كان للشِّعْر النَّصِيب الأوفى في «كتاب الروضتين»، وقد أودع فيه أبو شامة كثيرًا من القصائد والمقطَّعات التي لولاه لضاعت فيما ضاع من تراثنا الشِّعْري، ويتبدَّى فيما أورده ولعه به، وتذوُّقه له، وإدراكه أهمِّيَّته في الكتابة التاريخية، فقد ألقت هذه القصائد والمقطَّعات ظلالها على الكتاب بما بثَّته من مشاعر وأحاسيس وآمال، جعلت الحدث التاريخي ينبض بالحياة ونحن نعايش تلك القلوب التي عاصرته، وانفعلت به، فإذا بنا فيه، وقد نقلنا إليه أبو شامة بحسِّ المؤرِّخ ورهافة الأديب. وأكاد أجزم بأني لم أر مؤرِّخًا توسَّع في إيراد الشِّعْر في كتابه كما فعل أبو شامة، ولعل مما سهَّل ذلك عليه اختصاره جملة من دواوينه (^١).
وأول ما يلفت نظرنا أن أبا شامة - وهو المؤرِّخ - لم يكن يثبت منه في كتابه إلا ما تحقَّق من نسبته إلى قائله، فحين يسوق بيتي أسامة ابن منقذ في الضَّرْس:
وصاحب لا أَمَلُّ الدَّهْرَ صُحْبَتَهُ … يشقى لنفعي ويسعى سَعْيَ مُجْتَهد
لم ألقه مذ تصاحبنا فحين بدا … لناظري افترقنا فُرْقَة الأبد
يقول: «ومن عجيب ما اتفق أني وجدت هذين البيتين مع بيتين آخرين،
_________________
(١) «المذيل على الروضتين»: ١/ ١٤٤.
[ ٣٩٣ ]
المجموع أربعة أبيات في ديوان أبي الحسين أحمد بن منير الأطرابلسي، ومات ابن منير سنة (٥٤٨ هـ) قرأت في ديوانه، وقال في الضّرْس:
وصاحب لا أَمَلُّ الدَّهْرَ صُحْبَتَهُ … يشقى لنفعي وأجني ضره بيدي
ثم قال:
أدنى إلى القلب من سمعي ومن بصري … ومن تلادي ومن مالي ومن ولدي
أخلو ببثي من خال بوجنته … مداده زائد التقصير للمددِ
لم أره من تصاحبنا … البيت
فالأشبه أن ابن منير أخذهما وزاد عليهما، ولهذا غيَّر فيهما كلمات، وقد وجدت هذا البيت الأول على صورة أخرى حسنة:
وصاحب ناصح لي في معاملتي
ويجوز أن يكون أسامة أنشدهما متمثلًا، فنسب إليه لما كان مظنة ذلك، ويجوز أن يكون اتفاقًا، والله أعلم (^١).
بل إنه يتتبع المؤرخ الذي ينقل عنه الشعر في ألفاظه، ليتحقق من صحة إيراده له، فحين نقل عن ابن أبي طي قصيدة ابن التعاويذي في مدح السلطان صلاح الدين في وقعة مرج عيون سنة (٥٧٥ هـ/ ١١٧٩ م) التي يقول فيها:
فهوت نجوم سعودهم وقضى لهم … بالنَّحْسِ طائرهم بمرج عُيونِ
يتعقبه أبو شامة بقوله: «هكذا أنشده (يعني ابن أبي طي) وهو حسن، وقد كشفته من نسخة ديوان ابن التعاويذي، فوجدت آخر هذا البيت: طائر جدك الميمون» (^٢).
* * *
_________________
(١) «كتاب الروضتين»: ٢/ ٤٣٤ - ٤٣٥.
(٢) «كتاب الروضتين»: ٣/ ٣٢ - ٣٣.
[ ٣٩٤ ]
ولأبي شامة فيما يورده من أشعار ذائقة أديبة عالية، وأحيانًا يعبر عنها باستحسانه بعض الأبيات بكلمات مجملة، لا يتعداها في الغالب إلى بيان مواطن جمالها.
فهو معجب أشد الإعجاب بشعر ابن القيسراني وابن منير الأطرابلسي، فهما من أفحل الشعراء ممن مدح نور الدين، ولهما فيه أشعار فائقة (^١)، وهما في عصرهما بمنزلة الفرزدق وجرير (^٢)، ومن أتى بعدهما ممن مدح نور الدين لم يبلغ شأوهما (^٣).
ومعجب كذلك بالشاعر المصري أبي الحسن بن الذروي، فقد مدح القاضي الفاضل عند عوده من حجه سنة (٥٧٤ هـ/ ١١٧٩ م) بقصيدة حسنة (^٤)، وقصيدته الذالية في المبارك ابن منقذ قصيدة غراء، قال فيها: «ما أظن أنه نظم على قافية الذال أرق منها لفظًا، وأروق معنى» (^٥).
أما العماد الكاتب، فقد نظم أوصاف نور الدين الجليلة بأحسن لفظ وأرقه (^٦).
ولعلم الدين الشاتاني مطلع قصيدة في مدح صلاح الدين يقوم مقام قصائد كثيرة (^٧).
