ما إن استقرّ مُعين الدين بن شيخ الشيوخ في دار سامة حتى افتتح عهده الجديد بعزل مُحيي الدين يحيى ابن الزكي عن القضاء، وولاه صدر الدين أحمد بن قاضي القضاة يحيى، المعروف بابن سني الدولة (^١).
كان صدر الدين في نحو الثالثة والخمسين من عمره، وكان قد سمع الحديث، وبرع في الفقه وأفتى، وناب في القضاء عن أبيه سنة (٦٢٣ هـ/ ١٢٢٦ م) ثم ولي وكالة بيت المال (^٢)، وكان مدرّسًا في المدرسة الإقبالية والجاروخية (^٣).
فلربَّما تفاءل به أهل دمشق خيرًا، وهو يتخذ مكانه على عادة القضاة في المدرسة العادلية الكبرى، ولكن هل تفاءل به أبو شامة، وهو قديم المعرفة به، منذ أيام شيخه فخر الدين ابن عساكر، حيث كانا يلتقيان، على ما بينهما من فارق في السن، في حلقته بجامع دمشق (^٤)؟ ولربما أبان أبو شامة عن شيء من توجسه منه، وذلك بإغفاله ذكر تاريخ ولايته القضاء، وهو يورد حوادث تلك السنة في تاريخه.
_________________
(١) «مرآة الزمان» (حوادث سنة ٦٤٣ هـ)، و«ذيل مرآة الزمان»: ١/ ٣٨٥، و«المذيل»: ٢/ ١٤٠.
(٢) «طبقات الشافعية» للإسنوي: ١/ ٥٤٨.
(٣) «الوافي بالوفيات»: ٨/ ٢٥٠.
(٤) المصدر السالف.
[ ١٣١ ]
وسرعان ما بدد هذا القاضي تفاؤل أهل دمشق به، فقد عدَّل رجلًا يُسمى جمال الدين اليزدي، وهو معروف في دمشق بالفسق، فهو سِكِّير، مقامر، زان، متهم باللواط، تارك للصلاة، فخلع عليه خِلعة العدول، الطيلسان، وأحضره مجلسهم، وكان فيهم أبو شامة، وقد صُدِم أهل دمشق بتعديل هذا الفاسق حتى قال فيه أحد شعرائهم:
طاب شربُ المُدام في رمضان … واصطفاق العيدان عند الأذان
والزنى واللواط في حَرَمِ الله … وترك الصلاة بالقرآن
منذ صار اليزدي في سكك الشام … يطوف الحانات بالطيلسان
يا عدول الشام قد سمح القاضي … لأصحابه بنيل الأماني
قامروا واشربوا وقودوا ولوطوا … وافسقوا والحدوا إذن بأمان
وارفعوا عنكم التَّسَتُّرَ بالفسق … فلا حاجة إلى الكتمان (^١)
وكذلك جعل أبا النجيب نصر بن أبي العز بن أبي طالب الشيباني، المعروف بالنجيب بن الشقيشقة شاهدًا عدلًا، وهو معروف بين أهل دمشق برقة الدين والكذب، بل إنه أسند إليه عقد الأنكحة، متقربًا في تعيينه من أحد أرباب الجاهات كان النجيب على صلة به، وفجع الناس بتعيينه، فقال فيه أحد شعرائهم:
جَلَسَ الشَّقَيْشَقَةُ الشَّقي ليشهدا … بأبيكما ماذا عدا مما بدا
عجبًا لمحلول العقيدة جاهل … بالشرع قد أَذِنُوا له أن يَعْقِدا
هل زُلْزِلَ الزَّلْزَالُ أم قد أُخْرِجَ الدجال … أم عَدِمَ الرِّجال ذوو الهدى (^٢)
وجاء بالشاعر الخليع أبي بكر محمد بن محمد الإسعردي، المعروف بالنور الإسعردي، فأجلسه مع الشهود تحت الساعات (^٣).
