وشعر الظاهر بيبرس أن سلطانه توطد، وقد دفع التتار عن البلاد، وصارت له الغلبة على الصليبيين، وانقاد له الأمراء، ولم يكن يزعجه في ظل سطوته إلا قاضي قضاة مصر الشافعي تاج الدين عبد الوهاب بن خلف المعروف بابن بنت الأعز - وكان القضاء مقتصرًا على الشافعية - فقد كان يلزمه ببعض الأحكام على مذهبه لم تكن تروق له، أو يرى فيها تشددًا لا يستسيغه، أو يتوقف في بعضها.
وكم جرت بينهما من مشادات في بعض الأحكام في دار العدل، آخرها ما جرى يوم الاثنين (١٢) ذي الحجة سنة (٦٦٣ هـ/ ١٢٦٥ م)، وكان الأمير جمال الدين أيدغدي حاضرًا، فقال للقاضي: مذهب الشافعي لك، ونولي من كل مذهب قاضيًا. فما كان من الظاهر بيبرس إلا أن نفذ ما قاله جمال الدين، وكأنه أمر بيت بينهما بليل، فبعد أسبوع، وذلك يوم الاثنين (١٩) ذي الحجة سنة (٦٦٣ هـ/ ١٢٦٥ م) ولى السلطان الظاهر ثلاثة قضاة هم: القاضي صدر الدين سليمان بن أبي العز الحنفي، والقاضي شرف الدين عمر بن عبد الله بن صالح السبكي المالكي، والقاضي شمس الدين محمد بن إبراهيم الحنبلي، ليكونوا قضاة القضاة بديار مصر إلى جانب القاضي الشافعي عبد الوهاب ابن بنت الأعز، وقد
[ ٣٢٣ ]
أبقى عليه النظر في مال الأيتام (^١)، وأن يستقل بتولية النواب بنواحي الوجهين القبلي والبحري، لا يشاركه فيه غيره (^٢). فصار من ذلك الوقت أربعة قضاة في مصر يحكم كل منهم بمذهبه.
فهل كان الظاهر حقًا منزعجًا من تشدد القاضي ابن بنت الأعز في أحكامه، وتوقفه في القضايا التي لا توافق مذهبه؟ وهل كان يستشعر حاجة الناس إلى قضاة من المذاهب الأخرى؟ وهل كان حقًا يريد أن يكسب بذلك النخب الدينية والفئات الشعبية بعد أن كسب النخب السياسية بإعادته الخلافة العباسية، وتمكنه من التتار والصليبيين كما يرى باحث معاصر (^٣)؟
أسئلة تثار، ولعلنا نستطيع في البحث عن جوابها أن نقف على الدافع الحقيقي الذي كان وراء تعيين الظاهر بيبرس القضاة الأربعة، وبخاصة أنه شيء ما أظنه جرى في زمان سابق على حد تعبير أبي شامة (^٤).
لو كان انزعاجه منصبًا على شخص القاضي لا على مذهبه لكان قد عزله، وأتى بقاض غيره أطوع له فيما يريد، وفي كلمة الأمير جمال الدين أيدغدي ما يوضح لنا أن الانزعاج كان لتفرد المذهب الشافعي بالحكم، ألم يقل له: مذهب الشافعي لك، ونولي من كل مذهب قاضيًا؟ فالضيق كان من تحكم المذهب الشافعي في الفصل بين القضايا، ولربما في بعضها ما لا يرغب فيه السلطان، والذي يجعلنا نميل إلى هذا الرأي أن السلطان لم يكن يمانع في تحكم المذهب الشافعي حين
_________________
(١) «السلوك»: ج ١/ ق ٢/ ٥٣٨ - ٥٤٠.
(٢) «صبح الأعشى»: ٤/ ٣٦.
(٣) قال ذلك د. رضوان السيد في مقاله: «الفقه والفقهاء والدولة، صراع الفقهاء على السلطة والسلطان في العصر المملوكي»، مجلة «الاجتهاد»، العدد الثالث، ربيع الأول سنة ١٩٨٩: ص ١٣٦ - ١٣٧.
(٤) «المذيل»: ٢/ ٢١٤.
[ ٣٢٤ ]
يكون حكمه في صالحه، ولذلك أبقى للقاضي الشافعي النظر في مال الأيتام، لأنَّ الشافعي يوجب الزكاة على مالهم بخلاف المذهب الحنفي، مما يعود نفعه للسلطان وأولياء اليتيم (^١).
