تشمل بلاد الشام عدة مدن. ولقد زارها أبو زرعة أكثر من مرة فنص على دخولها في رحلته الثانية، ورحلته الثالثة. ولعله دخلها أثناء سفره لبعض البلاد، ولقد كانت بلاد الشام تتمتع بمكانة علمية وفنية وخاصة مدينة دمشق ذلك لأنها شرفت بدخول العديد من الصحابة الذين التف حولهم الكثير من التابعين. قال السخاوي: "وكثر بها العلم في زمن معاوية، ثم في زمن عبد الملك وأولاده، وما زال بها فقهاء، ومحدثون، ومقرئون، في زمن التابعين وتابعيهم، إلى أيام أبي مسهر، ومروان بن محمد الطاطري، وهشام، ودُحيم، وسليمان بن بنت شرحبيل، ثم أصحابهم، وعصرهم، وهي دار قرآن وحديث وفقه" (^٦).
_________________
(١) انظر: الجرح والتعديل ج ٤/ ق ١/ ١٤٠.
(٢) انظر: الجرح والتعديل ج ٣/ ق ٢/ ٢٧٨.
(٣) انظر: تهذيب التهذيب ج ٨ ص ١١٢، وخلاصة التذهيب ص ٢٩٤، والجرح والتعديل ج ٣/ ق ١/ ٢٦٨.
(٤) انظر: علل الحديث ج ٢ ص ٩٤.
(٥) انظر: أجوبة أبي زرعة على أسئلة البرذعي ورقة (٣٩).
(٦) انظر: الإعلان بالتوييخ ص ٦٦١ - ٦٦٢.
[ ١ / ٧٥ ]
وسأذكر طرفا من أخباره- أي أبو زرعة- وأحواله في دمشق، ثم ما جاورها من مدن أخرى من بلاد الشام، وأبتدئ بدمشق لما ذكر من فضلها آنفا. وأبدأ بما ذكره ابن عساكر في تاريخه مقتصرًا على أخباره فيها، حيث قال بعد نعته بما يستحق "سمع بدمشق من صفوان بن صالح، وعبد الله بن أحمد بن بشير بن ذكوان، وعمران بن يزيد بن أبي جميل، والعباس بن الوليد ابن مزيد الخلال، وعبد الحميد بن بكار، وعمرو بن المغيرة بن الوليد بن يزيد البيروتي، وخلاد بن يحيى، وأيى نعيم، والقعنبي، وسعيد بن محمد الجرمي، وعيسى بن ميناء قالون، وسهل بن تمام بن بزيع، ومحمد بن سعيد بن سابق، وقرة بن حبيب القنوي" (^١)، وذكر غيرهم. ولقد التقى بأئمة حفاظ وأخذ عنهم والتقى ببعض القراء مثل عبد الله بن أحمد البهراني المقرئ (^٢). وأخذ عن محمد بن عائذ القرشي الدمشقي صاحب المغازي (^٣)، ولقد كان بعض الأئمة يعكف على مصنفاته ومصنفات غيره استعدادًا لمذاكرته بها، نقل إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني عن سليمان بن عبد الرحمن أبي أيوب الدمشقي أنه قال: "بلغني ورود هذا الغلام الرازي يعني أبا زرعة فدرست للقائه ثلاثمائة ألف حديث" (^٤). وحتى كان بعض المتشددين في الرواية ومن فيه الجفاء يعرف حقه وينزله منزلته.
يقول أبو زرعة: "لما أتيت محمد بن عائذ وكان رجلًا جافيًا ومعي جماعة فرفع صوته فقال: من أين أنتم؟ قلنا من بلدان مختلفة من خراسان، من الري، من كذا وكذا. قال: أنتم أمثل من أهل العراق، قال ما تريدون؟ ورفع صوته. قلنا: شيئًا من حديث يحيى بن حمزة فلم أزل أرفق به وأداريه حتى حدثني بما معي ثم قال: خذ الكتاب فاذهب به معك. قال أبو زرعة: فدعوت له وشكرته على مافعل. قلت: أنا أجل كتابك عن حمله وأنا أصيب نسخة هذا عند
_________________
(١) انظر: تاريخ دمشق لابن عساكر في ترجمة أبي زرعة. وانظر تراجم هؤلاء في: الفصل المتعلق بشيوخه، وذكر ابن عساكر أيضًا بعض شيوخه الذين لم يسمع منهم في دمشق.
