قال الخطيب البغدادي في ترجمة أبي زرعة: "قدم بغداد غير مرة، وجالس أحمد بن حنبل وذاكره وحدث، فروى عنه من البغداديين إبراهيم ابن إسحاق الحربي، وعبد الله بن أحمد بن حنبل، وقاسم بن زكريا المطرز … " (^٣) ولما كانت بغداد دار الخلافة والعلم وملتقى علماء بلاد الإسلام نشط طلاب العلم للرحلة إليها والمكث الطويل فيها وأصبحت الرحلة إليها من الواجبات بالنسبة للمحدثين لذا حرص على القدوم إليها معظم العلماء الأعلام من أهل المشرق والمغرب وكان الكثير منهم لا يكتفي بزيارة واحدة إليها
_________________
(١) إسحاق هو (خ مد د ت س) بن إبراهبم بن مخلد بن إبراهيم، أبو يعقوب الحنظلي المعروف بابن راهويه المروزي، نزيل نيسابور أحد الأئمة روى عن ابن عيينة، وابن المبارك وعبد الرزاق وغيرهم. قال نعيم بن حماد إذا رأيت الخراساني يتكلم في إسحاق فاتهمه في دينه وقال أحمد: "لم يعبر الجسر إلى خراسان مثله"، وقال أبو حاتم: "ذكرت لأبي زرعة إسحاق وحفظه للأسانيد والمتون فقال أبو زرعة: ما رؤى أحفظ من إسحاق" توفي سنة ٢٣٨ هـ. انظر: تهذيب التهذيب ج ١ ص ٢١٦ - ٢١٩، وتاريخ بغداد ج ٦ ص ٣٤٥ - ٣٥٥.
(٢) انظر: الإرشاد ج ٩ في ترجمة إسحاق بن راهويه.
(٣) انظر: تاريخ بغداد ج ١٠ ص ٣٢٦.
[ ١ / ٦٨ ]
بل يكثر من المكوث فيها، وكان معظم علماء مدن بلاد خراسان ونيسابور وما وراء النهر يمرون بها حين ذهابهم إلى بلاد الشام ومصر والحجاز والعودة منها، فحرص أبو زرعة على ملازمة أئمتها والاغتراف من علمهم، ففي رحلاته الثلاث دخل بغداد، واستفاد من علمائها وأفاد وهذه بعض أخباره في بغداد.
قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: "لما ورد علينا أبو زرعة نزل عندنا، فقال لي أبي: يا بني قد اعتضت بنوافلي مذاكرة هذا الشيخ" (^١) ولقد استفاد الإمام أحمد على غزارة علمه من تلميذه أبي زرعة وصحح له بعض الأحاديث التي توقف في تصحيحها، فقد روى الخطيب بسنده إلى محمد بن صالح البغدادي أنه قال: "رأيت أبا زرعة دخل على أحمد بن حنبل وحدثه، ورأيته قد مجمج (^٢) على حديث كان حدثه عبد الرزاق، عن معمر، عن منصور، عن جابر: أن رسول الله ﷺ كان إذا سجد جافى بين جنبيه. وقد مجمج عليه أحمد فقال له أبو زرعة أي شيء خبر هذا الحديث؟ فقال: أخاف أن يكون غلطًا على رسول الله ﷺ، وذلك أن سفيان قد حدث عن منصور عن إبراهيم إنه كان إذا سجد جافى بين جنبيه. فقال له أبو زرعة: يا أبا عبد الله الحديث صحيح، فنظر إليه فقال أبو زرعة: حدثنا أبو عبد الله البخاري محمد بن إسماعيل حدثنا رضوان البخاري قال حدثنا فضيل بن عياض، عن منصور، عن سالم، عن جابر: "إن رسول الله ﷺ كان إذا
_________________
(١) انظر: تاريخ بغداد ج ١٠ ص ٣٢٧، والمنتظم ج ٥ ص ٤٧، وتاريخ دمشق لابن عساكر في ترجمة أبي زرعة، وسير أعلام النبلاء، وطبقات المفسرين ج ١ ص ٣٧٠ وقال أحمد: "ما صليت غير الفرض استأثرت بمذاكرة أبي زرعة على نوافلي" انظر: طبقات الحنابلة ج ١ ص ١٩٩، والمنهج الأحمد وتهذيب الكمال ورقة (٤٤٢ - أ-) وتهذيب التهذيب ج ٧ ص ٣١، والأنساب ج ٦ ص ٣٥.
(٢) المجمجة: تغيير الكتاب وإفساده عما كتب وفي بعض الكتب مروا المجاج بفتح الميم أي مروة الكاتب يسوّده سمي به لأن قلمه يمج المداد، ومجمج لي ردني من حال إلى حال. انظر: لسان العرب ج ٣ ص ١٨٦.؟؟
[ ١ / ٦٩ ]
سجد جافى بين جنبيه". وحدثنا إبراهيم بن موسى حدثنا هشام بن يوسف الصنعاني أخبرنا معمر، عن سالم، عن جابر: "أن رسول الله ﷺ كان إذا سجد جافى بين جنبيه". - فقال أحمد: هات القلم إليَّ فكتب صح، صح، صح، ثلاث مرات" (^١).
ولقد كان يجتمع عليه الحفاظ لامتحانه ومذاكرته قال أحمد بن خالد بن الحروري: "دخل أبو زرعة بغداد متوجهًا إلى الحج فاجتمع إليه الحفاظ يذاكرونه وهو يجيب ويغلبهم في المذاكرة حتى عجزوا عن مذاكرته فقام واحد منهم فقال في أذنه: "يا داماما" وشتمه بأقبح شتيمة فتبسم أبو زرعة وقال له: يا هذا اشتغل بالعلم فإن هذا بعيد مما نحن فيه" (^٢).