ذكرتهم في هذا الموضع لأنهم يمثلون السواد الأعظم ولهم الكلمة النافذة المسموعة وكانت لهم المنابر والمدارس والمجالس ومعتقدهم المعتقد الصحيح.
قال ياقوت: "وكان أهل الري أهل سنة وجماعة إلى أن تغلب أحمد ابن الحسن المارداني عليها فأظهر التشيع وأكرم أهله وقربهم فتقرب إليه الناس بتصنيف الكتب في ذلك فصنف له عبد الرحمن بن أبي حاتم كتابًا في
_________________
(١) انظر: ميزان الاعتدال ج ٢ ص ٣، ولسان الميزان ج ٢ ص ٤١٣ - ٤١٤.
(٢) انظر: ميزان الاعتدال ج ٢ ص ٤١٦ - ٤١٧، ولسان الميزان ج ٣ ص ٢٨٢ - ٢٨٣.
(٣) انظر: لسان الميزان ج ٢ ص ٢١٦ - ٢١٧ ونسبه ابن حجر إلى (الحريشي) وورد اسمه في رجال الطوس في أسماء الرواة عن الجواد هكذا: الحسن بن عباس بن (حريش) الرازي. وورد في جامع الرواة ج ١ ص ٢٠٥ الحسن بن عباس بن (جريش) الرازي ونسب الراوي الذي بعده بـ (الجريش) والصواب الحسن بن عباس بن (حريش) بالحاء المهملة المفتوحة والراء المهملة الكسورة والياء المثناة من تحت الساكنة والشين المعجمة انظر: تنقيح المقال للمامقاني ج ١ ص ٢٨٦.
[ ١ / ٣٣ ]
فضائل أهل البيت وغيره وكان ذلك في أيام المعتمد وتغلبه عليها في سنة (٢٧٥) هـ … " (^١).
أما المذاهب الفقهية في الري فكان المشهور المعروف بها مذهب أهل الرأي ومذهب أهل الحديث. وأهل الرأي فهم كما وصفهم الأستاذ الخضري بقوله: "أما أهل الرأي والقياس فإنهم رأوا الشريعة معقولة المعنى، رأوا أصولًا عامة نطق بها القرآن الكريم وأيدتها السنة، ورأوا كذلك لكل باب من أبواب الفقه أصولًا أخذوها من الكتاب والسنة، وردوا إليها جميع المسائل التي تعرض من هذا الباب ولو لم يكن فيها نص، وهم بالنسبة إلى السنة كالأولين- أي أهل الحديث متى وثقوا من صحتها" (^٢).
وأما فقهاء الحديث فقد وصفهم ابن رجب بقوله: "وأما فقهاء أهل الحديث العاملون به، فإن معظم همهم البحث عن معاني كتاب الله ﷿ وما يفسره من السنن الصحيحة، وكلام الصحابة، والتابعين لهم بإحسان، وعن سنة رسول الله ﷺ وصحيحها وسقيمها، ثم الفقه فيها وتفهيمها والوقوف على معانيها، ثم معرفة كلام الصحابة والتابعين لهم بإحسان في أنواع العلوم من التفسير والحديث ومسائل الحلال والحرام، وأصول السنة، والزهد والرقائق، وغير ذلك" (^٣).
ولقد كانت تقع بينهم المناظرات ومجالس الجدل حتى خرج بهم ذلك إلى النفرة والمقاطعة. بل تعدى الأمر إلى الاستعانة بأمير البلد، ولقد ورثوا هذه
_________________
(١) انظر: معجم البلدان في مادة (الري) ولعله لهذا اتهم البعض ابن أبي حاتم بالتشيع وذكره الذهبي في ميزان الاعتدال ج ٢ ص ٥٨٧ - ٥٨٨ ووصفه بالحافظ الثبت ابن الحافظ الثبت وتكلم عنه ثم قال: "وما ذكرته لولا ذكر أبي الفضل السليماني له، فبئس ما صنع، فإنه قال ذكر أسامي الشيعة من المحدثين الذين يقدمون عليا على عثمان … " وذكر، وانظر: لسان الميزان ج ٣ ص ٤٣٢ - ٤٣٣.
(٢) انظر: تاريخ التشريع ص ١٩٧.
(٣) انظر: المدخل إلى مذهب الإمام أحمد ص ٤٥.
[ ١ / ٣٤ ]
الخصومات أبناءهم حتى جاءهم عدوهم فاستباح بيضتهم بعد أن وجد الحالقة حلت بهم. ولقد لعب أبو زرعة دورًا بارزًا متميزًا عن غيره في هذه المناظرات ومجالس الجدل وكان نشيطًا في نشر السنة وحث الناس على الالتزام بها، ومما زاده حماسًا لذلك صلته السابقة بأهل الرأي أيام كان حدثًا صغيرًا يطلب العلم، فيصف حاله بقوله: "كان أهل الري قد افتتنوا بأبي حنيفة وكنا أحداثًا نجري معهم، ولقد سألت أبا نعيم عن هذا وأنا أرى أني في عمل، ولقد كان الحميدي يقرأ كتاب الرد ويذكر أبا حنيفة وأنا أهم بالوثوب عليه حتى منَّ الله علينا … " (^١).
ويبدو أن السبب في تحوله عن مذهب أهل الرأي اتصاله بالأئمة المحدثين، واقتناعه برجحان مذهبهم، وخاصة اتصاله وصلته بالإمام أحمد ابن حنبل، إضافة إلى ذلك نفرته من بعض الآراء والأقوال في المعتقد التي كان أهل الرأي يوافقون بعض الفرق الكلامية فيها كالقول في مسألة خلق القرآن والتي أصبحت الحدَّ الفاصل بين الناس لاسيما إبان محنة الإمام أحمد (^٢)، وكذلك اتهام الإمام أبي حنيفة وأتباعه باعتناق مذهب الجهمية وكذا القول بالإرجاء، قال ابن عبد البر: (كثير من أهل الحجاز استجازوا الطعن على أبي حنيفة لرده كثيرًا من أخبار العدول، لأنه كان يذهب في ذلك إلى عرضها على ما أجمع عليه من الأحاديث ومعاني القرآن، فما شذ عن ذلك رده وسماه شاذًا، وكان مع ذلك يقول: الطاعات من الصلاة وغيرها لا تسمى إيمانًا، وكل من قال من أهل السنة: الإيمان قول وعمل ينكرون قوله ويبدّعونه بذلك، وكان مع ذلك محسودًا لفهمه وفطنته" (^٣)، لذا أصبح إمامنا يحمل راية أهل الحديث وكان يصدر الأوامر بمقاطعة الذين يلتحقون بجماعة أهل الرأي، والامتناع عن كتابة الحديث عنهم، فمثلًا يحيى بن محمد بن يحيى أبو بشر البصري نزيل الريّ قال عنه أبو حاتم: "قدم الري وكان صحيح الحديث، ولحق بابن مقاتل فنهى أبو
_________________
(١) انظر: أجوبة أبي زرعة على أسئلة البرذعي ورقة (٣٦ - ب- ٣٧ - م).
(٢) سأذكرها في فصل الدفاع عن بعض الأئمة …
(٣) انظر: الانتقاء لابن عبد البر ص ١٤٩، وجامع بيان العلم ج ٢ ص ١٤٨ - ١٤٩.
[ ١ / ٣٥ ]
زرعة أن يكتب عنه" (^١). ولقد كان شديدأ مع محمد بن مقاتل الرازي (^٢) إمام أهل الرأي في الري، ولقد صرح بذلك بقوله: "قال محمد بن مقاتل لما قدم الري: رأيت أسباب أبي حنيفة قد ضعفت بالعراق فلأنصرنَّه بغاية النصر قال أبو زرعة فسلط عليه منا ما قد علمت" (^٣)، وكان أهل الرأي يظنون أن الحجج التي كان يجابه بها محمد بن مقاتل ليست من حفظه واستنباطه بل يلقن بها تلقينًا.
يقول ابن أبي حاتم: "سمعت أبا زرعة يقول - وقلت له إنهم كانوا يقولون إن رجلًا بصريًا يحمل إليك الكلام الذي ترويه في ابن مقاتل- فقال: يفرغ ابن مقاتل من مجلسه يوم الجمعة إلى قرب المغرب وأرد عليه من الغد بكرة، من وضع لي؟ وددت أني كنت أرى في ذلك الوقت الذي دفع إلى ما روى في مجلسه رجلا" (^٤) ولقد كان يفتخر الأئمة الحفاظ بموقف أبي زرعة هذا، فكان يقول له أبو جعفر الجمال: ما لهم- يعني أصحاب الرأي- سواك (^٥). ولقد كان غاية أبي زرعة من حملته هذه إظهار سنة رسول الله ﷺ وحث الناس على الالتزام بها وأنها تغني عن آراء الرجال لشمولها وإحاطتها بما يحتاجه المؤمن فيقول: "ما رغبت قط في سكنى الري وما كاشفت القوم وأنا لا أريد مزاحمتهم في دنيا ولا مال ولا في ضيعة وقلت في نفسي أنا لست براغب في شيء من هذا فأقاسي إظهار السنن فإن كان كون خرجت وهربت إلى طرسوس" (^٦)
_________________
(١) انظر: الجرح والتعديل ج ٤/ ق ٢/ ١٨٥.
