وهو عبارة عن كتاب صنفه أبو زرعة بعد اطلاعه على كتاب التاريخ الكبير للبخاري ضمنه الأخطاء والأوهام التي وجدها فيه. روى الخطيب بسنده إلى أبي علي صالح بن محمد الحافظ أنه قال: "قال لي أبو زرعة: يا أبا علي نظرت في كتاب محمد بن إسماعيل هذا أسماء الرجال فإذا فيه خطأ كثير، فقلت
_________________
(١) ينقل ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل عن أبي زرعة في مواضع كثيرة ما يدل على مخالفته للبخاري. وانظر الكلام في بيان خطأ البخاري ص ٢٢٦.
(٢) كتاب الجرح والتعديل طبع بحيدر آباد في ثمانية أجزاء ١٩٤١ م- ١٩٥٣ م.
(٣) انظر: شرح علل الترمذي ص ٥٩.
[ ١ / ١٨٩ ]
له: بليته إنه رجل كل من كان يقدم عليه من العراق من أهل بخارى نظر في كتبهم، فإذا رأى اسما لايعرفه وليس عنده كتبه، وهم لا يضبطون وتكون كتبهم غير منقوطة، فيضمه في كتابه خطأ-، وإلا فما رأيت خراسانيا أفهم منه لولا في لسانه وفي ذلك الكتاب أسام لاتعرف ولم يبين من روى عنهم، وعمن رووا، وأي شيء رووا، فيتحير الإنسان فيه. قال: وسألني خالد بن أحمد أبو الهيثم أن أنظر له شيئا في هذا الكتاب فأصحح له فنظرت فغيرت أشياء أخطأ فيه وصحف ورأيت محمد بن إسماعيل ببغداد يقرأ عليهم هذا الكتاب فقال: وإبراهيم بن شعيب روى عنه ابن وهب. فقلت له: إنما هو إبراهيم بن شعيث، ثم قلت له: أنت تنظر في كتب الناس فإذا مر بك اسم لاتعرفه أخذته والخطأ فيه من غيرك، لأنهم كانوا لايضبطون" (^١).
وأبو زرعة هو أول من صنف في بيان خطأ البخاري، ثم أبو حاتم ثم بعدهما ابن أبي حاتم. حيث صنف في الأخطاء كتابا (^٢) ضمنه تصويبات أبي زرعة وأبيه وقد ينبه في كل ترجمة فيما إذا اتفق والده مع أبي زرعة أو يخالفه وسماه بنفس اسم كتاب أبي زرعة. يقول ابن أبي حاتم في بدايته: "سمعت أبي يقول: قال أبو زرعة ﵃: حمل إلى الفضل بن العباس المعروف بالصائغ كتاب التاريخ ذكر أنه كتبه من كتاب محمد بن إسماعيل البخاري فوجدت فيه … " (^٣) وأخذ ينبه على ما رآه خطأ مع بيان الصواب عنده إلى آخر الكتاب، ولقد دافع عن كتاب التاريخ الكبير الخطيب البغدادي بعد اطلاعه على كتاب ابن أبي حاتم حيث يقول: "وقد جمع عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي الأوهام التي أخذها أبو زرعة على البخاري في كتاب مفرد ونظرت فيه فوجدت كثيرا منها لا تلزمه وقد حكى عنه في ذلك الكتاب أشياء هي مدونة في تاريخه على الصواب بخلاف الحكاية عنه، ومن العجب أن ابن أبي حاتم أغار على
_________________
(١) انظر: موضح أوهام الجمع والتفريق ج ١ ص ٧.
(٢) كتاب بيان خطأ أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري في تاريخه. لابن أبي حاتم طبع بحيدر آباد سنة ١٩٦١ م.
(٣) انظر: المصدر السابق ص ٢.
