في هدأة العزلة الجديدة، وبعد أن سكت عن أبي شامة الغضب، وسكنت نفسه، جلس بين أوراقه يتأمل تجربته في التعلم والتعليم من مال الوقف، منذ أن كان طالب علم في المدرسة العادلية الكبرى، حتى غدا مدرسًا في مدارس الشافعية، ثم اعتزاله عنها فيما بعد، مستعرضًا في خياله من عاصرهم من القضاة، وهم المتولون عادة للأوقاف مع أمراء دمشق ونوابها، متوقفًا عند بعضهم ممن جعل الوقف مغنمًا له، ولمن يلوذ به من المتزلفين، ولم يغب عن باله قط تلك المكيدة التي استبعدته عن مشيخة الإقراء في تربة أم الصالح، وقد اعتصم يومئذ بالصبر على ما لحقه من غبن، وأنف أن يتزلف لذوي الجاه والسلطان ممن بيدهم الأمر، وآثر الانصراف عنهم منكبًا على تأليفه الفقهية والتاريخية، يحررها بما عرف عنه من إحاطة وشمول واستقصاء لمسائلها وشواردها، قانعًا بالقليل يتبلغ به حفظًا لكرامته.
غير أن فساد الأوقاف وصل إلى حد لا يمكن السكوت عنه، ولا سيما وهو المسيطر على نواحي التعليم كافة، حتى غدا طالب العلم أشبه بالأسير بين يدي المستولين عليه، لا يكاد يجد منهم فكاكًا، ولم يعد يستفيد من الوقف إلا ذلك المتملق لهم بالمديح الكاذب، والكلام المنافق الساعي في حوائجهم، البائع دينه
[ ٣٠١ ]
بعرض من الدنيا قليل، أما العالم حقًا، المشغول بالعلم تدريسًا ومدارسة فهو مجفو عن مال الوقف، لا يناله منهم إلا قوارص القول والهجران.
فكيف الخلاص من قبضة الذل والظلم هذه؟ وما هي سبيل العالم إلى حياة حرة عزيزة؟
لقد لاح لأبي شامة منذ سنين طريق الخلاص، وسار فيه حين آثر الابتعاد عن ذوي الجاه والسلطان والقضاة، ولم يطأطئ لهم رأسه، واعتزل في بستانه يفلح أرضه ويزرعها، ويتقوت من ثمارها، لقد ودع الفقر الذي كان يكابده مع أسرته، ووجد الفلاح في الفلاحة، فها هو بيته يفيض بالغلال والثمار، وبابه ملجأ لطالبي الصدقات من فقير وأرملة ويتيم، ويعاتبه المعاتبون على انقطاعه عن التدريس بالمدرسة الركنية، لقد ظن حين قبل التدريس بها أن الأمر قد تغير مع العهد الجديد، وأن القاضي ابن خلكان يسعى حقًا إلى إشاعة العدل وإزالة الظلم عن الناس، وكذلك كان أمله يتجدد مع كل قاض جديد، غير أن الأمل الوليد سرعان ما كان يخيب! ..
ويبدو أن طريق خلاصه هو الطريق لكل العلماء، عليهم أن يسلكوه، ويتخذوا لأنفسهم حرفة يتعيشون منها، وتكون عونًا لهم على حفظ كرامتهم، وصون حريتهم من ابتذال المبتذلين، وظلم الباغين، وأي حرفة أحل كسبًا من الفلاحة؟
فليطلقها صيحة ونصيحة لكل طالب علم أن يتحرر في رزقه من ذل السؤال، وأن يتخذ حرفة يعيش منها، فإن للعلم منزلة عظيمة، فعليه ألا يهينه بالاتكال في رزقه على مال الأوقاف، فهو مال لا يناله إلا شرير نذل جاهل، يلزم خدمة أكابر القوم متزلفًا لهم متملقًا، عاكفًا على إرضائهم بكل سبيل.
حقًا كان للأوقاف شأن كبير في نشر العلم والتعليم، أما الآن فقد تولاها قهرًا ودون استحقاق جهال حمقى، فهم لا يقربون إليهم إلا من هو على شاكلتهم في الجهل والحمق، فيجعلونه في موضع الفقيه والمرشد، وأصحاب الأوقاف الذين
[ ٣٠٢ ]
حبسوها يظنون أن ما يفعله هؤلاء هو عين الصواب فيثنون عليهم، ويمدحونهم، فيزدادون تماديًا في ظلمهم، وهم يحسبون أن كل عالم هو على شاكلتهم، فيضيع الحق بين صاحب الوقف ومتوليه، أما طالب العلم حقًا فيقصى عنه، ويضيق عليه في الرزق، حتى يصبح من فقره ميتًا قد أسكن قبرًا، وهم من قسوتهم لا يرقون لحاله، قد أسكرهم ضلالهم وظلمهم، فعماهم عن رؤية الحق.