_________________
(١) «فوات الوفيات»: ١/ ١٣٩ - ١٣٨.
(٢) «المذيل»: ٢/ ١٣١ - ١٣٠.
(٣) «عيون التواريخ»: ٢٠/ ١٨٩، «فوات الوفيات»: ٣/ ٢٧٦ - ٢٧١.
[ ١٣٢ ]
وعاش الناس يتقلبون من جديد تحت كوابيس القاضي رفيع الدين الجيلي، وقد تسمى هذه المرة بصدر الدين!
* * *
وفي غمرة انشغال دمشق بأخبار قاضيها الجديد يتوفى فجأة ابن أبي شامة محمد، غرسه الذي كان يتعاهده ويرعاه، متنقلًا به بين مجالس السماع وحلقات العلم، وتموت بموته أحلام أبي شامة في أن يرى ابنه ذات يوم عالمًا كبيرًا، ذا أسانيد عالية، يُرحل إليه، ولنا أن نتخيل الوالد المفجوع، وقد مدّد جسد ابنه الصغير على مغتسله، ودموعه تتقاطر على خديه حزنًا ورحمة، بينما كان يباشر تغسيله وتكفينه، ويتذكر في تلك اللحظة ساعة ولادته، وكيف كان هو قابله (^١)، وبألم بالغ يكتب من بعد في تاريخه خبر موت ابنه، متعمدًا إبهام تاريخ وفاته، وكأنه لا يقوى على تذكره، فيقول: «وفي يوم الجمعة آخر جمعة في الشهر (^٢) توفي ولدي أبو الحرم محمد - جمعني الله وإياه في الجنَّة - ودفنته عند أمه بمقبرة ابن زويزان المجاورة لمقبرة الصوفية، على حافة الطريق إليها - رحمهما الله وإيانا وأنا كنت قابله وغاسله، وبلغ من العمر ثماني سنين ونصفًا، وسمع من كتب الحديث وأجزائه ومن سائر العلوم شيئًا كثيرًا على جملة من المشايخ نحو مئة وأربعين شيخًا (^٣).
وشتان ما بين يومي ولادته ووفاته! ..
ويبدو أن أبا شامة كان قد تزوج قبل نحو سنة (٦٤٢ هـ/ ١٢٤٤ م) من امرأة، ثم لأمر ما طلقها، وهي حامل، فأبقاها في داره، لتعتد فيه ريثما تلد، وأجرى النفقة عليها، وقد ولدت له من بعد بنتًا سماها زينب، توفيت بعد وفاة ابنه محمد
_________________
(١) انظر ص ٩٥ من هذا الكتاب.
(٢) يعني في (٢٦) جمادى الأولى سنة (٦٤٣ هـ/ ١٢٤٥ م).
(٣) «المذيل»: ٢/ ٧١.
[ ١٣٣ ]
بأربعة أيام (^١)، ولعلها توفيت عقب ولادتها بقليل، إذ لم يذكر أبو شامة تاريخ ولادتها كعادته في ذكر تواريخ ولادة أبنائه، ولم يذكر أين دفنها، والراجح أنه دفنها بمقبرة ابن زويزان إلى جانب قبر أخيها (^٢) محمد (^٣).
وهكذا تتوالى أحزانه، ويلفي نفسه وحيدًا لا زوجة له ولا أولاد إلا ابنته فاطمة شقيقة ابنه محمد، ذات الأعوام الاثني عشر ربيعًا.
ويبدو أن جسده لم يقو على تحمل أثقال هذه الأحزان، فوقع مريضًا (^٤) يعاني أوجاع الجسد والروح.
