إن نضوج الحركة العلمية في مدينة الري كان لها أثر كبير على أبي زرعة في تحصيله العلمي، وخاصة جو الأسرة التي عاش وترعرع فيها حيث توجيهات أبيه، وأعمامه، ومن ثم الجهد الذي أبداه في رحلاته إلى المراكز العلمية الأخرى والصبر على طلب الحديث، ولقائه بكبار المحدثين، والمشهورين في سعة الرواية والدراية من علماء عصره كل ذلك مكنه من بلوغه مكانة الأئمة الحفاظ، وجعله يشار إليه بالبنان، ويحتج بأقواله في الجرح والتعديل وبيان علل الحديث سندًا ومتنًا، وظل من بعده من الأئمة يستشهدون بآرائه الصائبة، ويستنبطون القواعد من فوائده ﵀.
ابتدأ أبو زرعة بطلب الحديث في سن مبكرة، وقد مر آنفًا اهتمام أبيه به وحمله إلى مجالس العلماء كالدشتكي، وغيره. وكان صاحب همة، طلابة للعلم حريصًا على مجالسه يقول عن نفسه "كنا نبكر بالأسحار إلى مجلس الحديث نسمع من الشيوخ، فبينما أنا يومًا من الأيام قد بكرت، وكنت حدثًا إذ لقيني في بعض طرق الري من سماه أبي ونسيته أنا شيخ مخضوب بالحناء فيما وقع لي فسلم عليّ فرددت السلام فقال لي: يا أبا زرعة سيكون لك شأن وذكر … " (^١) وكان يتتبع
_________________
(١) انظر: تاريخ دمشق لابن عساكر في ترجمة أبي زرعة، وسَيَرِدُ الخبر كاملا في زهده.
[ ١ / ٥٥ ]
العلماء في مجالسهم، ويأخذ عنهم سواء عن الذين يمرون بالري، أو الذين نزلوا بها، ولقد كان علماء بلده يعرفون فضله وحفظه للحديث منذ نعومة أظفاره، ويفتخرون به أمام من يقدم عليهم من الحفاظ، فقد روى الخطيب بسنده إلى أبي العباس محمد بن إسحاق الثقفي أنه قال "لما انصرف قتيبة بن سعيد (^١) إلى الري سألوه أن يحدثهم فامتنع وقال: أحدثكم بعد أن حضر مجالسي أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، وأبو بكر بن أبي شيبة وأبو خيثمة؟ قالوا له: فإن عندنا غلامًا يسرد كل ما حدثت به مجلسًا مجلسًا، قم يا أبا زرعة، فقام أبو زرعة فسرد كل ما حدث به قتيبة، فحدثهم قتيبة" (^٢).
ومما يدل على تبكيره في طلب العلم وتقييد الحديث قوله عن نفسه "إن في بيتي ما كتبته منذ خمسين سنة ولم أطالعه منذ كتبته .. " (^٣). ولم أقف على نص يحدد لنا بالضبط السنة التي ابتدأ بها أبو زرعة تلقّيه العلم، وروايته للحديث إلا أن الحاكم النيسابوري ذكر أن أبا زرعة ارتحل من الري وهو ابن ثلاث عشرة سنة (^٤).
ومن المعلوم أن طالب العلم قبل أن يبتدئ بالرحلة في طلب الحديث،
_________________
(١) (ع) قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف بن عبد الله الثقفي مولاهم أبو رجاء البغلاني، روى عن مالك والليث، وجرير بن عبد الحميد، وغيرهم، وعنه الجماعة سوى ابن ماجة، وروى له الترمذي أيضًا وابن ماجة بواسطة أحمد بن حنبل، وأبو بكر بن أبي شيبة، وابن المدينى، والحميدي وغيرهم. قال ابن معين، وأبو حاتم، والنسائي: ثقة، وزاد النسائي صدوق، وقال أحمد بن سيار المروزي: "كان ثبتًا فيما روى صاحب سنة وجماعة ولد سنة ١٥٠ هـ، وتوفي سنة ٢٤٠ هـ. روى له البخاري ٣٠٨ أحاديث ومسلم ٦٦٨، انظر: تهذيب التهذيب ج ٨ ص ٣٥٨ - ٣٦١، والجرح والتعديل ج ٣/ ق ٢/ ١٤٠
(٢) انظر: تاريخ بغداد ج ١٠ ص ٣٣٢، وتاريخ دمشق لابن عساكر، في ترجمة أبي زرعة. وشرح علل الترمذي ص ١٩٠.
(٣) انظر: تاريخ بغداد ج ١٠ ص ٣٣٢، وطبقات الحنابلة ج ١ ص ٢٠١، والمنهج الأحمد ج ١ ص ١٤٩، وتهذيب الكمال للمزي مخطوط (٤٤٢ - ب-)، وتهذيب التهذيب ج ٧ ص ٣٣.
