله وماله ولم يأخذ لنا وإنما نزل على أن يأخذ لنا جميعا. وأبى زياد أن يوارى جثث من قتل وتركهم للسباع وكان هذا أشد على من بقي من القتل وبعث السبي مع نهيك بن أوس بن خزيمة وكتب إلى أبي بكر: إنا لم نؤمنه إلا على حكمك وبعث الأشعث في وثاق وماله معه ليرى فيه رأيه فأخذ أبو بكر يقرع الأشعث ويقول له: فعلت فعلت. فقال الأشعث: استبقني لحربك وسأله أن يرد عليه زوجته وقد كان خطب أم فروة بنت أبي قحافة أخت أبي بكر لما قدم على رسول الله فزوجه وأخرها إلى أن يقدم الثانية. فحقن أبو بكر دمه بعد أن أسلم أمامه ورد عليه أهله وقال له انطلق فليبلغني عنك خير ٤.
ولما تزوج الأشعث أم فروة اخترط٥ سيفه ودخل سوق الإبل فجعل لا يرى جملا ولا ناقة إلا
_________________
(١) تاريخ اليعقوبي: ١/١٩٥ البداية والنهاية: ٥/٣٥٢.
(٢) معجم البلدان: ٢/٢٧٠.
(٣) الطبقات الكبرى: ٦/٢٢ الكامل: ٤/٢٢٠
(٤) تاريخ الطبري: ٢/٣٠٤.
(٥) اخترط السيف: سله من غمده.
[ ٦١ ]
عرقبه وصاح الناس كفر الأشعث فلما فرغ طرح سيفه وقال: إني والله ما كفرت ولكن زوجني هذا الرجل أخته ولو كان ببلادنا لكانت لنا وليمة غير هذه. يا أهل المدينة انحروا وكلوا. ويا أصحاب الإبل تعالوا خذوا أثمانها. فما رؤيت وليمة مثلها١.
_________________
(١) سير أعلام النبلاء: ٢/٣٩. الإصابة ١/٨٨
[ ٦٢ ]