أذاع أبو شامة قصيدته الفلاحة الرائية غير مبال ولا هياب بمن يتصدى لمُحارَبَتِهِم، وراح يقضي أيامه بين بستانه يزرعه، وبين بيته يعكف فيه على تأليفه، ويدون في «مذيله» وفاة من يتوفى من أهل دمشق ممن يعرفه من علمائها وأعيانها، وبعض عامتها، متغافلًا حقًا عما كان يقوم به السلطان الظاهر بيبرس من أعمال عسكرية ضد الصليبيين ولو بإشارة عابرة.
وكان الظاهر بيبرس قد خرج من القاهرة في (١١) ربيع الآخر سنة (^١) (٦٦١ هـ/ ١٢٦٣ م) محاولًا أخذ عكا عاصمة الصليبيين بعد فتح بيت المقدس، فحاصرها في أوائل جمادى الآخرة سنة (٦٦١ هـ/ ١٢٦٣)، ووصلت عساكره إلى أبوابها (^٢)، فلما امتنعت عليه سار عنها إلى الناصرة (^٣)، وكان قد أمر بهدم كنيستها، فهدمت (^٤)، ثم وافى بيت المقدس في يوم الخميس (١٧) جمادى الآخرة، فكشف أحواله، وما يحتاج إليه من العمارة، ونظر في الأوقاف، وكتب بحمايتها (^٥)، ثم سار إلى
_________________
(١) «السلوك»: ج ١/ ق ٢/ ٤٨٠.
(٢) «السلوك»: ج ١/ ق ٢/ ٤٨٨.
(٣) «السلوك»: ج ١/ ق ٢/ ٤٨٩.
(٤) «السلوك»: ج ١/ ق ٢/ ٤٨٧.
(٥) «السلوك»: ج ١/ ق ٢/ ٤٩١.
[ ٣٠٧ ]
الكرك، فنزل به يوم الخميس (٢٣) جمادى الآخرة، وتسلم قلعته في اليوم التالي، وصلى به الجمعة (^١)، وكان قد قبض على صاحبه الملك المغيث بخديعة، استدرجه بها إلى الطور حيث كان ينزل في (١٢) جمادى الأولى سنة (٦٦١ هـ/ ١٢٦٣ م) متهمًا إياه بمكاتبة التتار (^٢)، متخلصًا بذلك من آخر ملك أيوبي قد يهدد سلطانه، ثم رحل عائدًا إلى مصر يوم الأربعاء (٢٩) جمادى الآخرة سنة (٦٦١ هـ/ ١٢٦٣ م) فوصل إليها في (١٧) رجب، وقد زينت القاهرة أحسن زينة لاستقباله (^٣).
ولربما لم يقطع عن أبي شامة سكون عزلته وهدوئها إلا ولادة مولود له يوم السبت في (٢٧) رمضان سنة (٦٦١ هـ/ ١٢٦٣ م) بدار العطافية، غربي المدرسة العادلية، فسماه محمودًا، وكناه أبا القاسم، ولقبه بنور الدين، باسم السلطان العادل نور الدين محمود بن زنكي وكنيته ولقبه، عساه أن يكون مباركًا صالحًا عفيفًا تقيًا كما كان سميه (^٤)، فهل كان أبو شامة يعبر بحنينه إلى نور الدين عن استيائه من الظاهر بيبرس؟ وإذا كان قد افتقد هذا الاسم وصفاته في دنيا السلاطين والأمراء، فلا أقل من أن يسمع رنينه في بيته، عساه أن يعزيه بعض العزاء، إنه ما زال يحلم بحاكم يشبهه في ورعه وتقواه وحُسن سياسته، فهل يتحقق ذات يوم ما يحلم به؟
لم يكن أبو شامة يرى في الظاهر بيبرس إلا أميرًا طموحًا، تسنم الحكم على أشلاء المسلمين، وخاض في دمائهم، ألم يقتل السلطان تورانشاه بن الملك الصالح نجم الدين أيوب غداة الانتصار على الصليبيين في المنصورة (^٥)؟ ألم يكن في جملة من كان مع الأمير فارس الدين أقطاي الذي هتك أعراض المسلمين،
_________________
(١) «السلوك»: ج ١/ ق ٢/ ٤٩١.
