قال الحافظ ابن حجر ﵀ في ترجمة داود بن حماد بن فرافصة، البلخي الذي روى عنه أبو زرعة، وغيره، والذي قال عنه ابن القطان: "حاله مجهول"، "بل هو ثقة، فمن عادة أبي زرعة أن لا يحدث إلا عن ثقة" (^٦).
وبناء على هذه القاعدة التي نص عليها ابن حجر يحق لمعترض أن يقول: لم فرقت بين قائمة شيوخ أبي زرعة، وبين قائمة الرواة الذين عدلهم أبو زرعة، ولم تذكر
_________________
(١) انظر: الجرح والتعديل ج ٤/ ق ١/ ٣٦، واكتفى الذهبي في ميزان الاعتدال ج ٣ ص ٦٤٩ بقوله (لا أحدث عنه).
(٢) انظر: الإرشاد في معرفة علماء الحديث ج ٦، في ترجمته مع علماء الري، واكتفى الذهبي في ميزان الاعتدال ج ٣ ص ٥٣٠ بقوله: "وكذبه أبو زرعة".
(٣) انظر: الجرح والتعديل ج ٤/ ق ٢/ ٨٨ وقال الذهبي في ميزان الاعتدال ج ٤ ص ٢٨٢ "وقد سمع منه أبو زرعة وأبو حاتم، وامتنعا من الرواية".
(٤) انظر: الجرح والتعديل ج ٤/ ق ٢/ ٨٨ وقال الذهبي في ميزان الاعتدال ج ٤ ص ٢٨٢ "وقد سمع منه أبو زرعة وأبو حاتم، وامتنعا من الرواية".
(٥) انظر: الجرح والتعديل ج ٤/ ق ٢/ ٨٨ وقال الذهبي في ميزان الاعتدال ج ٤ ص ٢٨٢ "وقد سمع منه أبو زرعة وأبو حاتم، وامتنعا من الرواية".
(٦) انظر: لسان الميزان ج ٢ ص ٤١٦.
[ ١ / ١٥٨ ]
شيوخه ضمن الرواة الثقات؟
فأقول وبالله التوفيق: لقد سبرت الأخبار، وتتبعت أقوال أبي زرعة في بعض الرواة الذين روى عنهم فتبين لي أن هذه القاعدة ليست مطلقة، بل قد يروي عن بعض الضعفاء الذين جرحهم هو، وذلك ليعتبر بحديثهم أو يجعله شاهدًا لأحاديث أخرى أو لفائدة حديثية. وفيما يلي بعضى الأمثلة التي لاتنطبق عليها قاعدة ابن حجر:
١ - سعيد بن سليمان بن خالد بن بنت نشيط الديلي البصري، المعروف بالنشيطي مولى زياد الذي روى عن حماد بن سلمة، وغيره. قال ابن أبي حاتم: "روى عنه أبي وأبو زرعة" (^١)، وقال: "سمعت أبي يقول: "لا نرضى سعيد بن سليمان النشيطي وفيه نظر) (^٢)، وقال ابن أبي حاتم أيضًا: "سألت أبا زرعة عنه؟ فقال: نسأل الله السلامة قلت: هو صدوق؟ قال: نسأل الله السلامة، وحرك رأسه وقال: ليس بالقوي" (^٣).
٢ - (عخ ق) يعقوب بن حميد بن كاسب المدني سكن مكة، وقد ينسب إلى جده ت (٢٤١) هـ روى عن ابن عيينة وغيره. قال ابن أبي حاتم: "روي عنه أبي وأبو زرعة" (^٤) وقال ابن أبي حاتم: "سمعت أبي يقول: هو ضعيف الحديث" (^٥)، وقال ابن أبي حاتم أيضًا "سألت أبا زرعة عن يعقوب بن كاسب فحرك رأسه. قلت: كان صدوقًا في الحديث قال: لهذا شروط، وقال في حديث رواه يعقوب: "قلبي لا يسكن على ابن كاسب" (^٦).
_________________
(١) انظر: الجرح والتعديل ج ٢/ ق ١/ ٢٦، وتهذيب التهذيب ج ٤ ص ٤٤.
(٢) انظر: المصدرين السابقين، واكتفى الذهبي في ميزان الاعتدال ج ٢ ص ١٤٢ بقوله: "فيه نظر".