(٢) محمد بن مقاتل الرازي لا المروزي حدث عن وكيع وطبقته، وعنه محمد بن جرير الطبري وغيره. روى الخليلي في الإرشاد من طريق بهثة بن سليم قال: "سمعت البخاري يقول: حدثنا محمد بن مقاتل. فقيل له الرازي؟ فقال: لأن أخر من السماء إلى الأرض أحب إلي من أن أروي عن محمد بن مقاتل" وأظن ذلك من قبل الرأي، وقال عنه أبو الحسن بن بابويه في (تاريخ الري) فقال: "كان إمام أصحاب الرأي بالريّ ومات بها وكان مقدمًا في الفقه". مات سنة ٢٤٨ هـ. انظر لسان الميزان ج ٥ ص ٣٨٨.
(٣) انظر: أجوبة أبي زرعة على أسئلة البرذعي ورقة (٣٧ - أ-) والمخاطب بالكلام البرذعي.
(٤) انظر: مقدمة الجرح والتعديل ص ٣٤٧ - ٣٤٨.
(٥) انظر: مقدمة الجرح والتعديل ص ٣٤٧.
(٦) انظر: مقدمة الجرح والتعديل ص ٣٤٧. واختار طرسوس دون غيرها لأنها ثغر من ثغور المسلمين أمام الروم وكان أهل الحديث وخاصة المجاهدين منهم يتواجدون فيها.
[ ١ / ٣٦ ]
وظل ملتزمًا بمنهجه هذا ثابتا عليه مما جعل أهل الرأي يستعينون بأمير البلد ليمنعه من التحديث ونشر السنة.
يقول أبو زرعة: "قال لي السري بن معاذ: لو أني قبلت لأعطيت مائة ألف درهم قبل الليل فيك وفي ابن مسلم- أي محمد بن مسلم بن وارة- من غير أن أحبسكم ولا أضربكم أكثر من أن أمنعكم من التحديث" (^١) ولقد كانوا يعمدون إلى بعض ألوان الاستفزاز له، وذلك أن منهم من كان يجلس في مجلسه، ويلقي عليه أحاديث موضوعة باطلة على سبيل الامتحان وإظهار إعجازه عن الجواب عنها، فقد روي عن الحافظ أبي محمد عبد الله بن محمد بن وهب الدينوري المتوفى سنة (٣٠٨) هـ أنه قال: حضرت أبا زرعة، وخراساني يلقي عليه الموضوعات وهو يقول: باطل، والرجل يضحك، ويقول: كل ما لا يحفظه يقول باطل، فقلت: يا هذا ما مذهبك؟ قال: حنفي، قلت: ما أسند أبو حنيفة عن حماد؟ فوقف، فقلت: يا أبا زرعة ما تحفظ لأبي حنيفة عن حماد فسرد أحاديث، فقلت للعلج: ألا تستحي؟ تقصد إمام المسلمين بالموضوعات وأنت لاتحفظ حديثًا لإمامك؟ فأعجب ذلك أبا زرعة وقبلني (^٢).
وهكذا لقي في سبيل نشر السنة ما لقي وثبت عليها وثبت من معه، ولا يفوتني أن أذكر موقفه مع المعتدلين منهم فهؤلاء كان يعاملهم معاملة تختلف عن المتزمتين المتعصبين، فقد أثنى على المعلى بن منصور الرازي (^٣) على الرغم من معرفته لرأي شيخه الإمام أحمد فيه. يقول أبو زرعة: "رحم الله أحمد بن حنبل، بلغني أنه كان في قلبه غصص من أحاديث ظهرت عن المعلى بن منصور، كان يحتاج إليها، وكان المعلى أشبه القوم بأهل العلم؛ ذلك أنه كان
_________________
(١) انظر: مقدمة الجرح والتعديل ص ٣٤٧.
(٢) انظر: تذكرة الحفاظ ج ٢ ص ٧٥٤ - ٧٥٥ في ترجمة الدينوري.
(٣) مضت ترجمته في نماذج من علماء الري والسبب الذي من أجله ترك أحمد الرواية عنه هو ما ذكره أبو حاتم حيث قال: "قيل لأحمد كيف لم تكتب عن معلى، قال: كان يكتب الشروط، ومن كتبها لم يخل من أن يكذب". انظر: الجرح والتعديل ج ٤/ ق ١/ ٣٣٤ وتهذيب التهذيب ج ١٠ ص ٢٣٩ وتاريخ بغداد ج ١٣ ص ١٨٩. والشروط: كتابة الوثائق بالديون والمبيعات وغير ذلك. انظر: اللباب ج ٢ ص ١٩٣.
[ ١ / ٣٧ ]
طلابة للعلم ورحل وعنى به فصبر أحمد عن تلك الأحاديث، ولم يسمع منه حرفًا، وأما علي بن المديني، وأبو خيثمة، وعامة أصحابنا سمعوا منه … " ثم قال بعد كلام: "المعلى صدوق" (^١) وكذلك فقد كان يحترم آراء الحفاظ الآخرين، فلقد كان محمد بن عمير، أبو بكر الطبري (^٢) جليسه والمفتي في مجلسه، كان يفتي برأي أبي ثور (^٣).