في «كتاب الروضتين» أرّخ أبو شامة لدولتي نور الدين وصلاح الدين في بلاد الشام ومصر، راسمًا ملامح نهوض الأمة تحت حكمهما، راجيًا ملوك عصره الاقتداء بهما، وهم يواجهون الصليبيين من الغرب، وما يقذفه البحر من جيوشهم وحملاتهم.
وكان ثمة خطر قادم من الشرق، كان هؤلاء الملوك سادرين عنه، برغم ما يتناهى إلى سمعهم مما يفعله التتار من تدمير وقتل وخراب في مدنه، وقد قضوا على الدولة الخوارزمية التي كانت سدًا يحول بينهم وبين التتار.
وبعقل المؤرخ الذي يحاول أن يستكشف راح أبو شامة يتساءل: كيف استطاع هؤلاء التتار، وهم قوم من الهمج الهامج، أن يخترقوا تحصينات المدن الإسلامية في ذلك الشرق البعيد، وأن يهزموا الدولة الخوارزمية، تلك الدولة القوية، حتى بات خطرهم يتهدد العراق وبلاد الشام؟ وكأنه يريد بذلك أن يرصد تاريخ الأمة في انكسارها بعد أن رصده في نهوضها.
لقد أنفق أبو شامة سنوات طويلة من عمره، وهو يجمع أخبار نور الدين وصلاح الدين، ويؤلف بينها بذكاء واقتدار حتى استقام له هذا الكتاب المحكم: «الروضتين»، فهل سينفق من عمره مثل تلك السنين حتى يعرف حقًا ما جرى في ذلك الشرق البعيد؟ ..
[ ١٧٧ ]
وفي أثناء بحثه الدائب يقع على كتاب فيه أخبار هذه الدولة الخوارزمية، ألفه كاتب مطلع على أحوالها، مداخل لآخر سلاطينها؛ جلال الدين منكبرتي، إذ كان كاتبًا في ديوان إنشائه، هو شهاب الدين محمد بن أحمد بن علي النسوي، وسماه «سيرة السُّلطان جلال الدين منكبرتي» (^١)، فيرى أبو شامة أن اختصار هذا الكتاب أجدى وأعم نفعًا من تأليف كتاب في أخبارها، وبخاصة أن مؤلفه النسوي قد عاصر أواخر الدولة الخوارزمية، واطلع على دخائل أحوالها.
ويعكف أبو شامة على اختصار هذا الكتاب بعد فراغه من «كتاب الروضتين»، وكأنه يوازن من خلاله بين حكم نور الدين وصلاح الدين، وكيف نهضت الأمة في بلاد الشام ومصر من كبوتها بعدلهما وحسن سياستهما، وبين حكم علاء الدين محمد بن تكش وابنه جلال الدين، وكيف أوقعا الأمة في الشرق تحت ذل الهزيمة بظلمهما وسوء تدبيرهما، فهل كان أبو شامة يعاود مخاطبة ملوك عصره، وهو يرسم لهم صورة للأمة في حال صلاحها بالعدل، وصورة للأمة في حال فسادها بالظلم والقهر؟
ويسمّي مختصره «نزهة المقلتين في سيرة الدولتين العلائية والجلالية» (^٢)، ويفتتحه بمقدمة يقول فيها: «أما بعد، فإني جمعت في كتابين مطول ومختصر ما كان في زمن آبائنا من مناقب سلطانين جليلين، متتابعين ببلادنا الشامية، جمعت فيهما من أخبارهما ومآثرهما ما غبر في وجوه من قبلهما من الملوك، فكيف من بعدهما؟ فسقى الله عهدهما، وسميت الكتاب المطول بالروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية، والآخر مختصره.
_________________
(١) طبع كتابه طبعتين، أولاهما في القاهرة سنة (١٩٥٣ م) بتحقيق حافظ أحمد حمدي، والثانية في موسكو سنة (١٩٩٦ م) بتحقيق ضياء الدين موسى بونياروف، وهي الأصح والأحسن، وانظر حاشيتنا رقم (٣) ص ٤٦١ - ٤٦٢ من هذا الكتاب.
