عد الرامهرمزي الري من المراكز العلمية التي رحل إليها العلماء طلبًا للحديث وغيره من العلوم، وكذلك ذكرها السخاوي ضمن المدن التي اهتم أهلها بالحديث، وتدوينه، وروايته، ولا بد من معرفة الأسباب التي عملت في تكوين هذا المركز المهم الذي ساهم في نشر العلوم الإسلامية، وتنشيط المراكز الأخرى في بلاد المشرق، ويمكننا أن نحصر هذه الأسباب والعوامل بالنقاط التالية:
١ - لقيت الري قبل الإسلام عناية كبيرة، وحظيت بقدسية ومهابة في نفوس المجوس من أبناء فارس باعتبارها المكان المقدس الثاني عشر عندهم ولأن زرادشت كان من أهلها.
_________________
(١) انظر: أجوبة أبي زرعة على أسئلة البرذعي ورقة (٣٢ - ب) وميزان الاعتدال ج ٤ ص ١٥١، وتهذيب التهذيب ج ١٠ ص ٢٣٩.
(٢) محمد بن عمير أبو بكر الطبري قال ابن أبي حاتم في ترجمته ج ٤/ ق ١/ ٤٠ جليس أبي زرعة والمفتي في مجلسه روى عن الحميدي كتاب الرد على النعمان، وكتاب التفسير، وعن أبي جعفر الجمال، وسهل بن زنجلة، سمعت منه وهو صدوق، وكان يفتي بمذهب أبي ثور.
(٣) أبو ثور هو (م دق) ابراهيم بن خالد بن أبي اليمان الكلبي الفقيه البغدادي. روي عن أبي عيينة والشافعي - وصحبه - وغيرهما، قال عنه أحمد: "أعرفه بالسنة منذ خمسين سنة، وهو عندي في مسلاخ الثوري" وقال لرجل سأله عن مسألة: سل الفقهاء سل أبا ثور، وقال ابن حبان: "كان أحد أئمة الدنيا فقهًا وعلما وورعًا وفضلًا وديانة وخيرًا ممن صنف الكتب وفرع على السنن"- توفي سنة ٢٤٠ هـ. انظر: تهذيب التهذيب ج ١ ص ١١٨.
[ ١ / ٣٨ ]
٢ - أصبحت مركزًا مهما في ظل الدولة الإسلامية، وإحدى القواعد الرئيسة للفتوحات الإسلامية، ونشر الدعوة بين شعوب وأمم تلك البلاد، وكذلك لعبت دورًا مهما في إخماد بعض الثورات والفتن التي قامت في أواخر العصر الأموي والعصر العباسي الأول ودهرًا من الثاني، بل كانت مسرحًا لبعض المعارك والحروب.
٣ - كانت المركز التجاري الرئيسي حيث عمل على تنسيق التجارة بين دول المغرب ودول المشرق، إضافة إلى المواد التي كانت تصدرها.
٤ - مكانها الجغرافي، حيث كانت تقع في طريق قوافل الحجاج القادمة من نيسابور، ومرو، وبلخ، وهراة، وغيرها من البلاد، وهذا يعني نزولهم في خانات الري ودور الضيافة فيها (^١)، وعقد المجالس العلمية وروايتهم للحديث وتدوينهم لما فاتهم من سماعه وذلك حسب مدة إقامتهم فيها.
٥ - انتعاش الحالة الإقتصادية فيها، وهذا عامل مهم في دعم وتنشيط الحركة العلمية.
٦ - تشجيع بعض الخلفاء وأمرائهم لمجالس العلم وتقريب العلماء.
٧ - وجود العوائل العلمية التي كان العلماء المبرزون فيها يورثون أبناءهم علومهم، ومصنفاتهم، ومروياتهم، وهم بدورهم يحافظون عليها ويروونها لطلاب العلم من أبناء الري والقادمين إليهم من الأقاليم الأخرى.
٨ - اشتهار عدد من علمائها بالحفظ والإحاطة بالسنة النبوية ورواة الآثار والعلوم الأخرى.
٩ - نشوء بعض الفرق الكلامية فيها، ونشاط أصحابها في نشرها، مما كان يحمل العلماء الأعلام على رد وتفنيد مقالاتهم الباطلة بالحجة والبرهان وتصنيف الكتب ضدهم.
_________________
(١) كدار البصريين، دار الطيالسة، دار أبي الأقوال، انظر: الجرح والتعديل ج ٣/ ق ١/ ٢١٥ ج ٤/ ق ١/ ١٤ ج ٤/ ق ٢/ ٢٥٣.
[ ١ / ٣٩ ]
وبعد عرضنا لأهم الأسباب والعوامل التي جعلت من الري مركزًا مهما ظل فترة طويلة يمد التراث الإسلامي بالعلماء والمصنفات نذكر أهم العلماء الذين رحلوا إلى الري وحدثوا بها:
١ - (ع) الإمام سعيد بن جبير بن هشام الأسدي الوالبي مولاهم أبو محمد الكوفي الذي قال عنه أبو القاسم الطبري: "ثقة إمام حجة على المسلمين". قتل سنة (٩٥) هـ (^١).