* * *
وما كاد أبو شامة يبل من مرضه، وتلتئم جراح روحه حتى يتوفى شيخه الحبيب علم الدين السخاوي، بمنزله بالتربة الصالحية، في ليلة الأحد ثاني عشر جمادى الآخرة سنة (^٥) (٦٤٣ هـ/ ١٢٤٥ م)، ولما يمض على وفاة ولده سوى خمسة عشر يومًا، وتخرج دمشق من الغد لوداع شيخها، وكان يومًا مطيرًا، والأرض موحلة، ويخرج أبو شامة يودع شيخه، ويصلي عليه بالجامع، وخارج باب الفرج، ويشيعه إلى سوق الغنم، ثم يرجع إلى مسكنه، إذ لم يقو على متابعة السير نحو جبل
_________________
(١) «المذيل»: ٢/ ٧١.
(٢) يؤيد ذلك أنه قال حين توفي ابنه إسماعيل: ودفنته بجنب إخوته بمقبرة ابن زويزان، انظر «المذيل»: ٢/ ١٦٠.
(٣) يبدو أن أبا شامة قد أبقى امرأته المطلقة في بيته، وقد تزوجت من غيره، وأنجبت من زوجها ولدًا ذكرًا بعد نحو سنة، ذكره أبو شامة في تاريخه، فقال: «وفي رجب ولد بمنزلي عبد العزيز بن أحمد بن عبد الجبار الزينبي، أخو ابنتي زينب من أمها، جعله الله موفقًا سعيدًا». انظر «المذيل»: ٢/ ٨١.
(٤) «المذيل»: ٢/ ٧٢.
(٥) «المذيل»: ٢/ ٧٣.
[ ١٣٤ ]
قاسيون، حيث تربته، وهي مسافة بعيدة على رجل قريب عهد بالمرض (^١)، وفي البيت يجلس إلى تاريخه ليكتب فيه، والحزن يعتصر قلبه: «وكان على جنازته هيبة وجلالة، ورقة وإخبات، وختم بموته موت مشايخ الشام يومئذ، وفقد الناس بموته علمًا كثيرًا، ومنه استفدت علومًا جمة، كالقراءات والتفسير وفنون العربية، وصحبته من شعبان سنة أربع عشرة، ومات وهو عنِّي راض، والحمد لله على ذلك» (^٢).
وكان الشيخ علم الدين السخاوي قد أقرأ الناس بجامع دمشق في حلقته عند رأس يحيى بن زكريا ﵉ نيفًا وأربعين سنة، ثم لما بنى الصالح إسماعيل بن العادل تربة لوالدته، ولى السخاوي مشيخة الإقراء فيها، وجعل شرطه لتوليها أن يكون شيخها أعلم أهل البلد بالقراءات (^٣).
فتولاها بعد السخاوي فخر الدين محمد بن عمر بن عبد الكريم الحميري، المعروف بابن المالكي، وكان يقرئ القرآن في حلقة طاوس بجامع دمشق (^٤) غير أنَّ أيامه لم تطل فيها، إذ توفي ليلة السبت ثامن عشر شعبان سنة (^٥) (٦٤٣ هـ/ ١٢٤٦ م)، أي بعد وفاة السخاوي بنحو شهرين وأربعة أيام، فانعقدت إمامة الإقراء بعد وفاته لأبي شامة.
* * *
كان أبو شامة قد غدا من كبار علماء القراءات في دمشق، بل إنه صار أكبرهم بعد وفاة شيخه السخاوي، واشتهر بذلك بين المشتغلين بهذا الفن، وأقروا بإمامته فيه، وبخاصة بعد تأليفه كتابًا في الأحرف السبعة بعنوان: «المرشد الوجيز إلى
_________________
(١) «المذيل»: ٢/ ٧٤.
(٢) المصدر السالف.
(٣) «غاية النهاية»: ١/ ٥٦٩، ٢/ ٢١١، و«الدارس في تاريخ المدارس»: ١/ ٣٢١.
(٤) «المذيل»: ٢/ ١٣٤، «معرفة القراء الكبار»: ٣/ ١٣٣١.
(٥) «المذيل»: ٢/ ٧٥.
[ ١٣٥ ]
علوم تتعلق بالكتاب العزيز» (^١)، وتصديه لشرح الشاطبية في القراءات شرحًا موسعًا يحيط بها (^٢)، ومن ثم تطلعت نفسه لتولي مشيخة الإقراء في التربة الصالحية تنفيذًا لشرط واقفها.