(٢) انظر: تهذيب التهذيب ج ٥ ص ١٤٠، والجرح والتعديل ج ٢/ ق ٢/ ٥.
(٣) انظر: تهذيب التهذيب ج ٩ ص ٢٤١.
(٤) انظر: تهذيب التهذيب ج ٤ ص ٢٠٨.
[ ١ / ٧٦ ]
أصحابنا فذهبت فأخذت من بعض أصحاب الحديث فنسخته على الوجه، وسألته كتاب الهيثم بن حميد فأخرج إلي جزءًا عن الهيثم بن حميد وكان عند هشام بن عمار، عن الهيثم بن حميد شيء يسير فأخرج هو جزءًا عن الهيثم فاستغنمته وكتبته على الوجه، وسألته كتاب الفتن عن الوليد بن مسلم فأجابني، وتعجب الدمشقيون مما يفعل بي، ونسخت كتاب الفتن فأتيته مع رفقائي فقال: إنما أجبتك ولم أجب هؤلاء، فلم أزل أرفق به وأداريه حتى حدثنا به وسمعوا معي" (^١). ولقد سجل لنا محمد بن عوف تأريخ دخوله لحمص فقال: "كان أبو زرعة عندنا بحمص سنة ثلاثين ومائتين" (^٢). ودخل مدينة حلب وسمع بها من عبيد بن هاشم الحلبي، أبي نعيم القلانسي (^٣)، وكان يفتش عن المحدثين في القرى ويرحل إليهم، فيقول عن مخلد بن مالك بن جابر الحراني السلمْسِيني لا بأس به خرجت إلى قريته على فرسخين من حران فكتبت عنه" (^٤)، ويقول ابن أبي حاتم في ترجمة أحمد بن شبويه المروزي، أبو الحسن الخزاعي المتوفى بطرسوس سنة (٢٣٠) هـ: "سمعت أبا زرعة يقول: جاءنا نعيه وأنا بنجران ولم أكتب عنه" (^٥).
وأختم أخبار رحلته بالشام بقول أهلها فيه: فقد روى الخطيب بسنده إلى يزيد بن عبد الصمد أنه قال: "قدم علينا أبو زرعة الرازي سنة ثمان وعشرين فما رأينا مثله، وكنا نجلس إليه، فلما أراد الخروج قلت له: يا أبا زرعة اجعلني خليفتك في هذه الحلقة، قال فقال لي: قد جعلتك" (^٦)، وقال محمد بن عوف: "قدم علينا أبو زرعة فما ندري مما يتعجب منه؟ مما وهب الله له من الصيانة والمعرفة، مع الفهم الواسع" (^٧).
_________________
(١) انظر: مقدمة الجرح والتعديل ص ٣٤٣.
(٢) انظر: المصدر السابق ص ٣٤٠.
(٣) انظر: الجرح والتعدبل ج ٣/ ق ١/ ٥.
(٤) انظر: الجرح والتعديل ج ٤/ ق ١/ ٣٤٩.
(٥) انظر: الجرح والتعديل ج ١/ ق ١/ ٥٥ ونجران هذه (موضع بحوران من نواحي دمشق وهي بيعة عظيمة عامرة حسنة). انظر:. معجم البلدان في مادة (نجران).
(٦) انظر: تاريخ بغداد ج ١٠ ص ٣٢٨.
(٧) انظر: تاريخ بغداد ج ١٠ ص ٣٢٨.
[ ١ / ٧٧ ]