فيا طالب العلم، عليك باتخاذ حرفة تعيش منها، وإياك أن تحتقرها وتتكبر عليها، وارض بما ترزق منها ولو كان قليلًا، واشكر الله على ما رزقك، فبالشكر تزيد النعم، واترك الأوقاف والمتولين لها، وتجنب أفعالهم الظالمة، وتوكل على الحي الذي لا يموت.
وكن أبيًا يا طالب العلم، أما تأنف أن يكون عيشك مما يزري بك؟ فالأوقاف هي أوساخ الناس، كوقف المقعدين الزمنى، والعميان، والمساكين واليتامى، فكيف تطيب نفسًا بالأخذ منها، وأنت لست منهم؟ فدع العجز والكسل أيها الأبي، فليس لك عذر في الأكل منها، فلا تزاحم المحتاجين إليها، وإن ألجأتك ضرورة إليها، فخذ منها كفافًا، بقدر ما تقيم به أودك، واعزم على أن لا تدوم على ذلك.
وإياك أن تظن أن مال الوقف يساعدك في طلب العلم، لقد نبغ في الأمة أئمة كبار قبل أن يشيع حبس الأوقاف، ويستقر نظامًا ثابتًا، له ديوان ومتولون، ولم يكن ذلك مانعًا لهم من طلب العلم والتفوق فيه.
فكن يا طالب العلم معطيًا لا آخذًا، فيد المعطي هي الأعلى والأرفع قدرًا.
ثم إن صدقات الأوقاف ينفر منها كل أبي عزيز النفس، ولو أتته صفوًا عفوًا، بريئة من كل منة وأذى، فكيف لا ينفر منها من لا ينال النزر اليسير منها إلا بذل السؤال، وإراقة ماء المحيا؟
* * *
والوقف لم يعد مجرد صدقات تعطى، بل صار منصبًا، وهذا المنصب يباع
[ ٣٠٣ ]
ويشرى، والقادر على شرائه ذلك الغني صاحب المال والجاه، وبذلك انتفت الغاية التي وقف لأجلها، بل انقلب نفعه إلى ضر، فصار تركه أروح للنفس وأطيب، إذ صار هذا المنصب يورث كالمتاع، من غير استحقاق له ولا أهلية، أما العالم المستحق له فهو يقضي حياته حيران أسفًا، يكابد عيشه بغيظ مكتوم.
وقد أعمى هؤلاء الأغنياء المستولين على الوقف حب المال، فهم شرهون عليه، وتغريهم شراهتهم بالمزيد، فإذا كان الفقير يعذر حقًا بالأخذ منه، فما عذر هؤلاء الأغنياء؟
لقد رأيت منهم قضاة ومدرسين، تعجب لغناهم، يتنافسون فيما بينهم باللباس المطرز، والبغال البيض الفارهة، يركبونها زهوًا وكبرًا، مستشعرين عظمة في نفوسهم، ولو فكر الواحد منهم حقًا لعلم أنه إنما يعيش على صدقات الناس، ولو سماها تمويهًا باسم الأوقاف، ثم إن لهذه الأوقاف شروطًا، إذا لم يقم متوليها بحق شروطها، فهو يعرف ما ينتظره يوم القيامة من حساب وعذاب على تضييعها، فهل هؤلاء حقًا يقومون بشروطها؟
لقد رأيت في حياتي مدرسين وقضاة متولين لهذه الأوقاف، وهم لقلة علمهم قد اتخذهم الناس ضحكة يهزؤون منهم، بل إن بعض هؤلاء القضاة كان لا يحسن القراءة إذا قرأ، ويا لها من وصمة عار على أهل هذا العصر أن يلي القضاء فيهم من لا يحسن القراءة، أذكر منهم قاضيًا كان يلثغ بالقاف، وآخر كان يلثغ بالراء، وهما من أماثل القضاة وأحسنهم، وقد أدركت من القضاة من خُلع عنه لباس القضاء، وألبس القباء - وهو لباس والي الشرطة - في مجلس الحكم، تهكمًا به، وتشفيًا منه، بل إن منهم من كان ذا لكنة أعجمية، لا يقيم لسانه بالعربية، ومنهم الفاسق الظالم الذي أُلقي من شاهق، فتقطع جسمه قطعًا، ومنهم من كاتب التتار، بل منهم من سار إليهم مثنيًا مصريًا أفعالهم! ومنهم من ارتكب الفواحش والموبقات، وعتا واستكبر.
[ ٣٠٤ ]
وها هو ذا القاضي الجديد يستغرق في نظم الشعر والدوبيت، وتقريب الشعراء في مجلسه، ويقضي لياليه وهو يتعاطى الحشيشة مع الشاب الجميل أبي الفوارس الذي يهتز بماء الشباب عجبًا وسكرًا، وقد ملك عليه قلبه، فهو يوليه المناصب، بينما يترك الأشياخ المستحقين لها يتضورون جوعًا وفقرًا، بل إن هذا الشاب هو العدل الرضا في مجلس قضائه، يشهده مع الأثبات العدول، فيعدل من يشاء، ويجرح من يشاء.
