رحل أبو زرعة الى مصر في خرجته الثانية من الري- من سنة ٢٢٧ - أول سنة (٢٣٢) هـ- بعد أن أدى فريضة الحج وطوف في مدن عديدة. وكذلك دخلها في رحلته الثالثة كما مر في حديثه عن رحلاته. ولقد أثنى على الحركة العلمية في مصر وعلمائها، ولا شك في ذلك فهي كما يقول السخاوي: "بلد عظيم، وقطر متسع، شرقي وغربي، وصعيد أعلى وأدق، افتتحها عمرو في زمن عمر ﵄، وسكنها خلق من الصحابة، وكثر العلم بها، زمن التابعين، ثم ازداد في زمن عمرو بن الحارث، يحيى بن أيوب، وحيوة بن شريح، والليث بن سعد، وابن لهيعة، وإلى زمن ابن وهب، والشافعي، وابن القسم، وأصحابهم. وما زال بها علم جم إلى أن ضعف ذلك باستيلاء العبيديين الرافضة عليها سنة (٣٥٨) هـ وبنوا القاهرة) (^١)، وهذه بعض أخبار أبي زرعة فيها حيث كان يستفيد ويفيد، روى الخطيب بسنده إلى أبي حفص عمر بن مقلاص أنه قال: "كان أبو زرعة ها هنا عندنا بمصر سنة تسع وعشرين ومائتين إذا فرغ من سماع ابن بكير وعمرو بن خالد والشيوخ اجتمع إليه أصحاب الحديث فيملي عليهم وهو ابن سبع وعشرين سنة" (^٢)، ولقد أقام أبو زرعة بمصر في رحلته هذه خمسة عشر شهرًا (^٣)، حتى تمكن من سماع جميع كتب الشافعي من الربيع قبل موت البويطي بأربع سنين (^٤)، والذي جعله يمكث هذه المدة وفرة العلماء، وغزارة علمهم.
يقول أبو زرعة: "وكنت عزمت في بدو قدومي مصر أني أقل المقام بها، فلما رأيت كثرة العلم بها وكثرة الاستفادة عزمت على المقام ولم أكن عزمت على سماع كتب الشافعي، فلما عزمت على المقام وجهت إلى أعرف رجل بمصر
_________________
(١) انظر: الإعلان بالتوبيخ ص ٦٦٢.
(٢) انظر: تاريخ بغداد ج ١٠/ ٣٢٧، وتاريخ دمشق لابن عساكر.
(٣) انظر: مقدمة الجرح والتعديل ص ٣٣٥.
(٤) انظر: تهذيب التهذيب ج ٣ ص ٢٤٦، والربيع توفي سنة ٢٥٦ هـ. وتوفي البويطي سنة ٢٣٢ هـ. وانظر ترجمتهما: حين الكلام عن مذهب أبي زرعة الفقهي.
[ ١ / ٧٩ ]
بكتب الشافعي فقبلتها منه بثمانين درهما أن يكتبها كلها وأعطيته الكاغد وكنت حملت معي ثوبين ديبقيين لأقطعهما لنفسي، فلما عزمت على كتابتها أمرت ببيعها فبيعا بستين درهمًا، واشتريت مائة ورقة كاغذ بعشرة دراهم كتبت فيها كتب الشافعي" (^١).
ولقد درس حديث ابن وهب واعتنى به أثناء إقامته بمصر وأتقنه، وذلك لوجود مظانه يقول محدثًا: "نظرت في نحو من ثمانين ألف حديث من حديث ابن وهب بمصر، وفي غير مصر ما أعلم أني رأيت له حديثا لا أصل له" (^٢)، ولقد حفظ لنا ابن أبي حاتم نصا لطيفًا يدل على اهتمام العلماء والمحدثين بكتب الشافعي، وحرص المصريين على روايتها فيقول: "سمعت أبا زرعة وقلت لا إله أخبرت أنه قرأ عليك الربيع بالليل فقال: ما أعلم أني سمعت منه بالليل إلا مجلسًا واحدًا رافقني رجل فلما تهيأ خروجي امتنع عن الخروج قلت: مالك؟ قال: قد بقي عليَّ شيء من كتب الشافعي وكان قد سمع كتب الشافعي من حرملة (^٣) فقلت لرفيقي: ترضى أن يقرأ عليك الربيع؟ قال: نعم. قال أبو زرعة: فلقيت الربيع فأخبرته بالقصة وسألته أن يجيئنا ليلًا فيقرأ على رفيقي مابقي عليه فجاءنا ليلًا فقرأ علينا. قلت: أخبرت أن الربيع قرأها عليك في أربعين يومًا؟ قال: لا يا بني إنما كنت أسمع منه في وقت أتفرغ فيه إليه، وكنت آخذ ميعاده في مسجد الجامع فربما أبطأت عليه، وربما لم أجئ فلا ينصرف فيقول: إذا لم يمكنك المجيء فأكتب على الاسطوانة حتى أمضي" (^٤).
وبعد أن قضى هذه الفترة بين السماع من الشيوخ وبين التدوين عزم
_________________
(١) انظر: مقدمة الجرح والتعديل ص ٣٤٠.
(٢) انظر: المصدر السابق ص ٣٣٥.
(٣) حرملة هو: (م س ق) ابن يحيى بن عبد الله بن حرملة بن عمران التجيبي، أبو حفص المصري روى عن ابن وهب فأكثر، وعن الشافعي ولازمه، وعنه أبو زرعة وغيره. قال أحمد بن صالح: "صنف ابن وهب مائة ألف حديث وعشرين ألف حديث عند بعض الناس النصف يعنى نفسه، وعند بعض الناس منها الكل يعنى حرملة، ولقد حمل عليه والسبب في ذلك أن أحمد سمع في كتب حرملة من ابن وهب فأعطاه نصف سماعه، ومنعه النصف فتولد بينهما العداوة من هذا … " ت ٢٤٤ هـ. انظر: تهذيب التهذيب ج ٢ ص ٢٢٩ - ٢٣١.
(٤) انظر: مقدمة الجرح والتعديل ص ٣٤٤ - ٣٤٥.
[ ١ / ٨٠ ]
على الرحيل، فجاء ليودع يحيى بن عبد الله بن بكير، وهو أحد الشيوخ الذين أكثر عنهم- فيقول: "أردت الخروج من مصر، فجئت لأودع يحيى بن عبد الله بن بكير فقلت: تأمر بشيء؟ فقال: أخلف الله علينا بخير" (^١)، وهذا يدل على الحب العميق الذي تركه في قلوب محدثي مصر وعلمائها فهذا الربيع بن سليمان صاحب الشافعي يقول: "لم نلق مثل أبي زرعة وأبي حاتم ممن ورد علينا من العلماء" (^٢)، وقال عنه حافظ مصر يونس بن عبد الأعلى: "أبا زرعة أشهر في الدنيا من الدنيا" (^٣).
هذا ما وقفت عليه من أخبار رحلته ﵀ ورحم الله أولئك الذين سبقوه وسنوا الرحلة في طلب حديث رسول الله ﷺ.
_________________
(١) انظر: المصدر السابق ص ٣٤٢، وتاريخ بغداد ج ١٠ ص ٣٢٨ - ٣٢٩ وتاريخ دمشق لابن عساكر.
(٢) انظر: الإرشاد ج ٦ ترجمة أبي حاتم.
(٣) انظر: تاريخ دمشق لابن عساكر في ترجمة أبي زرعة.
[ ١ / ٨١ ]