(٢) انظر ص ٤٥٩ - ٤٦٦ من هذا الكتاب.
[ ١٧٨ ]
ثم إني أردت الوقوف على أخبار ملكي بلاد العجم في زماننا، اللذين قهرا العباد، ثم خربت في ولايتهما البلاد، واستولى على تلك الديار، الكفرة التتار، لعنهم الله، وسفك أولئك الملاعين، دم الكبير والصغير من المسلمين، وجرى في تلك المدة من العجائب والغرائب ما لم يتقدم مثله، وما أظنه يأتي إن شاء الله تعالى، فإنها من أفظع المصائب. فوجدت قد جمع أخبار تينك الدولتين الكاتب الفاضل شهاب الدين محمد بن أحمد بن علي بن محمد النسوي، المعروف بالمنشئ، الذي كان في صحبتهم وخدمتهم، مطلعًا على أحوالهم، متصرفًا في أعمالهم، جَمَعَ ما جرى من ذلك مجلدة واحدة، فاختصرت المقاصد منها، على عادتي في مثل ذلك، والغرض الأهم كما ذكر - من إثبات الآثار، وإخلاد الأخبار، إفادة التجربة والاعتبار.
أما السلطانان فهما علاء الدين محمد بن تكش بن إيل رسلان بن أتسز بن قطب الدين محمد بن نوشتكين، وولده جلال الدين منكبرتي، المعروف بخوارزم شاه … " (^١).
وتابع أبو شامة سرد أخبارهما بحس المؤرخ الذي يستشف الخطر القادم من ذلك الشرق البعيد.
* * *
وممن كان يتحسس كذلك من خطر التتار، قائد جيش الناصر يوسف الأمير شمس الدين لؤلؤ، ولكي يأمن شرّهم أشار على الناصر يوسف بأن يواليهم بالهدايا والتحف، فأرسل الناصر يوسف في سنة (٦٤٨ هـ/ ١٢٥٠ م) إلى منكوقا آن خان التتار الأمير زين الدين الحافظي (^٢) - وهو طبيب ذو منزلة رفيعة، إذ كان إلى براعته في
_________________
(١) «نزهة المقلتين»: الورقة ٢.
(٢) «أخبار الأيوبيين»: ص ١٦٣.
[ ١٧٩ ]
الطب على معرفة بأساليب الحرب والجندية (^١) - محملًا بهدايا كثيرة، وتحف جليلة (^٢).
وقد رجع الأمير زين الدين الحافظي في سنة (٦٤٩ هـ/ ١٢٥١ م)، ومعه للناصر من خان التتار طمغ، وهو كتاب أمان، فصار الناصر يوسف يحمله في حياصته، وقد اطمأن إلى أمانهم (^٣)، وفي كل سنة صار يحمل إلى بايجوا، نائب خان التتار في بلاد العجم الهدايا والتحف السنية (^٤).
وكان الناصر يوسف بعد هزيمته في موقعة الكراع بمصر (^٥) قلقًا من جهة المعز عز الدين أيبك، وقد بلغه في سنة (٦٤٩ هـ/ ١٢٥١ م) أنَّ المعز عازم على قصده، فسير الناصر يوسف عساكره إلى غزة، ليحفظوا بلاده، وكان المعز قد خرج كذلك بعساكر مصر، ونزل على الباردة في أطراف بلاده، يتحين غرة للهجوم على دمشق (^٦).
وكانت الأخبار قد بدأت تتوارد منذ سنة (٦٥٠ هـ/ ١٢٥٢ م) باستعداد التتار لأخذ العراق، وأنَّ منكوقا آن قد كلف أخاه هولاكو بذلك (^٧)، فأرسل الخليفة المستعصم بالله الشيخ نجم الدين البادرائي للسعي بين المعز والناصر في الصلح (^٨)، وكان الناصر قد خرج بعساكره من دمشق، وأقام على الغور (^٩).
_________________
(١) «عيون الأنباء»: ص ٦٦٨ - ٦٦٩.
(٢) «أخبار الأيوبيين»: ص ١٦٣.
(٣) «أخبار الأيوبيين»: ص ١٦٣، «السلوك»: ج ١/ ق ٢/ ٣٧٩.