(٤) انظر: سير أعلام النبلاء في ترجمة أبي زرعة حيث نقل الذهبي الخبر من كتاب (الجامع لذكر أئمة الأمصار المزكين لرواة الأخبار) للحاكم.
[ ١ / ٥٦ ]
يحفظ ويدون أحاديث شيوخ بلده (^١) والقرى المجاورة لها، والقادمين إليها، ويعد من القلائل الذين رحلوا في طلب الحديث في مثل سنه، وبرحلته إلى المدن والمراكز القريبة والبعيدة عن بلده ابتدأ طورًا جديدًا في حياته العلمية (^٢) إذ فيها يلتقي بمن كانت تشد الرحال إليهم لغزارة علمهم، وكثرة حفظهم.
سئل أبو زرعة في أي سنة كتبتم عن أبي نعيم- الفضل بن دكين-؟ قال: "في سنة أربع عشرة ومائتين ومات في سنة ثماني عشرة ومائتين" (^٣)، وأخذ التفسير عن الأئمة الكبار المعنيين به والثقات في روايته (^٤) وكذلك علم القراءات أتقنه من عيسى بن ميناء، المعروف بقالون المقرئ، وحفص الدوري، وخلف البزار، وغيرهم (^٥) وكان يقول: "أنا أحفظ ستمائة ألف حديث صحيح وأربعة عشر ألف إسناد في التفسير والقراءات، وعشرة آلاف حديث مزورة، قيل له: ما بال المزورة تحفظ؟ قال: إذا مرّ بي منها حديث عرفته" (^٦)، وأخذ ولعه وحبه لطلب الحديث يزداد كلما ازداد حفظه له، وكان ﵀ يكثر من ملازمة الأئمة الأفذاذ ويستزيد منهم كتابة الحديث كأحمد بن حنبل (^٧)، وابن أبي شيبة وغيرهم.
روى الخطيب بسنده إلى أبي زرعة أنه قال: "كتبت عن رجلين مائتي ألف حديث، كتبت عن إبراهيم الفراء مائة ألف حديث، وعن ابن أبي شيبة عبد الله
_________________
(١) قال أبو زرعة: "كتبت بالري قبل أن أخرج إلى العراق عن نحو ثلاثين شيخًا … " وذكرهم وانظر: رحلاته في طلب الحديث.
(٢) انظر: فصل رحلاته في طلب الحديث.
(٣) انظر: مقدمة الجرح والتعديل ص ٣٣٩، وكان الفضل بن دكين الملائي بالكوفة ويقصده كبار المحدثين كأحمد وغيره، وانظر: ترجمته في شيوخ أبي زرعة.
(٤) انظر: فصل مؤلفاته عند الكلام عن معرفته بالتفسير.
(٥) انظر: فصل معرفته بالقراءات.
(٦) انظر: شرح علل الترمذي لابن رجب ص ١٩٢.
(٧) انظر: رحلته إلى بغداد.
[ ١ / ٥٧ ]
مائة ألف حديث" (^١)، ولازم إبراهيم بن موسى الفراء ثماني سنين من سنة أربع عشرة في آخرها إلى سنة اثنتين وعشرين (^٢)، وكتب عن أبي سلمة التبوذكي عشرة آلاف حديث، وعن حماد بن سلمة عشرة آلاف حديث أيضًا (^٣). وكان إلى جانب تلقيه العلم وروايته للحديث وتقييده ينشر السنة النبوية ويعلمها للناس، ويدافع عنها ويرد على المخالفين المعترضين، وكان تقبل عليه جموع الطلبة فيروي لهم ويسمع منهم الحديث ويصوب الصحيح، ويعلل الضعيف، وكان ابن أبي حاتم يقول عنه: "كان أبو زرعة قل يوم ألا يخرج معه إلى المسجد كتابين أو ثلاثة كتب لكل قوم كتابهم الذي سألوه فيه فيقرأ على كل قوم ما يتفق له القراءة من كتاب ثم يقرأ للآخر كتابه الذي قد سأل فيه أوراقًا ثم يقرأ للثالث كمثل ذلك فإذا رجعوا أولئك في يومهم يكون قد أخرج معه كتابهم فيجيء إلى الموضع الذي كان قرأ عليهم إلى ذلك المكان فيقرأ من غير أن يسألهم: إلى أين بلغتم؟ وما أول مجلسكم؟ فكان ذلك دأبه كل يوم لا يستفهم من أحد منهم أول مجلسه وهذا بالغداة وبالعشي كمثل، ولا أعلم أحدًا من المحدثين قدر على هذا" (^٤).