وتمضي الأيام بالصغير، وهو عاكف على لوحه في المكتب يثبت فيه ويمحو ما يكتب له من الأشعار، وما تخطه يده من حكم وأمثال، أما القرآن الكريم فكان يتلقنه في الجامع تلقينًا، تنزيهًا عن ابتذال الصبيان له بالمحو والإثبات (^١).
وكان لتلقين القرآن الكريم في جامع دمشق حلقات لا يخلو منها صباحًا ولا مساء (^٢). منها حلقة في الجهة الشرقية منه، تعرف بالشبع الكبير (^٣)، كان يجتمع فيها القراء كل يوم عقب صلاة الفجر لقراءة سبع من القرآن، ليختموه في كل أسبوع مرة، وكان يجلس كل قارئ عقب الانتهاء من القراءة إلى سارية، فيتحلق الصبيان حوله ليلقنهم القرآن (^٤)، من هؤلاء القراء الشيخ شرف الدين يعيش، الذي كان أبو شامة ينضم إلى حلقته مع أترابه يقرأ عليه (^٥)، وكان قد حبَّب إليه حفظ الكتاب العزيز، فجعل ذلك من همته (^٦)، حتى إذا ما استتم الحادية عشرة من عمره كان قد
_________________
(١) «رحلة ابن جبير»: ص ٣٤٢.
(٢) المصدر السالف.
(٣) «المذيل»: ١/ ٢٤٩.
(٤) «رحلة ابن جبير»: ص ٣٤١.
(٥) «المذيل»: ٢/ ٢١٣.
(٦) «المذيل»: ١/ ١٣٧.
[ ٢٣ ]
أتمه حفظًا، وفوجئ والده، وهو يسمع صغيره يقول له ذات يوم: قد ختمت القرآن حفظًا (^١).
في تلك الفترة كان قد انتقل إلى المدرسة الأمينية ليتابع دراسته فيها بعد المكتب، وقد اتخذ من إحدى غرفها سكنًا له (^٢).
وتطلعت نفسه إلى جمع القراءات، فانتقل إلى حلقة الشيخ إبراهيم بن يوسف المعروف بالوجيه ابن البوني، وهو أحد المشايخ المعتبرين في الجامع، المشهورين بمعرفة القراءات، وقد بلغ من تمكنه منها أن كانت حلقته في مكان حلقة ابن طاوس (^٣)، إمام جامع دمشق ومقرئه في عصره (^٤)، فشرع أبو شامة في تلقي القراءات عليه، بادئًا بحفظ قصيدة العلامة الشاطبي «حرز الأماني» في القراءات السبع، فأتم حفظ أبياتها التي بلغت نحو ألف ومئة وثلاثة وسبعين بيتًا، فكانت أول مصنف وجيز يحفظه بعد حفظه للكتاب العزيز، قبل بلوغه الحُلُم (^٥)، وحين توفي شيخه إبراهيم سنة (٦١٢ هـ/ ١٢١٦ م) كان قد أتم عليه قراءة الجزء الأول من سورة البقرة (^٦).
فانتقل إلى حلقة الشيخ شرف الدين أبي منصور الضرير، وكان من المتصدرين في الجامع للإقراء، ويبدو أنه قد قرأ عليه القرآن بالروايات حتى أتمه (^٧)، وذلك قبل التحاقه بحلقة شيخ قراء عصره وأشهرهم علم الدين السخاوي.
_________________
(١) «المذيل»: ١/ ١٣٧.
(٢) «المذيل»: ١/ ١٧٥، ٢/ ١٧٤، ١٩٨.
(٣) «المذيل»: ١/ ٢٦٠ - ٢٦١.
(٤) ابن طاوس هو هبة الله بن عبد الله بن علي بن طاوس البغدادي، ثم الدمشقي، المتوفى سنة (٥٣٦ هـ)، انظر ترجمته في «سير أعلام النبلاء»: ٢٠/ ٩٨.
(٥) «إبراز المعاني»: ١/ ١٠٧.
(٦) «المذيل»: ١/ ٢٦٠ - ٢٦١، ٢/ ١٤٧.
(٧) «المذيل»: ١/ ٢٢٦، ٢/ ١٣٥، ١٧٤.
[ ٢٤ ]
كان السخاوي، وهو من أصحاب الإمام الشاطبي، في السادسة والخمسين من عمره، وكانت حلقته بالجامع عند رأس يحيى بن زكريا ﵇ (^١)، وذات يوم من أيام شعبان سنة (^٢) (٦١٤ هـ/ ١٢١٧ م) جلس الفتى أبو شامة، وكان في نحو الخامسة عشرة من عمره إلى حلقته، وقد غصت بالطلاب، وبدأ يقرأ عليه القرآن بالروايات، فكان الدرس الأول للفتى النابه بين يدي شيخه الجليل، ولما انقضى حول على هذا اللقاء كانت زكاته إجازة الشيخ لفتاه في علم القراءات اعترافًا بتمكنه فيه (^٣)، ولعله كان من أصغر تلاميذه سنًا ينال هذه الإجازة.
