إمام كأبي زرعة زاد عدد شيوخه على الألف، وجاب أقطار الأرض، واشتهر برحلاتة البعيدة وملازمة للأئمة الكبار، لا بد وأن يكون له مصنفات كبيرة في العلوم التي طلبها ولو لم يصل إلينا معظمها. فهناك نصوص كثيرة تدل وتؤكد على قوة تصانيفه وتنوعها، وعظم حجمها. فهذا الحافظ الخليلي صاحب الإرشاد يصفه بقوله: " … فضائله أكثر من أن تعد، وفي تصانيفه لايوازيه أحد" (^٢) ولقد استفاد من مصنفاته الأئمة الذين أتوا من بعده وخاصة تلاميذه مثل البرذعي وابن أبي حاتم الذي قال عنه الخليلي: "أخذ علم أبيه وأبي زرعة وكان بحرا في العلوم، ومعرفة الرجال والحديث الصحيح من السقيم، وله من التصانيف ما هو أشهر من أن يوصف في الفقه والتواريخ، واختلاف الصحابة والتابعين وعلماء الأمصار … " (^٣) ويكاد لايوجد مصنف من مصنفات ابن أبي حاتم إلا وأقوال أبي زرعة وآراؤه فيه. في الجرح والتعديل، وعلل الحديث، والمراسيل، وبيان خطأ البخاري، واعتقاد أهل السنة، والتفسير وغير ذلك، ولا بد في هذا الموضع من ذكر أمر مهم يتعلق بأصول مؤلفات أبي زرعة حيث قال الخليلي في ترجمة ابن أبي حاتم: "ويقال إن السنة بالري ختمت به، وأمر بدفن الأصول من كتب أبي زرعة وأبي حاتم ووقف من الكتب تصانيفه وكان وصيه ابن الدرستيني" (^٤) وهو علي بن الحسين الدرستيني القاضي.
_________________
(١) انظر: شرح علل الترمذي ص ٢٧٤. وانظر: ص ٢٧٨ - ٢٧٩.
(٢) انظر: الإرشاد في معرفة علماء الحديث ج ٦، في علماء الري.
(٣) انظر: المصدر السابق في ترجمة ابن أبي حاتم وانظر: معجم البلدان ج ٣ ص ١٢٠ - ١٢١.
(٤) انظر: الإرشاد في معرفة علماء الحديث ج ٦ في ترجمته.
[ ١ / ١٨٣ ]
الرد على هذا الخبر:
إن هذا الخبر انفرد بذكره الخليلي في كتابه الإرشاد فقط، وأورده من غير إسناد. إضافة إلى ذلك ذكره بصيغة التمريض. لذا نستبعد صحته، وكان الأولى بابن أبي حاتم أن يفعل هذا بكتبه لايوقفها من بعده على طلبة العلم- والله أعلم- ابن الحسين الدرستيني القاضي- وهذا الخبر يحتاج إلى تأمل وتمحيص وهو يحتمل أحد أمرين لاثالث لهما.
إما أنه أمر بدفن الأصول في حالة روحية غمرته وأصبح مرهف الحساسية مشفقا عليهما، يخشى أن مصنفاتهما ليست لابتغاء وجه الله أو قد داخلها بعض الرياء. وهذا أمر قد حصل لعدد غير قليل من السلف الصالح ﵏ حيث كانوا لايعدون الحديث والتدوين من عدة الموتى لذا أوصى محمد بن العلاء الهمداني المتوفى سنة (٢٤٨) هـ أن تدفن كتبه معه فدفنت (^١). قال أبو زرعة عن عطاء بن مسلم الخفاف: "كان من أهل الكوفة دفن كتبه ثم روى من حفظه فوهم، وكان رجلا صالحًا" (^٢).
وقال العجلي عن يوسف بن أسباط الشيباني: "صاحب سند وخبر دفن كتبه وقال لايصلح فكبر عليها" (^٣).
وإما أنه أمر بدفنها- أي الأصول- بعد أن ضمنها في كتبه التي صنفها فمن أراد كتب أبيه أو كتب أبي زرعة فعليه بمصنفاته باعتبار أن مصنفاته صارت الغاية في التصنيف، وهذا هو الاحتمال الراجح. وكذلك حفظ لنا البرذعي بعض مصنفات أبي زرعة، منها كتاب أسماء الضعفاء، وأجوبة أبي زرعة على أسئلته التي وجهها إليه في تجريح الرواة.
وفيما يلي تعداد لمؤلفات أبو زرعة وعرض لبعضها: