لم يكن التاريخ أول علم شدَّ إليه أبا شامة، فقد سبقه إلى ذلك علم القراءات القرآنية (^١)، ثم الفقه والعربية (^٢)، ومن بوابة الفقه دخل عالم التاريخ الرحيب (^٣)، وقد اكتشف فيه أنه أصل من أصول الشريعة، وباب من أبواب العلم (^٤)، والجاهل فيه راكب عمياء، خابط خبط عشواء (^٥).
وأكب عليه قراءة من مظانه حتى وقع ما وقع من تنازل الكامل بن العادل عن القدس للصليبيين (^٦)، وهي درة فتوحات عمه صلاح الدين، ثم حصاره دمشق، وهو أول حصار يشهده أبو شامة (^٧)، فشعر وقتئذ أن خللًا قد دب في الواقع الإسلامي، وأن فترة المراوحة في حكم العادل بين الحرب والسلم، قد أفضت في زمن ابنه الكامل إلى مسالمة العدو، ومحاربة القريب، فالتقط بحسه التاريخي ذلك الحادث،
_________________
(١) انظر ص ٢٤ - ٢٥ من هذا الكتاب.
(٢) انظر ص ٢٦، ٣٥ - ٣٧، ٤١ - ٤٣ من هذا الكتاب، وانظر «كتاب الروضتين»: ١/ ٢٢.
(٣) انظر ص ٥٨ - ٥٩ من هذا الكتاب.
(٤) «كتاب الروضتين»: ١/ ٢٥.
(٥) «كتاب الروضتين»: ١/ ٢٤.
(٦) انظر ص ٧٣ من هذا الكتاب.
(٧) انظر ص ٧٥ من هذا الكتاب.
[ ٣٥١ ]
وقد وعى ما حدث فيه من تغيير، فانتقل من قراءة التاريخ إلى تدوينه كشاهد عيان لما يحدث، فكانت وقائع حصار دمشق من أوائل ما دَوَّنَ (^١) حين شرع في تأليف أول تاريخ له، وكشأن البدايات دائمًا لم يمنح تاريخه عنوانًا يعرف به، بل كان أشبه بمذكرات يدون فيها ما يقع تحت ناظريه من أحداث قبل أن يبتلعها النسيان (^٢).
وتمر الأيام والسنون، وقد ملأ التاريخ عقله وقلبه، منكبًا على كتبه يطالعها، وعلى حوادثه وأخباره يدونها، جامعًا شواردها من أفواه شيوخه، ومن يلتقيه من شهودها، حتى استطاع في مدة وجيزة أن يطلع بنظرة شاملة مستوعبة على أحوال المتقدمين والمتأخرين من الأنبياء والمرسلين، والصحابة والتابعين، والخلفاء والسلاطين، والفقهاء والمحدثين، والأولياء والصالحين، والشعراء والنحويين، وأصناف الخلق الباقين (^٣). فيعيش معهم وكأنه قد عاصرهم أجمعين (^٤)، متمنيًا أن يجتمع بمن يدخل الجنة منهم، ويذاكرهم بما نُقِلَ إليه عنهم (^٥).
وتتوق نفسه لمعرفة المزيد، فيسافر إلى مصر، ويحط رحاله في دمياط، وكانت قد عانت من حصار الصليبيين لها واحتلالها سنة (^٦) (٦١٥ هـ/ ١٢١٨ م)، ثم ينتقل إلى القاهرة، فيلتقي شيوخها، ويطلع على ما في دار وزارتها من وثائق ومراسلات (^٧)، ويزور قلعة صلاح الدين ليلتقي فيها الأمير أبا الفتوح بن العاضد،
_________________
(١) انظر ص ٧٧ من هذا الكتاب.
(٢) انظر ص ٨٢ - ٨٣ من هذا الكتاب، وانظر «المذيل»: ١/ ٩، ٢٣.
(٣) «كتاب الروضتين»: ١/ ٢٣.