وقد التف حول هذا القاضي بنو علان وأولاد صصرى، وهم قوم سوء مغرضون، يزينون له زورًا وبهتانًا ما يخدم مصالحهم، والقاضي مصغ لأقوالهم، معتمد عليها.
أيها القاضي، هؤلاء ليسوا بناصحين لك، فاسأل سواهم تعرف الحق، ولست معذورًا باعتمادك على أقوالهم، بل إنك بذلك ترتكب إثمًا عظيمًا.
هؤلاء المغرضون شوهوا مواقفي عندك، وقد كنت حربًا على المفسدين، فما زلت متوقفًا في أمري، لم تنصفني وقد أنصفت غيري، وقد صارحتك بما كان مني، وبثثت شكواي لك، وحالي لم يتغير، ولذا عدت إلى حرفتي؛ زراعة أرضي، لأن الحرفة أولى بأهل العلم والصلاح، ينأون بأنفسهم بها عن هذا الفساد العظيم.
* * *
حقًا، لقد قضيت زمنًا من عمري أعيش على مال الموقف، غير أنني كنت غني النفس، آنف من صدقات مدارس الفقه، وأشبهها بوقف الأسرى، ولم أكن أزاحم عليها، وكم تمنيت ألا يكون رزقي منها، وها قد بارك الله لي في الفلاحة، فله الحمد على ما أنعم، فأنا اليوم بين العلماء أشرحهم صدرًا، وأطيبهم عيشًا، ولذلك حسدني منهم من حسدني قائلًا: من أين لأبي شامة هذا المال؟ وكيف اغتنى؟ ألا يعلمون ويحهم أن الله تعالى هو الرزاق؟ فالموعد القيامة، فيا لخجلة هذا المغتاب الجريء، إنه الآن لا يبالي بما يقول، ولكنه غدًا سيجزى على ما يقول.
فيا أيها المغتاب، إذا قلت إن أصل ثروتي من مال الوقف، فإن ذلك
[ ٣٠٥ ]
لا يضرني، ولا يعيبني، لأنها حقًا كذلك، غير أنني تركت مال الوقف من بعد، واستغنيت عنه، وأنا ألوم فيمن ألوم ذلك العالم الذي قضى حياته يأكل من مال الوقف، وما زال مصرًا على ذلك، ولم يفكر أبدًا أن يتخذ حرفة يعيش منها، فهو عالة على الناس في معيشته.
أما أنا فقد صانني الله، فلم أزاحم أحدًا على مناصبه، قانعًا بما أنا فيه، والله أسأل أن يلهمني الصبر بقية عمري، وأن لا يحوجني إلى هؤلاء المستبدين بالوقف، المستولين عليه، المستعبدين الناس قهرًا، فترى المحتاج إليهم بين أيديهم أسيرًا ذليلًا، وترى أقرب الناس إليهم ذلك المنافق المتملق.
ولا تظنن أن انتقاد هؤلاء بالأمر السهل، وهم أصحاب السلطان والجاه، فإن من يخالفهم محكوم عليه بالقتل، أما من يوافقهم فهو في الشر مثلهم سواء.
وأخيرًا، ها قد بحت بما في نفسي، وانشرح صدري، فمن كان منصفًا عرف الحق، لأن ما ذكرته أمر شائع، لا يخفى على أحد.
* * *
لقد كان أبو شامة يستشعر حقًا خطورة ما يفكر فيه، فإن في نقده لهؤلاء المستولين على الأوقاف، المستبدين به من قضاة ونواب وولاة، وفضحه لهم، وهم أصحاب الجاه والسلطان، يعرض نفسه لنقمتهم، وقد قال:
مَنْ يُخَالِفْ يُقْضَ وَمَنْ وَافَقَ القَو … مُ يَكُنْ مِثْلَهُمْ فَحَسْبُكَ شَرًّا
ولكي لا يكون في صمته مثلهم في الشر سواء، أمسك بقلمه، وبدأ ينظم هذه المعاني التي جالت طويلًا بخاطره، فكانت قصيدته الفلاحة الرائية (^١)، ولم يقف قلمه حتى بلغت أبياتها مئة وثمانية أبيات، وقد آثر أن تكون خاتمتها مفتوحة، ليزيد فيها ما يجد من أحداث، غير أن صارفًا صرفه عنها، فلم يفعل، وليته فعل.
_________________
(١) انظر القصيدة في «المذيل»: ٢/ ١٨٢ - ١٨٧، وسماها كذلك ص ١٩٦ منه، وقد نثرت لك معانيها في هذا الفصل.
[ ٣٠٦ ]