(٣) انظر: الجرح والتعديل ج ٢/ ق ١/ ٢٦، وتهذيب التهذيب ج ٤ ص ٤٤ - ٤٥، واكتفى الذهبي في ميزان الاعتدال ج ٢ ص ١٤٢ بقوله: "ليس بالقوى".
(٤) انظر: الجرح والتعديل ج ٤/ ق ٢/ ٢٠٦.
(٥) انظر: الجرح والتعديل ج ٤/ ق ٢/ ٢٠٦، وتهذيب التهذيب ج ١١ ص ٣٨٣، واكتفى في ميزان الاعتدال ج ٤ ص ٤٥٠ بقوله: "ضعيف".
(٦) انظر: الجرح والتعديل ج ٤/ ق ٢/ ٢٠٦، وفي تهذيب التهذيب ج ١١ ص ٣٨٣ "قلت لأبي زرعة ثقة. فحرك رأسه. قلت: كان صدوقًا في الحديث … " واكتفى الذهبي في ميزان الاعتدال ج ٤ ص ٤٥٠ بقوله: "وسئل أبو زرعة عنه فحرك رأسه".
[ ١ / ١٥٩ ]
٣ - (خ م س ق) أحمد بن عيسى بن حسان المصري، أبوعبد الله، العسكري المعروف بالتستري ت (٢٤٣) هـ روى عنه (أبو زرعة، وأبو حاتم) (^١) وغيرهما، قال ابن أبي حاتم: "سألت أبي عنه؟ فقال: قيل لي بمصر إنه قدمها واشترى كتب ابن وهب، وكتاب المفضل بن فضالة ثم قدمت بغداد فسألت هل يحدث عن المفضل؟ فقالوا: نعم، فأنكرت ذلك، وذلك أن الرواية، عن ابن وهب، والمفضل لايستويان، قال، وسئل أبي عنه؟ فقال: تكلم الناس فيه" (^٢).
وقال سعيد البرذعي: "شهدت أبا زرعة ذكر عنده صحيح مسلم فقال: هؤلاء قوم أرادوا التقدم قبل أوانه فعملوا شيئًا يتسوقون به. وقال: يروي عن أحمد بن عيسى في الصحيح. مارأيت أهل مصر يشكون في أنه وأشار إلى لسانه كأنه يقول الكذب" (^٣)، ولم أقف على نص يشير إلى أن أبا زرعة ترك الرواية عنه بعد اعتراضه على مسلم.
٤ - أحمد بن عمران، أبوعبد الله، الأخنس الذي روى عن عبد السلام بن حرب وغيره. قال ابن أبي حاتم: "سمعت أبي يقول: لم أكتب عنه وقد أدركته، قلت: ما حاله، قال: شيخ، قال: سمعت أبا زرعة يقول: كتبت عنه، قال وسئل أبو زرعة عنه فقال: كتبت عنه ببغداد، وكان كوفيًا وتركوه" (^٤) ثم قال ابن أبي حاتم: "روى عنه أبوزرعة" (^٥) هذه بعض الأمثلة المخالفة للقاعدة التي نص عليها ابن حجر، ولقد روى
_________________
(١) انظر: الجرح والتعديل ج ١/ ق ١/ ٦٤، وتهذيب التهذيب ج ١ ص ٦٥.
(٢) انظر: المصدرين السابقين، وكذا في ميزان الاعتدال ج ١ ص ١٢٦، باختصار.
(٣) انظر: أجوبة أبي زرعة على أسئلة البرذعي ورقة (٢٨ - ب)، وتاريخ بغداد ٤/ ٢٧٣ - ٢٧٤، وميزان الاعتدال ١/ ١٢٦، وتهذيب التهذيب ١/ ٦٥.
(٤) انظر: الجرح والتعديل ج ١/ ق ١/ ٦٥، وقال الذهبي في ميزان الاعتدال ج ١/ ص ١٢٣: "قال أبو زرعة كوفي تركوه، وتركه أبو حاتم".
(٥) انظر: الجرح والتعديل ج ١/ ق ١/ ٦٥ في الحاشية وهذه الكلمة (روى عنه) من نسخة دار الكتب المصرية.
