ولقد اعترض بعض الأئمة على أبي زرعة في تأليفه هذا الكتاب، وقالوا ما هو إلا كتاب التاريخ الكبير للبخاري، (^٣). قال الإمام الحاكم أبو أحمد محمد بن محمد النيسابوري الكرابيسي المتوفى سنة (٣٧٨) هـ: "كنت بالري وهم يقرؤون على ابن أبي حاتم كتاب الجرح والتعديل فقلت لابن عبدويه الوراق: هذه ضحكة أراكم تقرؤون كتاب التاريخ للبخاري على شيخكم على الوجه وقد نسبتموه إلى أبي زرعة وأبي حاتم، فقال: يا أبا أحمد إن أبا زرعة وأبا حاتم لما حمل إليهما تاريخ البخاري قالا: هذا علم لا يستغنى عنه، ولا يحسن بنا أن نذكره عن غيرنا، فأقعدا عبد الرحمن يسألهما عن رجل بعد رجل وزادا فيه ونقصا" (^٤)، وزاد الخطيب في الخبر "ونسبه عبد الرحمن إليهما" (^٥). وقال الحاكم أيضا في كتابه الكنى " … وكتاب محمد بن إسماعيل في التاريخ كتاب لم يسبق إليه، ومن ألف بعده شيئا من التاريخ أو الأسماء أو الكنى لم يستغن عنه، فمنهم من نسبه إلى نفسه، مثل أبي زرعة، وأبي حاتم، ومسلم، ومنهم من حكاه عنه، فالله يرحمه فإنه الذي أصل الأصول" (^٦)، وذكر الخليلي في الإرشاد نحو هذا الكلام (^٧).
_________________
(١) انظر: شرح العلل لابن رجب الحنبلي ص ٥٩ وكان الخطيب البغدادي، يمتلك نسخة منه ورد بها دمشق. انظر: تسمية ما ورد به الخطيب دمشق رقم (٨٥) لمحمد بن أحمد الأندلسي ط الترقي دمشق ١٩٤٥ م، وانظر: موارد الخطيب للدكتور أكرم العمري ص ٣٢٢.
(٢) انظر: شرح علل الترمذي ص ٥٩.
(٣) كتاب التاريخ الكبير للبخاري طبع بحيدر آباد في ٨ أجزاء (٤ مجلدات)، ١٩٤١ - ١٩٤٥ م، ١٩٥٩ م (٣ مجلدات) ١٩٦٣ م.
(٤) انظر: تذكرة الحفاظ للذهبي ج ٣ ص ٩٧٨.
(٥) انظر: موضح أوهام الجمع والتفريق ج ١ ص ٨ - ٩.
(٦) انظر: طبقات الشافعية ج ٢ ص ٢٢٥ - ٢٢٦.
(٧) انظر: الإرشاد في معرفة علماء الحديث ج ١٠، في علماء بخارى. والسنن الأبين لابن رشيد ص ١٣١.
[ ١ / ١٨٨ ]
والصواب أن أبا زرعة وأبا حاتم لما وقفا على كتاب التاريخ الكبير للبخاري وجدا فيه نقصا في بعض التراجم، من حيث ضبط الأسماء أو الكنى، أو منزلتهم في تحمل الحديث وروايته. ولما كانا يمتلكان القدرة على التمييز والفهم لمراد الأئمة في ألفاظهم التي استعملوها في تجريح الرواة وتوثيقهم، صنف كل منهما كتابا في الجرح والتعديل على نفس منهج البخاري، مع الزيادة في حجمه وبعض التغيير في هيكله، وضبط بعض الأسماء والكنى التي قد أخطأ فيها البخاري (^١) حسب اجتهادهما ومن ثم جمع كتابيهما ابن أبي حاتم في كتابه المشهور المعروف بالجرح والتعديل (^٢)، وأضاف إلى كتابيهما ما دوّنه عن شيوخه وما اجتهد به من أحكام على الرواة ومن يطيل النظر والدراسة لكتابه يجد مصداق ذلك. ولقد أحسن الحافظ ابن رجب في كلامه وحكمه على ذلك بقوله حين كلامه عن مصادر الترمذي في كتاب العلل: "وأما التواريخ والعلل والأسماء ونحو ذلك، فقد ذكر أن أكثر كلامه فيه استخرجه من كتاب تاريخ البخاري وهو كتاب جليل لم يسبق إلى مثله ﵀، ورضي عنه وهو جامع لذلك كله. ثم لما وقف عليه أبو زرعة وأبو حاتم الرازيان رحمهما الله صنفا على منواله كتابين: أحدهما: كتاب الجرح والتعديل، وفيه ذكر الأسماء فقط. وزاد على ما ذكره البخاري أشياء من الجرح والتعديل وفي كتابيهما من ذلك شيء كثير لم يذكره البخاري (^٣).