[ ١ / ١٩٠ ]
كتاب البخاري ونقله إلى كتابه في الجرح والتعديل وعمد إلى ما تضمنه من الأسماء فسأل عنها أباه وأبا زرعة ودوّن عنهما الجواب في ذلك ثم جمع الأوهام المأخوذة على البخاري وذكرها من غير أن يقدم ما يقيم به العذر لنفسه عند العلماء في أن قصده بتدوين تلك الأوهام بيان الصواب لمن وقعت إليه دون الانتقاص والعيب لمن حفظت عليه ونحن لا نظن أنه قصد غير ذلك فإنه كان بمحل من الدين، وأحد الرفعاء من أئمة المسلمين رحمة الله عليه وعليهم أجمعين" (^١)، ولقد أجاد الشيخ المعلمي اليماني ﵀- حيث أقرّ الخطيب على دفاعه وبرر انتقاد أبي زرعة ومن معه فقال بعد أن نقل عن البخاري إنه قال عن تاريخه (صنفته ثلاث مرات): "ومعنى هذا أنه بدأ فقيد: التراجم بغير ترتيب ثم كرّ عليها فرتبها على الحروف ثم عاد فرتب تراجم كل حرف عل الأسماء: باب إبراهيم. باب إسماعيل … الخ، هذا هو الذي التزمته ويزيد من الأسماء التي تكثر مثل محمد وإبراهيم فيرتب تراجم كل اسم على ترتيب الحروت الأوائل لأسماء الآباء ونحوها، وقال بعد نقله قول البخاري: "صنفت جميع كتبي ثلاث مرات" يعني والله أعلم أنه يصنف الكتاب ويخرجه للناس. ثم يأخذ يزيد في نسخته ويصلح ثم يخرجه الثالثة وهذا ثابت للتاريخ كما يأتي، ثم قال بعد كلام: "فإن ما تقدم من كلام أبي زرعة وصالح بن محمد الحافظ، وما جمعه ابن أبي حاتم من المآخذ على البخاري كان بالنظر إلى النسخة التي أخرجها البخاري أولا وبهذا يتضح السبب فيما ذكره الخطيب معترضا على ابن أبي حاتم قال: "وحكي عنه- أي عن البخاري- في ذلك الكتاب أشياء على الغلط هي مدونة في تاريخه على الصواب بخلاف الحكاية عنه فكلام ابن أبي حاتم كان بحسب النسخة التي أخرجها البخاري أولا وكلام الخطيب بالنظر إلى النسخة التي أخرجها ثانيا وهي رواية أبي أحمد محمد بن سليمان بن فارس الدلال النيسابوري المتوفى سنة (٣١٢) هـ ذكر الخطيب في الموضح أول اعتراضاته على البخاري إسناده إليه. وفي رواية ابن فارس هذه مواضع على الخطأ وهي في رواية محمد بن سهل بن كردي عن البخاري على الصواب- ثم قال اليماني- انظر: موضح الأوهام (٧) و(٩) و(١٣) من أوهام البخاري مع تعليقي، فظهر أن
_________________
(١) انظر: موضح أوهام الجمع والتفريق ج ١ ص ٧ - ٨.
[ ١ / ١٩١ ]
رواية ابن فارس مما أخرجه البخاري ثانيًا، ورواية ابن سهل مما أخرجه ثالثًا" (^١) ومن يقرأ كتاب بيان خطأ أبي عبد الله … لابن أبي حاتم يتضح له أن أبا زرعة صنف هذا الكتاب ثم بعده أبو حاتم وبعدهما ابن أبي حاتم وكذا في الجرح والتعديل فمثلا في ترجمة عاصم بن عمر بن الخطاب ابن أبي حاتم: "سئل أبو زرعة فقيل له أن محمد بن إسماعيل البخاري أخرج في كتابه عاصم بن عمرو ابن أبي أحمد القرشي الذي روى بكير بن الأشج عن محمد بن وهب عنه؟ قال أبو زرعة: إنما هو عاصم بن عمر بن الخطاب وابن أبي أحمد بن جحش) (^٢) وقال في ترجمة عبد الله بن ناسح الحضرمي: "كان البخاري أخرج هذا الاسم في باب النون ناسخ الحضرمي فغير أبي بخطه وقال إنما هو عبد الله بن ناسح الحضرمي، وكذلك أخرج أبو زرعة فيما أخرج عن خطأ البخاري هذا الاسم وقال كما قال أبي" (^٣).