[ ١ / ١٦٠ ]
أبو زرعة عن بعض الشيوخ الذين جرحهم غيره (^١). ورواية أبي زرعة عن مثل هؤلاء لا تعني أنه يروى عن الضعفاء، بل شأنه شأن الأئمة من المحدثين الحفاظ. قال الحافظ ابن رجب عند كلامه عن رواية أحمد عن الضعفاء: "والذي يتبين من عمل الإمام أحمد وكلامه أنه يترك الرواية عن المتهمين والذين كثر خطؤهم للغفلة وسوء الحفظ، ويحدث عمن دونهم في الضعف مثل من في حفظه شيء، ويختلف الناس في تضعيفه وتوثيقه. وكذلك كان أبوزرعة يفعل" (^٢)، وهذه بعض أقوال الأئمة الحفاظ التي تكشف لنا عن منهجهم في الرواية عن بعض المتكلم فيهم ودوافعهم في ذلك.
روى الحاكم بسنده إلى أحمد بن حنبل أنه قال: "إذا روينا عن رسول الله ﷺ في الحلال والحرام والسنن والأحكام تشدّدنا، وإذا روينا عن النبي ﷺ في فضائل الأعمال وما لايضع حكمًا ولا يرفعه تساهلنا في الأسانيد" (^٣).
وروي العقيلي بإسناد له عن الثورى أنه قال: "إني لأروي الحديث على ثلائة أوجه: أسمع الحديث من الرجل أتخذه دينًا، وأسمع الحديث من الرجل أوقف حديثه، وأسمع الحديث من الرجل لا أعبأ بحديثه وأحب معرفته" (^٤) وقال سليمان بن أحمد الدمشقي: "قلت لعبد الرحمن بن مهدي أكتب عمن يغلط في عشرة؟ قال: نعم. قيل له: يغلط في عشرين؟ قال: نعم. قلت: فثلاثين؟ قال: نعم. قلت: فخمسين؟ قال: نعم" (^٥). وسأله أيضًا: "أكتب
_________________
(١) انظر مثلا: الجرح والتعديل ج ٣/ ق ٢/ ١٨٩ محمد بن إسماعيل الجعفري، وج ٣/ ق ٢/ ٥٠، غسان بن مالك السلمي، وج ٢/ ق ٢/ ٢٩٨ عبد الرحمن بن هانئ النخعي، وتاريخ بغداد ج ٩ ص ٤٧٥.
(٢) انظر: شرح العلل لابن رجب ص ١١٣.
(٣) انظر: المدخل في أصول الحديث للحاكم النيسابوري ص ٤ وروى بسنده إلى عبد الرحمن بن مهدي نحو هذا.
(٤) انظر: الضعفاء للعقيلي ورقة (٢ - ب-) وشرح العلل لابن رجب ص ١٠٩.
(٥) انظر: الجرح والتعديل ج ١/ ق ١/ ٢٨.
[ ١ / ١٦١ ]
عمن يغلط في مائة؟ قال: لا مائة كثير، قال أبو محمد- أي ابن أبي حاتم- يعني مائة حديث" (^١).
وقال الشعبي: "حدثنا الحارث، وأشهد بالله إنه كان كذابًا" (^٢).
وقال محمد بن رافع: "رأيت أحمد بن حنبل في مجلس يزيد بن هارون ومعه كتاب زهير، عن جابر الجعفي فقلت له: يا أبا عبد الله تنهونا عن جابر وتكتبونه؟ قال: لنعرفه" (^٣). وقال ابن أبي حاتم: "ثنا أبي ثنا عبدة قال: قيل لابن المبارك وروى عن رجل حديثًا، فقيل هذا رجل ضعيف؟ فقال يحتمل أن يروى عنه هذا القدر أو مثل هذه الأشياء. قلت لعبدة: مثل أي شيء كان؟ قال: في أدب، موعظة، في زهد" (^٤).
_________________
(١) انظر: الجرح والتعديل ج ١/ ق ١/ ٣٣.
(٢) انظر: تدريب الراوي ص ٢٠٨.
(٣) انظر: تهذيب التهذيب ج ٢ ص ٥٠، وشرح العلل لابن رجب ص ١١٢.
(٤) انظر: الجرح والتعديل ج ١/ ق ١/ ٣٠، وشرح العلل لابن رجب ص ١٠١ - ١٠٢.
[ ١ / ١٦٢ ]