وفي مجلس شيخه السخاوي يتعرف إلى الفقيه الشيخ عز الدين بن عبد السلام، وكان في نحو السادسة والثلاثين من عمره (^٤)، وربَّما نحو هذه الفترة يترك أبو شامة المدرسة الأمينية لينتقل منها إلى المدرسة العزيزية، وكان للفقيه عز الدين بن عبد السلام مجلس فيها (^٥)، فتتعمق علاقته به.
ولم يقنع أبو شامة بما حصله من علم القراءات، فقد وجد متسعًا من وقته لسماع الحديث الشريف من شيوخه، وتحصيل الإجازات منهم، فسمع «صحيح البخاري» من الشيخ المسند داود بن أحمد بن ملاعب (^٦)، والشيخ أبي القاسم
_________________
(١) = وقد توفي سنة (٦٣١ هـ)، ولم يترجم له أبو شامة في وفياتها، ولعله سها عنه. انظر ترجمته في «تاريخ الإسلام» للذهبي (وفيات سنة ٦٣١ هـ)، «الوافي بالوفيات»: ٢٥/ ٢٨١، و«نكت الهميان»: ص ٢٨٧.
(٢) «غاية النهاية»: ١/ ٥٦٩، قلت: وقد شاع أن رأس يحيى ﵇ قد دفن في هذا الموضع، ولم أرَ مَنْ تَثَبَّتَ من ذلك.
(٣) «المذيل»: ٢/ ٧٤.
(٤) «معرفة القراء الكبار» للذهبي: ٣/ ١٣٣٤.
(٥) «المذيل»: ١/ ٢٩٩.
(٦) «المذيل»: ٢/ ٢٢٣.
(٧) «المذيل»: ١/ ٣٢٠، ٣٢٦، و«شرح الحديث المقتفى»: ص ٥٦.
[ ٢٥ ]
أحمد بن عبد الله بن عبد الصمد السلمي العطار (^١)، وسمع طائفة من كتب الحديث من الشيخ أبي البركات زين الأمناء الحسن بن محمد بن الحسن بن عساكر (^٢)، وسمع من القاضي أبي المجد محمد بن الحسين القزويني كتاب «شرح السنة» للبغوي، وكان قد تفرد بروايته (^٣)، وأجازه مسند الشام في زمانه شمس الدين الحسين بن هبة الله بن صصرى، ولكنه لم يسمع منه (^٤)، ربما لأنه كان يأخذ أجرة على السماع (^٥)، وكذلك أجازه التقي بن باسويه (^٦)، وقد سمع منه كتاب «الاعتبار في بيان الناسخ والمنسوخ من الآثار للحازمي (^٧)، وأجازه القاضي شرف الدين إسماعيل بن إبراهيم بن أحمد الشيباني (^٨)، والشيخ العدل أبو علي الحسن بن يحيى بن صَبَّاح المصري، وقد سمع عليه أكثر «الخلعيات» (^٩).
وكان يختلف إلى حلقة الشيخ الفقيه كمال الدين أبي العباس أحمد بن كشاسب الدِّزْماري، قارئًا عليه الفقه الشافعي، وكان متضلّعًا من نقل وجوه المذهب، وفهم معانيه (^١٠).
وهكذا كان الفتى أبو شامة يقضي سحابة نهاره في جامع دمشق متنقلًا فيه من شيخ إلى شيخ، يقرأ ويسمع ويتأمل.
_________________
(١) «معرفة القراء الكبار: ٣/ ١٣٣٤، وشرح الحديث المقتفى: ص ٥٦.
(٢) «المذيل»: ٢/ ١٩.
(٣) «المرشد الوجيز»: ص ٦٦، وانظر ترجمته في «سير أعلام النبلاء»: ٢٢/ ٢٤٩ - ٢٥٠.
(٤) «المذيل»: ٢/ ٩.
(٥) «سير أعلام النبلاء»: ٢٢/ ٢٨٢ - ٢٨٤.
(٦) «المذيل»: ٢/ ٣٤.
(٧) كتاب البسملة»: ص ٥٠٣.
(٨) «المذيل»: ٢/ ٢٥.
(٩) «المذيل»: ٢/ ٣٣ - ٣٤.
(١٠) «المذيل»: ٢/ ٦٨.
[ ٢٦ ]