يعد القرن الثالث الهجري العصر الذهبي للسنة النبوية حيث تضافرت فيه جهود المحدثين في مختلف مجالاتهم ضمن علومها الواسعة، من حيث تمييز الحديث الصحيح وإفراده بالتصنيف دون كلام الصحابة والتابعين. ووضعوا
_________________
(١) انظر: تاريخ بغداد ج ١٠ ص ٣٢٧، الأنساب للسمعاني ج ٦ ص ٣٥ وتاريخ دمشق، وطبقات الحنابلة ج ١ ص ٢٠٠ وتهذيب الكمال للمزي ورقة ٤٤٢ - ٤٤٣، وتهذيب التهذيب ج ٧ ص ٣٢، والمنهج الأحمد ج ١ ص ١٤٩، وطبقات المفسرين ج ١ ص ٣٧٠.
(٢) انظر: مقدمة الجرح والتعديل ص ٣٣٥.
(٣) انظر: مقدمة الجرح والتعديل ص ٣٣٥.
(٤) انظر: مقدمة الجرح والتعديل ص ٣٣٢ وهذا الخبر يدل على قوة حفظه أيضًا.
[ ١ / ٥٨ ]
قواعد للجرح والتعديل لمعرفة الرجال، وكذا الجمع والتوفيق بين المتعارض الصحيح منه، والاعتناء بشرح غريبه، وغير ذلك، ومن هذه الجهود العظيمة التي يحق للمؤمنين أن يفتخروا بها رحلات العلماء في طلب الحديث حيث نشطت في القرن الثالث أكثر من ذي قبل، فكانوا يخرجون من بلادهم تاركين الأهل والأحبة ابتغاء مرضاة الله وحرصًا على تدوين حديث رسول الله ﷺ، لأن أصحابه قد انتشروا في البلاد وسمع البعض منهم ما لم يسمعه البعض الآخر، وحرصًا على تنسيق وتدوين أقواله وأفعاله، حركاته وسكناته، وغزواته، وشمائله، حله، وترحاله، تحملوا الصعاب وقطعوا الفيافي والقفار، وأخذوا يصيبون على من لا يرحل حتى قال يحيى بن معين: "أربعة لا تؤنس منهم رشدًا، منهم رجل يكتب في بلده ولا يرحل في طلب الحديث" (^١). وقال ابن أدهم: "إن الله تعالى يرفع البلاء عن هذه الأمة برحلة أصحاب الحديث" (^٢). ولم تكن رحلتهم لمجرد اللقاء بالشيوخ وتدوين أحاديثهم، بل كانوا يهدفون منها التعرف على الرواة وأحوالهم من حيث التوثيق والتجريح، واهتمامهم بالتصنيف وغير ذلك من أهل مدنهم وقراهم، وكذلك كانوا يحرصون على علو الإسناد ولقاء الحفاظ.
يقول الخطيب البغدادي: "المقصود بالرحلة في الحديث أمران: أحدهما: تحصيل علو الإسناد، وقدم السماع، والثاني: لقاء الحفاظ والمذاكرة لهم والاستفادة عنهم، فإذا كان الأمران موجودين في بلد الطالب، ومعدومين في غيره فلا فائدة في الرحلة فالاقتصار على ما في البلد أولى" (^٣)، ولقد كان لأهل الري نصيب محمود في هذا السعي المبارك، فعدها الرامهرمزي من المراكز العلمية التي كان المحدثون يشدون الرحال إليها طلبًا لتدوين الحديث عن علمائها (^٤)، وكذلك ذكر ضمن الراحلين الذين جمعوا بين الأقطار، أبا زرعة،
_________________
(١) انظر: الرحلة في طلب الحديث للخطيب ص ٤٧، وفتح المغيث ج ٢ ص ٣١٤.
(٢) انظر: الرحلة في طلب الحديث ص ٤٧، وفتح المغيث ج ٢ ص ٣١٥.
(٣) انظر: الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب ورقة (١٦٨ ب، ١٦٩ أ) عن موارد الخطيب للدكتور أكرم العمري ص ٣٤.
(٤) انظر: المحدث الفاصل ص ٢٢٩.
[ ١ / ٥٩ ]
وأبا حاتم وعدهما من الذين جمعوا بين العراق، والحجاز، والجزيرة، والشام (^١)، ولقد حسدهم على هذه المكانة بعض أهل العلم مما حمل أبا حاتم على أن يرد عليه، وعلى أمثاله، قال ابن أبي حاتم في ترجمة داود بن خلف الأصبهاني إمام أهل الظاهر: "وأما أبي ﵀ فحمل إليه كتاب له يسميه كتاب البيوع وقصد أهل الحديث وذمهم وعابهم بكثرة طلبهم للحديث ورحلتهم في ذلك فأخرج أبي كتابا في الرد عليه في نحو خمسين ورقة" (^٢) ولقد عد الحافظ المزي أبا زرعة من الجوالين المكثرين (^٣)، وذكر الداوودي بعض المدن التي رحل إليها أبو زرعة وهي (الحرمان، والعراق، والشام، والجزيرة، وخراسان، ومصر) (^٤)، وهذه البلاد كان فيها أهم المراكز العلمية. بعد هذه المقدمة نريد التعرف على رحلات أبي زرعة والمدن والبلاد التي دخلها، وكيف كان بعض الأئمة يستقبله ويتهيأ للقائه مع ذكر بعض أخباره في تلك البلاد.
من المعلوم أن المحدث حينما يبتدئ بطلب الحديث وتدوينه يحرص على تحمله وروايته عن علماء بلده، وعمن كان يمرّ عليهم من العلماء ثم يبتدئ بالخروج والتجوال في القرى المحيطة بهم. وهكذا كان أبو زرعة ﵀ فقد لازم الشيوخ الكبار في مدينة الري وحرص على تدوين حديثهم، وكذلك حرص على ملازمة من يقدم إلى الري من المدن الأخرى فيستقر أو يمر بها، فيقول أبو زرعة عن نفسه: "وكتبت بالري قبل أن أخرج إلى العراق نحو ثلاثين شيخًا منهم عبد الله بن الجراح (^٥) وعبد العزيز بن المغيرة (^٦)، وعبد الصمد بن
_________________
(١) انظر: المحدث الفاصل ص ٣٠.
(٢) انظر: الجرح والتعديل ج ١ / ق ٢/ ٤١١.
(٣) انظر: تهذيب الكمال ورقة (٤٤١ - ب-).
(٤) انظر: طبقات المفسرين للداوودي ج ١ ص ٣٦٩.
(٥) هو (كن ق) عبد الله بن الجراح بن سعد التيمي أبو محمد القهستاني نزيل الري ت ٢٣٢ هـ. انظر: الجرح والتعديل ج ٢/ ق ٢/ ٢٨، وتهذيب التهذبب ج ٥ ص ١٦٩، وتاريخ قزوين ورقة (٢٥٥ - ب-).
(٦) هو (ق) عبد العزيز بن المغيرة بن أمي، المنقري، أبو عبد الرحمن البصري نزيل الري، انظر: تهذيب التهذيب ج ٦ ص ٣٥٩، والجرح والتعديل ج ٢/ ق ٢/ ٣٩٧.
[ ١ / ٦٠ ]