(٢) «السلوك»: ج ١/ ق ٢/ ٤٨٣ - ٤٨٢.
(٣) «السلوك»: ج ١/ ق ٢/ ٤٩٢.
(٤) «المذيل»: ٢/ ١٩٠. وانظر ص ٣٧٦ من هذا الكتاب.
(٥) انظر ص ١٦٣ - ١٦٥ من هذا الكتاب.
[ ٣٠٨ ]
واستباح دماءهم وأموالهم (^١)؟ ألم يقتل السلطان قطز عقب انتصاره على التتار في عين جالوت (^٢)؟ أليس هو من المماليك البحرية الذين أذاقوا الناس ويلات ظلمهم (^٣)؟
وإيغالًا في عزلته راح يعمق معانيها بما ينظمه من شعر، فقد نظم مرة يقول:
صان ربي عن التَّبَذُّلِ عِلْمي … فله الحَمْدُ ببُكرةً وأصيلا
لم يَشن بالسؤال وجهي بل با … رَكَ فيما أعطى فكان جزيلا
وغنى النَّفْسِ والقناعة كنزا … ن فكانا لِمَا ذكرت دليلا
كم رأينا مِنْ عالم عز بالعل … م وأضحى بالحرص منه ذليلا
احفظ الله وابْذُلِ الفَضْلَ تعنم … من غنى النَّفْسِ عِزَّةً وقَبُولا (^٤)
وقال مرة:
أيا لائمي ما لي سوى البيت موضع … أرى فيه عِرًّا إِنَّه لي أَنْفَعُ
فراشي ونطعي فروتي فَرَجِيَّتي … لحافي وأَكلي ما يَسُدُّ ويُشْبِعُ
ومركوبي الآن الأتانُ ونَجْلُها … لأخلاق أهل العلم والدِّين أَتْبَعُ
وقد يَسَّرَ الله الكريمُ بفَضْلِهِ … عنى النَّفْسِ مَعْ شيء به أتقَنَّعُ
أوفره للأَهْلِ خوفًا يَرَاهُمُ … عدو بعيشٍ ضَيِّقٍ فَيُشَنِّعُ
وأصْبِرُ في نَفْسي على ما ينوبني … وأطلبُ عَفْوَ الله فالعَفْو أَوْسَعُ
وما دمت أرضى باليسير فإنَّني … غني أرى هَوْلًا لغيري أَخْضَعُ
وربي قد أتاني الصَّبْرَ والغنى … عن النَّاسِ في هذا لي العِزُّ أجمعُ
_________________
(١) انظر ص ١٨١ من هذا الكتاب.
(٢) انظر ص ٢٦٧ - ٢٦٨، ٢٧٢ - ٢٧٣ من هذا الكتاب.
(٣) انظر ص ١٩٦، ١٩٩ - ٢٠٠، ٢٦٩ من هذا الكتاب.
(٤) «المذيل»: ٢/ ١٩١.