وكان للسخاوي تلميذ آخر نجيب هو أبو الفتح محمد بن علي بن موسى الأنصاري، الدمشقي، وهو من أجل أصحاب السخاوي كذلك (^٣)، غير أنه يصغر أبا شامة بنحو ستة عشر عامًا، إذ كان أبو شامة وقتئذ في نحو الرابعة والأربعين، وأبو الفتح في نحو الثامنة والعشرين، ولربما لم يتوقع أبو شامة وقتئذ أن يكون أبو الفتح منافسًا له في مشيختها، فهو الأعلم والأكبر، والأطول ملازمة لشيخه السخاوي، ولربما فوجئ حقًا وهو يرى أمير دمشق معين الدين بن شيخ الشيوخ، وقاضي قضاتها صدر الدين ابن سني الدولة، يرشّحان أبا الفتح لتولي مشيختها، متخذين منه أداة لإقصاء أبي شامة عنها، حسدًا له، ونكاية به.
لا ريب أن أبا شامة، وهو أحد عدول دمشق، لم يكن ليرضى عن تعديل هذا القاضي للفاسقين (^٤)، ولم يكن ليرضى عمَّن عين هذا القاضي، فأطلق لسانه فيهما.
ولربما كان لموقف أبي شامة من كمال الدين التفليسي نائب القاضي الأثر الأكبر في ذلك، حين ردَّ عليه وعلى القاضي فيما أتياه من العبث بعقود الأنكحة. إذ كان القاضي صدر الدين قد أذن لتاج الدين عبد الرحمن بن عبد الباقي الحنفي بعقد نكاح على مذهبه، ثم أذن القاضي صدر الدين لنائبه الشافعي كمال الدين
_________________
(١) ألفه قبل سنة (٦٤٥ هـ/ ١٢٤٨ م)، لأنَّه أشار إليه في «كتاب البسملة الأكبر»: ص ١٤٥، وقد ألفه في ذلك العام، وانظر ص ١٨٩، ٥٠٤ من هذا الكتاب.
(٢) هو الكتاب الكبير من إبراز المعاني، وقد شرع فيه قبل سنة (٦٤٥ هـ/ ١٢٤٨ م)، إذ أشار إليه في «كتاب البسملة الأكبر»: ص ١٢٤، وقد ألفه في ذلك العام، وانظر ص ٤٨٣ - ٤٨٤، ٤٩٧ من هذا الكتاب.
(٣) «معرفة القراء الكبار»: ٣/ ١٣٣١.
(٤) انظر ص ١٣١ - ١٣٢ من هذا الكتاب.
[ ١٣٦ ]
التفليسي بنقض هذا العقد، وقد أثارت هذه القضية في حينها إنكارًا على الناقض والأذن، وتصدَّى أبو شامة لذلك العبث، فألف تصنيفًا ينقض فيه حكم القاضي ونائبه، ولما ردَّ عليه كمال الدين أتبعه أبو شامة بتصنيف آخر سمَّاه «إقامة الدليل الناسخ لجزء الفاسخ» (^١).
لم تكن تلك السنين الخداعة تحتمل صدق أبي شامة، وصدعه بالحق (^٢)، فلم يرض معين الدين بن شيخ الشيوخ والقاضي صدر الدين أن يكون لأبي شامة منزلة أعلى من منزلته، فأظهرا الأمر، وكأنَّ بين أبي شامة وأبي الفتح مساواة في الحق بتولي هذا المنصب (^٣)، وهما بحاجة إلى مَنْ ينصف بينهما، فعيَّنا الشيخ الإمام علم الدين القاسم بن أحمد بن موفق اللورقي، القارئ في التربة العادلية، حكمًا بينهما (^٤).