(٤) المصدر السالف.
(٥) «كتاب الروضتين»: ١/ ٢٤.
(٦) انظر ص ٨٦ من هذا الكتاب.
(٧) انظر ص ٨٦ - ٩٠ من هذا الكتاب.
[ ٣٥٢ ]
وهو ابن آخر خلفائهَا، وقد سجن فيها، فيسأله عن الوقائع التي عاصرها (^١)، ثم ينتقل منها إلى الإسكندرية، مُجتمِعًا فيها بعلمائها وزهادها (^٢)، ليعود منها إلى دمشق بعد غيبة عنها دامت نحو سنة (^٣)، وقد أعد نفسه ليتفرغ فيها للتصنيف والتأليف (^٤).
وقد اكتشف في رحلته مع التاريخ أنه باب واسع، غزير الفوائد، صعب المصادر والموارد، زلت فيه قدم كثير من نقلة الأخبار، ورواة الآثار (^٥).
ولئلا يضيع في زحمة ما جمع من أخبار، ويخطئ في نسبتها إلى أربابها، أو يخلط فيها ويصرفها عن أصحابها (^٦)، رأى أن يتخذ من «تاريخ دمشق» للحافظ ابن عساكر وسيلة للتأليف فيه، يودع فيه ما جمع، ويجنبه الخطأ، وذلك بتلخيصه وتهذيبه، وإضافة فوائد لتراجمه (^٧)، وبذلك يحقق أيضًا اطلاعًا شاملًا على تاريخ الإسلام من خلال أهم كتبه.
وتقوده قراءته في «تاريخ دمشق» لابن عساكر إلى ترجمة نور الدين، ثم تقوده قراءاته إلى ترجمة صلاح الدين، فيجد فيهما ما كان يبحث عنه في السلاطين، إنهما في المتأخرين كالعمرين في المتقدمين، قد نشرا العدل والجهاد، واجتهدا في إعزاز دين الله أي اجتهاد، فهما حجة على المتأخرين من الملوك والسلاطين (^٨)، أمثال الكامل والصالح إسماعيل وغيرهما ممن انحرف بالأمة عن طريقها القويم.
_________________
(١) انظر ص ٩٠ - ٩١ من هذا الكتاب.
(٢) انظر ص ٩١ - ٩٢ من هذا الكتاب.
(٣) انظر ص ٩٣ من هذا الكتاب.
(٤) «المذيل»: ١/ ١٣٨.
(٥) «كتاب الروضتين»: ١/ ٢٥.
(٦) المصدر السالف.
(٧) انظر ص ٩٣ - ٩٤ من هذا الكتاب، و«كتاب الروضتين»: ١/ ٢٥ - ٢٦.
(٨) انظر «كتاب الروضتين»: ١/ ٢٦.
[ ٣٥٣ ]
فيعقد العزم على تأليف تاريخ في دولتيهما (^١)، يبين فيه سياستهما التي سارا عليها في إقامة فرض الجهاد، وتخليص البلاد من أيدي الكفرة، والنظر في مصالح العباد (^٢)، فلعله يقف عليه من الملوك من يسلك في ولايته ذلك السلوك (^٣)، فهل التاريخ إلا للاعتبار، لنقتدي بمن تقدمنا من الأخيار (^٤)؟
ويعكف أبو شامة في المدرسة العادلية الكبرى على تأليف تاريخه ذاك، ويسميه «كتاب الروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية» (^٥).
* * *
_________________
(١) «كتاب الروضتين»: ١/ ٢٦.
(٢) «كتاب الروضتين»: ٤/ ٤٣٤.
(٣) «كتاب الروضتين»: ١/ ٢٦.
(٤) انظر «كتاب الروضتين»: ١/ ٢٢، ٢٤.
(٥) «كتاب الروضتين»: ١/ ٣١، ٢/ ٢٦٤، و«نزهة المقلتين»: ورقة ٢.
[ ٣٥٤ ]