ترجح لي القول الرابع الذي ذكره الحاكم النيسابوري، وذلك للأسباب الآتية:
١ - أن الحاكم ذكر هذا التاريخ عن شيخه عبد الله بن محمد بن موسى سماعا وشيخه أيضًا سمعه من شيخه أحمد بن محمد بن سليمان الرازي الحافظ التي عاصر أبا زرعة وهذا يجعل مجال التردد ضيقًا لقرب المدة ما بين الحاكم، وأحمد بن محمد الرازي الحافظ، والتصريح بالسماع.
٢ - ذكر الحاكم في تاريخ نيسابور (^١)، حادثة مهمة تتعلق بتحديد تاريخ ميلاد أبي زرعة، مفادها أن عليًا الرضا بن موسى بن جعفر بن محمد الباقر - ﵃- حينما قدم إلى نيسابور في السفرة التي نال فيها فضيلة الشهادة عرض له في السوق أبو زرعة الرازي، ومحمد بن أسلم الطوسي (^٢)، ومن المعلوم أن علي الرضا توفي سنة (٢٠٣) هـ في شهر صفر (^٣)، وهذا الخبر الذي ذكره الحاكم في تاريخ نيسابور ينسجم مع
_________________
(١) انظر: كشف الغمة في معرفة الأئمة لأبي الحسن الأربلي المتوفى سنة ٦٩٣ هـ. ج ٣ ص ١٠١ - ١٠٢، والفصول المهمة في معرفة الأئمة لعلي بن محمد بن أحمد المالكي ابن الصباغ المتوفى سنة ٨٥٥ هـ. ص ٢٣٥ - ٢٣٦، وكذا مخطوطة الكتاب المصورة عن مكتبة الأمير زيونا، المحفوظة في معهد المخطوطات بجامعة الدول العربية.
(٢) هو: محمد بن أسلم بن سالم الطوسي، أبو الحسن، روى عن يزيد بن هارون، وغيره، وروى عنه أحمد بن سلمة النيسابوري، وغيره. قال عنه أبو زرعة وأبو حاتم: ثقة. وقال ابن خزيمة حدثنا رباني هذه الأمة محمد بن أسلم. توفي في محرم سنة ٢٤٢ هـ. وصلى عليه ألف ألف إنسان. انظر: الجرح والتعديل ج ٣/ ق ٢/ ٢٠١، وتذكرة الحفاظ ج ٢ ص ٥٣٢ - ٥٣٣.
(٣) انظر: البداية والنهاية لابن كثير ١٠/ ٢٤٩ - ٢٥٠ وذكر أنه قد روى الحديث عن أبيه، وغبره، ومروج الذهب للمسعودي ج ٢ ص ٢٥٩ ط ١٢٨٣ هـ. وتاريخ اليعقوبي ج ٢ ص ٤٥٣، وشذرات الذهب ج ٢ ص ٦.
[ ١ / ٥١ ]
تاريخ ولادته التي ذكرها في كتابه (الجامع لذكر أئمة الأمصار ..)
وعليه يكون محدثنا يوم التقى بعلي الرضا بنيسابور ابن تسع وهذا يحتمل منه لاسيما وأنه قد وصف بالفطنة والحفظ، وطلبه للحديث في سن مبكرة، وكان يستقبله بعض الأئمة (^١) بعد أن يعكف على دراسة مجموعة عظيمة من الأحاديث، وحينما يسأل عن سبب اعتكافه يقول: بلغني ورود هذا الغلام، والغلام هو الذي لم يبلغ الحلم، ولم ينبت شاربه. أما التاريخ الذي ذكره الصفدي أي سنة (١٩٠) هـ- فهو ضعيف ولكن يجعل النفس تميل إلى ترجيح سنة (١٩٤) هـ والله أعلم.
أما التاريخ الذي ذكره الخطيب البغدادي، وغيره فيتعارض مع التاريخ الراجح، وإن صح اتصال سند الرواية عن الخطيب حتى أبي زرعة من غير ضعف استبعد التاريخ الذي ذكره الحاكم في كتابه (الجامع لذكر أئمة الأمصار ..) وبهذا أيضًا تنهار الحكاية أو الحادثة التي ذكرها الحاكم نفسه في كتابه تاريخ نيسابور لاستحالة احتمال سماع أبي زرعة من علي الرضا لأن عمر أبي زرعة يكون على التاريخ الذي ذكره الخطيب سنتان.