ولم يكن الناس بحاجة إلى قضاة المذاهب الأخرى، لأن الكثرة الكاثرة منهم كانوا شافعية، وقلة منهم كانوا مالكية وحنفية، فكيف سيكسب الظاهر بيبرس تلك النخب الدينية والفئات الشعبية، وهو يعارض الشريحة الأكثر منها؟
وبرأيي أن الظاهر كان يسعى من وراء ذلك إلى التحرر من سلطة الفقهاء على اختلاف مذاهبهم، ولعلها السلطة الوحيدة القادرة أن تقف في وجهه، إذ يتيح له ذلك أن ينتقي من كل مذهب ما يوافقه من أحكام، وبذلك يتخلص من هيمنة مذهب واحد عليه.
ثم إن الفقهاء لم يكونوا على وئام فيما بينهم، وتعيين قضاة منهم سيزيد من خلافاتهم وخصوماتهم، ومن ثم تتبدد سلطتهم بما يحصل من تعصب كل فريق لمذهبه، وما يقع بينهم من فتن بسبب اختلاف الآراء والاجتهادات.
وقد أدرك ذلك بعض الفقهاء، ومن ثم عارض قراره بشدة فقهاء دمشق، وذلك حين أرسل إليهم في (٦) جمادى الأولى سنة (٦٦٤ هـ/ ١٢٦٦ م) عهوده الثلاثة لثلاثة قضاة، هم: شمس الدين عبد الله بن محمد بن عطاء الحنفي، وزين الدين عبد السلام الزواوي المالكي، وشمس الدين الرحمن بن الشيخ أبي عمر المقدسي الحنبلي، فلم يقبل المالكي والحنبلي، واعتذرا بالعجز، وقبل الحنفي لأنه كان نائبًا لقاضي الشافعية، فأرسل الظاهر كتابًا من مصر بإلزامهما بذلك، وهددهما إن لم يقبلا بأخذ ما بأيديهما من الأوقاف، فلم يستجب له المالكي، وأشهد على نفسه بأنه عزل نفسه عن القضاء، وعن الأوقاف، ثم ورد الأمر بإلزامه،
_________________
(١) انظر كتاب «الأم» للإمام الشافعي: ٢/ ٢٨، و«فتح القدير» لابن الهمام: ١/ ٤٨٤، و«الفقه والفقهاء والدولة»: ص ١٥٢.
[ ٣٢٥ ]
فألزم مكرهًا، وقد اشترط المالكي والحنبلي - نأيًا بأنفسهما عن السلطان ألا يأخذا أجرًا على القضاء، وقالا: نحن في كفاية. فأعفيا من ذلك (^١).
ومن ثم نرى أن فقهاء دمشق لم يسارعوا إلى الاستجابة، بل قبلوا مكرهين تحت التهديد والوعيد، فأين ذلك من كسب هذه النخب الدينية؟
ثم إن عامة الشعب قد استرابت من هذا القرار، ولم تجد فيه تحقيقًا لعدالة، أو كشفًا لمظلمة، وعبر أحد ظرفاء دمشق عن استرابتهم هذه بقوله:
أهل دمشق استرابوا … من كثرة الحكام
إذ هم جميعًا شموس … وحالهم في ظلام (^٢)
فأين ذلك من كسب الفئات الشعبية؟
أما أبو شامة، ذلك الفاضح لفساد القضاء والقاضي واحد، فقد وجدها فرصة ليجدد حملته على القضاء والقضاة، ساخرًا من اتفاق ألقابهم بشمس الدين بينما حال الناس من الظلم في ظلام، ولعله يريد انتقاد السلطان من وراء انتقادهم، ولذلك آثر إيراد أشعاره الساخرة بصيغة المبني للمجهول، فكتب في «مذيله»: «ومن العجيب اجتماع ثلاثة على ولاية قضاء القضاة في زمن واحد، وكل منهم لقبه شمس الدين، واتفق أن الشافعي منهم استناب أيضًا من لقبه شمس الدين، فقيل:
بدمشق آية قد … ظهرت للناس عاما
كلما ولي شمس … قاضيًا زادت ظلاما
وقيل أيضًا:
قضاتنا كلهم شموس … ونحن في أكثف الظلام
وقيل أيضًا:
_________________
(١) «المذيل»: ٢/ ٢١٤ - ٢١٥.
(٢) «المذيل»: ٢/ ٢١٥.
[ ٣٢٦ ]
أظْلَم الشَّام وقد … وَليَ الحُكْمَ شُموسُ
ليس فيهم من يَبُتُّ ال … حُكْمَ عِلْمًا أو يسوسُ (^١)
ولن يغفر الفقهاء من بعد للظاهر بيبرس ما صنع، فقد حُكي أنه رئي في النوم بعد وفاته، فقيل له: ما فعل الله بك؟ قال: عذبني عذابا شديدًا بجعل القضاة أربعة، وقال: فرقت كلمة المسلمين (^٢).
_________________
(١) «المذيل»: ٢/ ٢١٥.
(٢) «طبقات الشافعية» للسبكي: ٨/ ٣٢١.
[ ٣٢٧ ]