لقد اهتم أبو زرعة بمدينة البصرة كاهتمامه بمدينة بغداد والكوفة وغيرهما من المراكز العلمية في العراق فتردد إليها أكثر من مرة وروى الكثير عن أئمتها وكانوا يكرمونه ويعرفون مكانته، قال ابن أبي حاتم: "سمعت أبا زرعة يقول لنا أبو الوليد الطيالسي (^٣): إذا كان عندنا قوم فلا تستأذنوا فليس عليكم حجاب. وربما دخلنا عليه وهو يأكل فيشدد علينا أن كلوا" (^٤)، ولقد كتب عنه أبو زرعة
_________________
(١) (م ق) سويد بن سعيد بن سهل بن شهريار الهروي، أبو محمد الحدثاني الأنباري نزيل حديثة النورة روى عن الداروردي، وغيره. وعنه مسلم وابن ماجة، وأبو زرعة، وغيرهم. قال البغوي: "كان من الحفاظ وكان أحمد ينتقي عليه لولديه فيسمعان منه"، وقال أيضًا: "أرجو أن يكون صدوقًا"، وقال البخاري: "كان قد عمي فيلقن ما ليس من حديثه"، وقال ابن معين: "حلال الدم"، توفي سنة ٢٤٠ هـ. انظر: تهذيب التهذيب ج ٤ ص ٢٧٢ - ٢٧٥، والجرح والتعديل ج ٢/ ق ٢/ ٢٤٠، وتاريخ بغداد ج ٩ ص ٢٢٨ - ٢٣٢.
(٢) انظر: أجوبة أبي زرعة ورقة (٩ - أ، ب-) وتاريخ بغداد ج ٩ ص ٢٣٠ ومعجم البلدان مادة (حديثة).
(٣) أبو الوليد هو: (ع) هشام بن عبد الملك الباهلي مولاهم، أبو الوليد الطيالسي البصري الحافظ الإمام الحجة. قال العجلي: "بصري ثقة ثبت في الحديث وكانت الرحلة إليه بعد أبي داود" وقال عنه أبو زرعة: "أدرك نصف الإسلام وكان إمام زمانه جليلًا عند الناس" ت سنة ٢٢٧ هـ. انظر: الجرح والتعديل ج ٤/ ق ٢/ ٦٥ وتهذيب التهذيب ج ١١ ص ٤٥.
(٤) انظر: مقدمة الجرح والتعديل ص ٣٤٥.
[ ١ / ٧١ ]
الكثير وكان يُمَيّزُ وينتقي وينتخب من أحاديثه، ولا يدون كل حديث يسمعه قال ابن أبي حاتم: "سمعت أبا زرعة يقول: قعدت إلى أبي الوليد يومًا فحملت عنه ثمانية عشر حديثًا، وحدثنا مذاكرة من غير أن كتبت منه حرفا وتحفظت عنه كله) (^١)، ولازم الحافظ موسى بن إسماعيل التبوذكي (^٢) وكتب عنه الكثير أيضًا.
قال ابن أبي حاتم: "سمعت أبا زرعة يقول- كتبت عن أبي سلمة التبوذكي عشرة آلاف حديث، أما حديث حماد بن سلمة (^٣) فعشرة آلاف حديث وكنا نظن أنه يقرأ كما كان يقرأ قديمًا فاستكتبنا الكثير، ومات فبقي علينا شيء نحو قوصرة (^٤) فوهبت لقوم بالبصرة" (^٥). ولقد كان يتجنب في رحلاته أهل البدع فلا يقربهم ولا يكتب عنهم.
قال ابن أبي حاتم في كتاب الرد على الجهمية: حدثنا أبي وأبو زرعة قال: "كان يحكى لنا أن هنا رجلًا من قصة هذا، فحدثني أبو زرعة قال: كان بالبصرة رجل وأنا مقيم في سنة ثلاثين ومائتين فحدثني عثمان بن عمرو بن الضحاك عنه أنه قال: إن لم يكن القرآن مخلوقا فمحا الله ما في صدري من
_________________
(١) انظر: مقدمة الجرح والتعديل ص ٣٣٢.
(٢) موسى هو (ع) ابن إسماعيل المنقري مولاهم أبو سلمة التبوذكي البصري سمع من حماد ابن سلمة تصانيفه، وكتب عنه يحيى بن معين خمسًا وثلاثين ألف حديث ت ٢٢٣ هـ. انظر: تذكرة الحفاظ ج ١ ص ٣٩٤، وتهذيب التهذيب ج ١٠ ص ٣٣٣ - ٣٣٥.