ولربما قَبِلَ أبو شامة بهذا التحكيم، وهو على يقين بأنْ لا منافس له في مشيختها، ويجتمعون، ومعهم القاضي صدر الدين، ويسألهما الشيخ علم الدين اللورقي عن قول الشاطبي في باب وقف حمزة وهشام:
وفي غير هذا بين بين ومثله … يقول هشام ما تطرّف مسهلا (^٥)
ويكتب أبو شامة بثقة العالم جوابًا عن سؤاله بحثًا فيما يتعلق بالهمز في أصله وتقسيمه، ومذاهب النحاة فيه، وتعليل ذلك، ثم يذكر ما يتعلق بالبيت المذكور من اللغة والإعراب والمعاني والبيان والبديع والعروض والقوافي وغير ذلك.
ويقتصر أبو الفتح على ما يتعلق بالوقف على الهمز فقط، ويقرأ الشيخ
_________________
(١) «المذيل»: ٢/ ١٧١، ١/ ١٤٣، وانظر ص ٤٨٥ من هذا الكتاب.
(٢) «المذيل»: ١/ ١٤٦.
(٣) «معرفة القراء الكبار»: ٣/ ١٣٣١.
(٤) «معرفة القراء الكبار»: ٣/ ١٣١٠ - ١٣١٢، ١٣٣١.
(٥) «إبراز المعاني»: ٢/ ١٤.
[ ١٣٧ ]
علم الدين اللورقي جوابيهما، ويعجب ببحث أبي شامة، فيقول فيه: هذا إمام من أئمة المسلمين، ويقول في أبي الفتح: هذا مقرئ (^١).
ويتعلق القاضي صدر الدين بظاهر كلام اللورقي، فاهمًا منه ما يريد أن يفهمه، فيقول: ما المقصود في وقفها إلا المقرئ. ويوليها أبا الفتح.
ويتميز أبو شامة من الغيظ، وهو يرى إبعاده عن مشيختها بهذه الخديعة المكشوفة، فيخرج من مكان الاجتماع، وهو ينفخ غاضبًا، ملتفتًا إلى الشيخ علم الدين اللورقي بانزعاج، قائلًا بأسى: يا شيخ ذبحتني. ويشعر الشيخ علم الدين أنه قد خُدِع هو الآخر، فيعتذر لأبي شامة بصوت متهدج، قائلًا: والله ما قصدت لك إلا خيرًا، وما علمت أنهم إلى هذا الحدّ من الجهل في فهم كلامي (^٢).
ولن يغفر أبو شامة لعلم الدين اللورقي موقفه هذا، فيكتب من بعد في ترجمته له: «كان معمرًا، مشتغلًا بأنواع من العلوم، على خلل في ذهنه» (^٣).
ويكتم أبو شامة ما جرى له، فلا يشير إليه في تاريخه، بيد أنه يبوح به بعض البوح في قصيدته الفلاحة الرائية، عانيًا نفسه:
وغدا المُسْتَحِقُّ حيرانَ نَدْما … ن من الغُبْنِ ينظرُ العَيْشَ شَزْرا
ثبت الله بعضهم بغنى النفـ … س فلم يكترث وقد عاش دهرا (^٤)
ولعله تعزَّى نحوًا من العزاء، وهو يتذكر موقفًا مشابهًا لشيخه فخر الدين ابن عساكر، حين أبعد عن مشيخة العادلية، وهو أحق الناس بها، فكتب يقول: «فسبحان مَنْ جعل فيه أفضل أسوة وعمدة، لمن ظلم من المشايخ والفضلاء بعده» (^٥).
_________________
(١) «غاية النهاية»: ٢/ ٢١١.
(٢) المصدر السالف.
(٣) «المذيل»: ٢/ ١٨٨، ويرد عليه الذهبي في «معرفة القراء الكبار»: ٣/ ١٣١٠ - ١٣١٢ بقوله: كذا قال أبو شامة، بل كان من أذكياء النحاة والمتكلمين، رحمة الله تعالى عليه.
(٤) «المذيل»: ٢/ ١٨٥.
(٥) «المذيل»: ١/ ٣٦٦.