* * *
ولم يلتزم أبو شامة بإيراد القصيدة كلها في موضع واحد، وإنما يقطعها حسب
_________________
(١) «كتاب الروضتين»: ١/ ٧٨، ٩١.
(٢) «كتاب الروضتين»: ١/ ٢٩٣.
(٣) «كتاب الروضتين»: ١/ ٩١.
(٤) «كتاب الروضتين»: ٣/ ٢٢.
(٥) «كتاب الروضتين»: ٢/ ٢٧٦.
(٦) «كتاب الروضتين»: ١/ ٣٠٠، ٢/ ٣٥.
(٧) «كتاب الروضتين»: ٢/ ٤٥٧.
[ ٣٩٥ ]
المناسبة التي يقتضيها سياق الخبر، فقصيدة العماد الكاتب التي مدح فيها السلطان صلاح الدين في وقعة حطين، قدم منها أبياتًا في وصف كسرة حطين، وأبياتًا عند فتح القدس (^١).
وكذلك أورد من قصيدة ابن جبير في مدح السلطان صلاح الدين ما يتعلق بإسقاط المكوس في حوادث سنة (٥٧٤ هـ/ ١١٧٩ م) وأورد باقيها في فتح القدس (^٢).
وحين افتتح نور الدين قلعة أفامية، أورد أبياتًا من قصيدة لابن منير في فتحها، ثم اختار أبياتًا من القصيدة نفسها في رثاء سيف الدين غازي أخي نور الدين (^٣).
وللشعر عنده أهمية في تأريخ بعض الوقائع، فحين يذكر العماد الكاتب قصد الشاعر عرقلة الكلبي صلاح الدين في مصر، يجد أبو شامة مصداق ذلك في ديوانه، فيقول: «وفي ديوانه ما يدل على قدومه مصر» (^٤).
ويستشهد بأشعار لعمارة اليمني يدلل بها على تعلقه بالفاطميين، وبغضه لصلاح الدين، وهي أبيات منتزعة من قصائد طويلة له (^٥).
بل إنه يحاول من خلال الشعر أن يتبين حقيقة ما وقع، فهل كان عطاء بن حفاظ السلمي، أحد رجال مجير الدين أبق حاكم دمشق، متواطئًا مع نور الدين؟ أم أن الأبيات التي قالها ابن منير في مدحه قيلت لتكون سببًا في قتله (^٦)؟
وثمة أخبار لا مصادر لها إلا أشعار الشعراء، من ذلك وصول خلع الخليفة
_________________
(١) «كتاب الروضتين»: ٣/ ٣٠١، ٣١٧، ٣٦٣ - ٣٦٤.
(٢) «كتاب الروضتين»: ٣/ ١٢ - ١٤، ٣٧٢ - ٣٧٣.
(٣) «كتاب الروضتين»: ١/ ٢٢١، ٢٢٩، وانظر ١/ ١٧٧، ١٨١ - ١٨٢، ١٩٨.
(٤) «كتاب الروضتين»: ٢/ ١٢٩.
(٥) «كتاب الروضتين»: ٢/ ٢٩١.
(٦) «كتاب الروضتين»: ١/ ٣٠٣.
[ ٣٩٦ ]
من بغداد إلى نور الدين سنة (٥٤٦ هـ/ ١١٥١ م) فقد استفاد ذلك أبو شامة من قصيدة لابن منير يمدح فيها نور الدين، ويهنئه فيها بوصول هذه الخلع على يد الشيخ شرف الدين بن أبي عصرون (^١).
وكذلك غزاة الوزير طلائع بن رُزَّيك للصليبيين يفصل خبرها من خلال قصيدة أرسلها طلائع إلى أسامة ابن منقذ، شارحًا له فيها حال هذه الغزاة (^٢).
وصلح نور الدين مع حاكم دمشق سنة (٥٤٥ هـ/ ١١٥٠ م) يؤيده بقصيدة للقيسراني يمدح فيها نور الدين لإبرامه هذا الصلح (^٣).
وأحيانًا تكون قصيدة شعر هي وراء وقعة من الوقائع، كما في قصيدة الواعظ أبي عثمان المنتجب بن أبي محمد البحتري الواسطي، التي كانت من أقوى الأسباب المحركة لنور الدين لإبطال المكوس (^٤).
من ذلك نتبين أن أبا شامة كان من أولئك المؤرخين الذين اكتشفوا أهمية الشعر في تدوين التاريخ، وأنه من أهم مصادره فيه (^٥).
* * *
_________________
(١) «كتاب الروضتين»: ١/ ٢٧٥.
(٢) «كتاب الروضتين»: ١/ ٣٦٣.
(٣) «كتاب الروضتين»: ١/ ٢٤٢.
(٤) «كتاب الروضتين»: ١/ ٥٥ - ٥٦.
(٥) انظر ما كتبه عن أهمية الشعر في تدوين التاريخ د. شكري فيصل في مقدمة تحقيقه لخريدة القصر، قسم شعراء الشام: ٣/ ١٣، وشارل عيساوي في كتابه «تأملات في التاريخ العربي»: ص ١٤١، ود. نوري حمودي القيسي في كتابه «الشعر والتاريخ».
[ ٣٩٧ ]