٢ - (٤) الضحاك بن مزاحم الهلالي، أبو القاسم الخراساني، قال عنه ابن معين وأبو زرعة والعجلي والدارقطني: "ثقة". ولقي الضحاك سعيد بن جبير في الري وأخذ عنه التفسير. ت (١٠٥) هـ (^٢).
٣ - (ع) عامر بن شراحيل بن عبدٍ الشعبي، الحميري، أبو عمرو الكوفي الذي قال عن نفسه: "أدركت خمسمائة من الصحابة"، قال عنه ابن معين وأبو زرعة وغير واحد: "ثقة"، دخل الري مع قتيبة بن مسلم الباهلي﵀- توفي الشعبي سنة (١٠٣) هـ وقيل غير ذلك (^٣).
٤ - خباب بن نافع الضبي الكوفي الذي يروي عن نافع مولى ابن عمر (ت (١١٧) هـ) قال ابن أبي حاتم في ترجمته: "قدم الري زائرًا لجرير بن عبد الحميد (ت (١٨٨) هـ)، روى عنه يحيى بن المغيرة". ولم أقف على تاريخ وفاة خباب (^٤).
٥ - (بخ م ٤) الحجاج بن أرطأة بن ثور بن هبيرة النخعي أبو أرطأة الكوفي القاضي أحد الفقهاء وهو صدوق كثير الخطأ والتدليس، شخص إلى الرّيّ بصحبة الخليفة المهدي﵀- (١٦٩) هـ- قال خليفة بن خياط: "مات بالري". توفي الحجاج سنة (١٤٥) هـ (^٥).
_________________
(١) انظر: تهذيب التهذيب ج ٤ ص ١١ - ١٤، فتوح البلدان، ق ٢ ص ٣٩٢.
(٢) انظر: تهذيب التهذيب ج ٤ ص ٤٥٣ - ٤٥٤، والجرح والتعديل لابن أبي حاتم ج ٢/ ق ١/ ٤٥٨ - ٤٥٩.
(٣) انظر: تهذيب التهذيب ج ٥ ص ٦٥ - ٦٦، وفتوح البلدان ق ٢/ ص ٣٩٢.
(٤) انظر: الجرح والتعديل ج ١/ ق ٢/ ٣٩٥.
(٥) انظر: تهذيب التهذيب ج ٢ ص ١٩٦ - ١٩٨، وفتوح البلدان، ق ٢/ ص ٣٩٣.
[ ١ / ٤٠ ]
٦ - الإمام محمد بن الحسن الشيباني أبو عبد الله أحد الفقهاء وصاحب الإمام أبي حنيفة﵀- كان من بحور العلم والفقه قويًا في مالك، وتفقه على أبي حنيفة وسمع الحديث من الثوري والأوزاعي ومسعر وغيرهم.
قال الشافعي: "حملت عن محمد وقر بعير كتبًا". قال ثعلب: "توفي الكسائي ومحمد بن الحسن في يوم واحد فقال الناس: "دفن اليوم اللغة والفقه". وذلك سنة (١٨٠) هـ برنبوية من أعمال الريّ (^١).
٧ - (خت م ٤) محمد بن اسحاق بن يسار المدني، أبو بكر المطلبي مولاهم. كان الزهري يتلقف المغازي منه وقال عنه شعبة: "أمير المؤمنين لحفظه".
وقال ابن عدي: "له حديث كثير وقد روى عنه أئمة الناس ولو لم يكن له من الفضل إلا أنه صرف الملوك عن الاشتغال بكتب لا يحصل منها شيء إلى الاشتغال بمغازي رسول الله ﷺ ومبعثه ومبدأ الخلق لكانت هذه فضيلة سبق إليها وقد صنفها بعده قوم فلم يبلغوا مبلغه". توفي سنة (١٥٢) أو (١٥٣) هـ (^٢).
٨ - (ع) أمير المؤمنين في الحديث سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري أبو عبد الله الكوفي الحافظ، الفقيه، العابد، الإمام، الحجة، حدث بالري ما لم يحدث بغيرها من الأمصار، وكان يستعين به القاضي الزبير بن عدي حيث كان يستفتى الثوري في قضايا ترد عليه، ويفتيه الثوري فيقضي بها الزبير، توفي سنة (١٦١) هـ (^٣).
٩ - علي بن حمزة بن عبد الله بن قيس الأسدي مولاهم الكوفي الكسائي أحد أئمة القراءة والتجويد في بغداد. وكان نحويًا لغويًا أدب الرشيد وولده
_________________
(١) انظر: لسان الميزان ج ٥ ص ١٢١ - ١٢٢، تاريخ بغداد للخطيب البغدادي ج ٢ ص ١٧٢ - ١٨٢، البداية والنهاية لابن كثير ج ١٠ ص ٢٠٢ - ٣٠٢.