[ ٣٠٩ ]
وقد مَرَّ من عُمري ثلاث أعدها … وستون في رَوْضٍ من اللُّطْفِ أَرْتَعُ
ووجهي من ذُلِّ التبذلِ مُقْتِر … مُقِل ومن عِزّ القناعة مُوسِعُ
ومن حُسنِ ظني أن ذا يستمر لي … إلى الموتِ إِنَّ اللهَ يُعْطِي وَيَمْنَعُ
وإني لا ألجا إلى غير بابه … فأبقى كما قد قيل والقولُ يُسْمَعُ
نرفّع دنانا بتمزيق ديننا … فلا ديننا يبقى ولا ما نرقّعُ
فطوبى لعبد آثرَ اللهَ رَبَّه … وجاد بدُنْياه لِمَا يتوقَّعُ (^١)
* * *
وتشغر مشيخة دار الحديث الأشرفية بوفاة شيخها القاضي الخطيب عماد الدين عبد الكريم بن القاضي جمال الدين عبد الصمد بن محمد، المعروف بابن الحرستاني، وذلك بعد صلاة الصبح من يوم الأحد (٢٩) جمادى الأولى سنة (٦٦٢ هـ/ ١٢٦٤ م)، وكان قد ولي مشيختها عقب وفاة شيخها تقي الدين أبي عمرو عثمان بن الصلاح سنة (٦٤٣ هـ/ ١٢٤٥ م) واستمر بها إلى الآن. وصلى عليه بجامع دمشق قاضي القضاة ابن خلكان، وصلى عليه أبو شامة إمامًا بظاهر البلد تحت القلعة خارج باب الفرج، وكان يومًا مشهودًا، حضر جنازته خلق كثير (^٢).
ويراها القاضي ابن خلكان فرصة لاسترضاء أبي شامة، وإخراجه من عزلته من جديد، فيعرض عليه توليته مشيخة دار الحديث الأشرفية، وهو منصب يتعين له لموافقة أبي شامة لشرط واقفها في شيخها أن تجتمع فيه الرواية والدراية (^٣).
ولعل أبا شامة قبل توليه مشيختها لما تتيحه له من نشر علمه، مستغنيًا في الوقت نفسه عن أوقافها، وهو الذي أخذ على نفسه ألا يقرب مال الوقف أبدًا (^٤).
_________________
(١) «المذيل»: ٢/ ١٩٠ - ١٩١.
(٢) «المذيل»: ٢/ ١٩٥
(٣) «منادمة الأطلال»: ص ٢٥ - ٢٩.
(٤) انظر ص ٣٠٥ - ٣٠٦ من هذا الكتاب.
[ ٣١٠ ]
ويعقد أبو شامة درسه الأول فيها، ويحضره قاضي القضاة ابن خلكان وأعيان البلد من المدرسين والمحدثين وغيرهم، ويفتتحه أبو شامة بخطبة كتابه «شرح الحديث المقتفى في مبعث النبي المصطفى» الذي شرح فيه حديث بعثته ﷺ. فيتكلم على سنده ومتنه، ويأتي بزيادات عما في كتابه، فيشد إليه الحاضرين بغزارة علمه، وحسن إيراده، فكان درسًا جليلًا، ساده سكون وإخبات وجلالة، وإنصات من الحاضرين، ووقار من المستمعين كما وصفه أبو شامة من بعد (^١).
وتهتز أريحة بعض الحاضرين من الأدباء، فيقوم عقب فراغ أبي شامة من إلقاء درسه، فيمدحه بأبيات، يقول فيها:
العِلْم والمعلوم قد أدركته … وسماعَكَ البَحْرَ المحيط فَحَدِّثِ
وبُعِثْتَ في دار الحديث بمُعْجز … وأبان عنه لك افتتاح المَبْعَث
مَكَثَتْ له الألباب طائعة النُدا … والحس من طَرَب به لم يَمْكُثِ
وتنتشي نفس أبي شامة بالامتنان لما يسمع، فيسجل هذه الأبيات في «مذيله» (^٢). لقد شعر حقًا أنه نال أخيرًا بعض الوفاء الذي يستحقه، وها هو ذا يكرم بعد طول جحود، ولكن هل سيسكته المنصب الجديد عما يراه من ظلم وفساد؟
* * *
_________________
(١) «المذيل»: ٢/ ١٩٥ - ١٩٦.
(٢) «المذيل»: ٢/ ١٩٦.
[ ٣١١ ]