(٣) حماد هو (خت م ٤) ابن سلمة بن دينار البصري أبو سلمة قال ابن حبان: (لم يكن من أقران حماد بن سلمة بالبصرة مثله في الفضل والدين والنسك والعلم والكتب والجمع والصلابة في السنة والقمع لأهل البدع ..) وقال البيهقي: "هو أحد أئمة المسلمين إلا أنه لما كبر ساء حفظه فلذا تركه البخاري، وأما مسلم فاجتهد وأخرج من حديثه عن ثابت ماسمع منه قبل تغيره وماسوى حديثه عن ثابت لا يبلغ اثني عشر حديثًا أخرجها في الشواهد … " ت ٦٧ هـ. انظر: تهذيب التهذيب ج ٣ ص ١١ - ١٦.
(٤) القوصرة: مخففة الراء أو مثقلها وعاء من قصب يرفع فيه التمر من البوازي انظر: لسان العرب ج ٦ ص ٤١٦٧.
(٥) انظر: مقدمة الجرح والتعديل ص ٣٣٥.
[ ١ / ٧٢ ]
القرآن وكان من قراء القرآن فنسى حتى كان يقال له: قل: "بسم الله الرحمن الرحيم" فيقول: معروف معروف ولا يتكلم به، قال أبو زرعة: فجهدوا بي أن أراه فلم أره" (^١)، ولقد كان يعقد مجالس لمناظرة بعض الحفاظ الذين يكذبون في بعض مجالسهم واكتفى بذكر أول مجلس له مع سليمان الشاذكوني (^٢)، فقد روى الخطيب بسنده إلى أبي زرعة أنه قال: "دخلت البصرة فصرت إلى سليمان الشاذكوني يوم الجمعة وهو يحدث، وهو أول مجلس جلست إليه فقال: حدثنا يزيد بن زريع، عن محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر عن قتادة، عن محمود بن لبيد، عن جابر، عن النبي ﷺ: "ما من رجل يموت له ثلاثة من الولد فتمسه النار إلا تحلة القسم" فقلت للمستملي: ليس هذا من حديث عاصم بن عمر، إنما هذا رواه محمد بن إبراهيم، فقال له فرجع إلى محمد ابن إبراهيم. قال: وذكر في هذا المجلس أيضًا فقال: حدثنا ابن أبي غنية، عن أبيه، عن سعد بن إبراهيم، عن نافع بن جبير، عن أبيه أنه قال: "لاحلف في الإسلام"، قال: فقلت هذا وهم، وهم فيه إسحاق بن سليمان، وإنما هو سعد بن إبراهيم، عن أبيه، عن جبير، قال من يقول هذا؟ قلت: حدثنا إبراهيم بن موسى الفراء حدثنا ابن أبي غنية، عن أبيه، عن سعد ابن إبراهيم، عن أبيه، عن جبير، قال: فغضب ثم قال لي: ما تقول فيمن جعل الأذان مكان الإقامة؟ قلت: يعيد. قال: من قال هذا؟ قلت: الشعبي. قال: من عن الشعبي؟ قلت: حدثنا قبيصة، عن سفيان، عن جابر، عن الشعبي، قال: ومن غير هذا؟ قلت: إبراهيم. قال من عن إبراهيم؟ قلت: حدثنا أبو نعيم حدثنا منصور بن أبي الأسود، عن مغيرة عن إبراهيم. قال: أخطأت. قلت: حدثنا أبو نعيم حدثنا جعفر الأحمر عن مغيرة عن إبراهيم. قال: أخطأت، قلت حدثنا أبو نعيم حدثنا أبو كدينة عن مغيرة عن إبراهيم. قال: أصبت. قال أبو زرعة: كتبت هذه الأحاديث الثلائة عن أبي نعيم فما طالعتها منذ كتبتها فاشتبه علي ثم
_________________
(١) انظر: العلو للعلي الغفار للذهبي ص ١٣٨ - ١٣٩.
(٢) سليمان هو ابن داود المنقري الشاذكوني البصري الحافظ أبو أيوب قال البخاري: "فيه نظر"، وقال صالح بن محمد الحافظ: "ما رأيت أحفظ من الشاذكوني، وكان يكذب في الحديث" ت ٢٣٤ هـ. انظر: ميزان الاعتدال ج ٢ ص ٢٠٥ - ٢٠٦.
[ ١ / ٧٣ ]
قال: وأي شيء غير هذا؟ قلت: معاذ بن هشام، عن أشعث، عن الحسن، قال: هذا سرقته مني- وصدق- كان ذاكرني به رجل ببغداد فحفظته عنه" (^١).