(٢) انظر: تهذيب التهذيب ج ٩ ص ٣٨ - ٤٦، والإرشاد ج ٢، وتاريخ بغداد ج ١ ص ٢١٤ - ٢٣٤.
(٣) انظر: الجرح والتعديل ج ٢/ ق ١/ ٢٢٢، وتهذيب التهذيب ج ٤ ص ١١١، ١١٥، والمحدث الفاصل ص ٦٢٠.
[ ١ / ٤١ ]
الأمين.
قال الشافعي: "من أراد النحو فهو عيال على الكسائي" توفي سنة (١٨٠) هـ وكان في صحبة الرشيد ببلاد الري (^١).
١٠ - (ع) الإمام القدوة الزاهد المجاهد عبد الله بن المبارك المروزي، مولى بني حنظلة الثقة، الثبت، الفقيه الذي جمعت فيه خصال الخير. قال ابن أبي حاتم في ترجمة سعد بن عمرو الرازي: "كان ابن المبارك ينزل عليه إذا قدم الري". توفي سنة (١٨١) هـ (^٢).
١١ - أبو الفضل سلمة بن بشير النيسابوري توفي سنة (٢١١) هـ الذي قال عن نفسه: "حدثت بالري أربعين ألف حديث فهل يتهيأ لأحد أن يعتب علي شيئًا؟ " (^٣).
١٢ - (خ د ت س فق) الإمام علي بن عبد الله بن جعفر بن نجيح، السعدي مولاهم، أبو الحسن، ابن المديني البصري، الثقة، الثبت، أعلم أهل عصره بالحديث، وعلله حتى قال البخاري: "ما استصغرت نفسي إلا عنده"، وقال النسائي: "كأن الله خلقه للحديث". توفي سنة (٢٣٤) هـ (^٤).
وغير هؤلاء الأعلام، وحتى في مجال العلوم الأخرى فقد رحل إلى الري مثلًا الفزاري المنجم محمد بن إبراهيم بن حبيب الكوفي (^٥).
ومما يدل على أهمية الري والرحلة إليها قول الإمام أحمد بن حنبل: "لو كان عندي خمسون درهمًا، كنت قد خرجت إلى الري، إلى جرير بن عبد الحميد، فخرج بعض
_________________
(١) انظر: تهذيب التهذيب ج ٧ ص ٣١٣ - ٣١٤، وفتوح البلدان ق ٢/ ص ٣٩٢.
(٢) انظز: تهذيب التهذيب ج ٥ ص ٣٨٢ - ٣٨٧ والجرح والتعديل ج ٢/ ق ١/ ٩١.
(٣) انظر: الجرح والتعديل ج ٢/ ق ١/ ١٥٧.
(٤) انظر: الجرح والتعديل ج ٢/ ق ١/ ١٦٩، وأجوبة أبي زرعة على أسئلة البرذعي ورقة (٥ - ب).
(٥) انظر: المسالك والممالك ص ١٢٢ والفزاري هو: محمد بن إبراهيم بن محمد بن حبيب بن سمرة الفزاري أول من عمل في الإسلام أسطرلابا كان عالمًا بالفلك سماه ياقوت (في معجم البلدان) وكذا له (الزبج علي سني العرب) و(المقياس للزوال) و(العمل بالأسطرلاب المسطح) و(القصيدة في علم النجوم) توفي سنة ١٨٨ هـ. انظر: أخبار الحكماء للقفطي ١٧٧ و٤٢ وتهذيب التهذيب، ١١ ص ١٥١ - ١٥٣ والأعلام ج ٦ ص ١٨١.
[ ١ / ٤٢ ]
أصحابنا ولم يمكني الخروج، لأنه لم يكن عندي" (^١) ومن مجالس العلم المهمة، المجالس التي كان يعقدها وزير المهدي معاوية بن عبيد الله الأشعري (^٢) وكان يحدث في مجلسه محمد بن إسحاق صاحب السيرة النبوية" (^٣).
_________________
(١) انظر: آداب الشافعي ومناقبه لابن أبي حاتم ص ٨١.
(٢) هو: معاوية بن عببد الله بن يسار، الأشعري بالولاء، أبو عبيد الله، من كبار الوزراء اشتغل بالحديث والأدب، واتصل بالمهدى يعظمه ولا يخالفه في شيء يشير به عليه وكان أوحد الناس في عصره حذقًا وخبرة وكتابة، دفن في مقبرة قريش ببغداد سنة ١٧٠ هـ. انظر تاريخ بغداد ج ١٣ ص ١٩٧.
(٣) انظر: الإرشاد ج ٢ في ترجمة محمد بن إسحاق.
[ ١ / ٤٣ ]