[ ١٣٨ ]
ولعله أرضي في تلك الفترة بتوليته مشيخة الإقراء بالتربة الأشرفية (^١).
* * *
وربما في نحو هذه الفترة جرت لأبي شامة محنة، كانت ترمي للنيل من سمعته ونزاهته، لم يطاوعه قلمه على كتمانها، وهو الكتوم، فندت عنه بإشارة عابرة، وهو يترجم لفقيه شافعي ضرير، كان يدرس بالمدرسة الأمينية، وكان يسكن في أحد بيوت منارة جامع دمشق الغربية، وهو تقي الدين عيسى بن يوسف بن أحمد الغرافي.
فقد ابتلي الغرافي بسرقة مال له من بيته، فاتهم به شخصًا كان يقرأ عليه ويلازمه، ويقضي حوائجه، ويقوده من المدرسة إلى البيت، ومن البيت إلى المدرسة، فأنكر الشخص المتهم ذلك، وتعصبت له أقوام عند والي البلد، فوقع الناس في عرض الغرافي من اتهامه مَنْ ليس من أهل التهم، ومن كونه جمع ذلك المال وهو وحيد غريب، ونسبه الناس إلى أنه غير صادق فيما ادعاه، فزاد الهم على الغرافي من ضياع ماله، والوقوع في عرضه، ولم يقو على احتمال ما ألم به، فآثر الموت على الحياة، ففي يوم الجمعة سابع ذي القعدة سنة (٦٠٢ هـ/ ١٢٠٦ م) وجد الغرافي مشنوقًا بالمئذنة الغربية (^٢).
وبعد أن يسوق أبو شامة هذه القصة في تاريخه مبديًا تعاطفه مع الغرافي، يقول: «وجرى لي أخت هذه القضية، وعصمني الله سبحانه بفضله» (^٣).
فمن اختلس مال أبي شامة؟ ومن الشخص الذي اتهمه أبو شامة؟ وهل راودت أبا شامة فكرة الانتحار؟ أسئلة لا يسعفنا أبو شامة بالإجابة عنها.
_________________
(١) أشار أبو شامة إلى توليته مشيخة الإقراء في التربة الأشرفية، غير أنه لم يعين تاريخها، انظر «المذيل»: ١/ ١٤٩، ٢/ ٢٢١.
(٢) «المذيل»: ١/ ١٧٤.
(٣) المصدر السالف.
[ ١٣٩ ]
ويلتف حول أبي شامة محبوه، يسرون عنه، ويمدحه بعض مريديه الأدباء بقصيدة يعرض فيها بأعدائه:
أيها الحاسدون فَضْلَ شهاب الدْ … ين عبد الرحمن ربِّ المعالي
لا تطيقون ما أطاق دَعُوا السَّعْ … ي فلن تُدْرِكُوه غير خيال
حاز مذ كان بالقناعة عزا … مع بهاء وهيبة وجلال
واعتلاء على الأماثل في بُن … جواب له وحسن سؤال
ناشر العلم قائل الحق كم قد … نَصَرَ الشَّرْعَ عن صحيح الجدال
صائِنُ نَفْسَهُ وما فيه من عِلْ … م ودين عن مِهْنَةٍ وابتذال
وسواه في الذل إن خاب أو أن … جَحَّ يسعى أيامه والليالي
فارسًا راجلًا يَمُرُّ ويأتي … نحو قاض وتارةً نحو والي
ذو التصانيف المغنيات بعون الله … عن مُتْعباتِ قيل وقال
مَنْ يُرِدْ قَدْرَ فَضْلِهِ فليطالع … كُتْبَهُ فَهْيَ عَيْنُ عين الكمال
وَهُوَ مِنْ نَفْسِهِ النَّفيسة في عِزّ … (م) ومن عِلْمِهِ رَخِيُّ البال (^١)
_________________
(١) «المذيل»: ١/ ١٤٥ - ١٤٦.
[ ١٤٠ ]