(٤) «أخبار الأيوبيين»: ص ١٦٣.
(٥) انظر ص ١٦٩ - ١٧٠ من هذا الكتاب.
(٦) «السلوك»: ج ١/ ق ٢/ ٣٨١.
(٧) «السلوك»: ج ١/ ق ٢/ ٣٨٣.
(٨) «السلوك»: ج ١/ ق ٢/ ٣٨٥.
(٩) «أخبار الأيوبيين»: ص ١٦٤.
[ ١٨٠ ]
وبعد مفاوضات طويلة وعسيرة تم عقد الصلح بينهما في سنة (٦٥١ هـ/ ١٢٥٣ م) على أن يُعطى المعزّ من بلاد الناصر يوسف القدس الشريف وبلاده، وغزة وبلادها، وجميع البلاد الساحلية إلى حدود نابلس، وأن يطلق المعز كل من هو في أسره من الملوك والأمراء الذين أسرهم في موقعة الكراع، واستحلفهم الشيخ نجم الدين البادرائي على ذلك، وعاد كل منهما إلى مستقر ملكه (^١).
* * *
وكانت الأوضاع في مصر قد بلغت غاية الاضطراب، فقد قويت شوكة المماليك البحرية، واستفحل أمرهم، واجتمعت كلمتهم على الأمير فارس الدين أقطاي، وهو كبيرهم ومقدمهم (^٢)، واطرحوا المعز، فليس له معهم أمر ولا نهي، ولا حل ولا عقد، ولا يسمع أحد منهم له قولًا، وقد استولى أقطاي على الأمور كلها (^٣)، وكثر فساد أتباعه، فكانوا يأخذون أموال الناس ونساءهم وأولادهم، ولا يقدر أحد منهم على منعهم، وكانوا يدخلون الحمامات، ويأخذون النساء منها غصبًا، وكثر ضررهم (^٤)، واتفقوا فيما بينهم على قتل المعز، فخاف على نفسه منهم، وقر رأيه على التخلص من أقطاي (^٥)، وقد ثقل عليه، فراح يتحين الفرص، حتى كان يوم الأربعاء ثالث شعبان سنة (٦٥٢ هـ/ ١٢٥٤ م) فبعث إليه ليأخذ رأيه في أمر من الأمور، فركب إليه أقطاي على غير أهبة ولا اكتراث، مدلًا بقوته، فعندما دخل من باب القلعة، وصار في قاعة العواميد، أغلق بابها، ومنع مماليكه من الدخول معه، فغدا وحيدًا، حينئذ خرج عليه جماعة بالدهليز قد أعدوا لقتله، وهم قطز وبهادر
_________________
(١) «أخبار الأيوبيين»: ص ١٦٤، و«السلوك»: ج ٢/ ١/ ٣٨٥ - ٣٨٦.
(٢) «أخبار الأيوبيين»: ص ١٦٤.
(٣) «السلوك»: ج ٢/ ١/ ٣٨٨.
(٤) «السلوك»: ج ٢/ ١/ ٣٨٩ - ٣٩٠.
(٥) «أخبار الأيوبيين»: ص ١٦٤.
[ ١٨١ ]
وسنجر، مماليك المعز، فهبروه بالسيوف حتى مات، ووقع الصريخ في القلعة والقاهرة بقتله، فركب في الحال من أصحابه نحو سبع مئة فارس، ووقفوا تحت القلعة، وفي ظنّهم أنه لم يقتل، وإنَّما قبض عليه، وكان من أعيانهم الأمير ركن الدين بيبرس البندقداري، وقلاوون الألفي، فلم يشعروا إلا ورأس أقطاي قد رمي إليهم، فتبلبل رأيهم، وتفرقوا بأجمعهم، وخرجوا في الليل من القاهرة هاربين، فمنهم من قصد الملك المغيث بالكرك، ومنهم من قصد الملك الناصر يوسف بدمشق (^١)، وكان فيهم بيبرس البندقداري وقلاوون الألفي، فخرج الناصر يوسف إلى لقائهم، وخلع عليهم، وأقطع ركن الدين بيبرس نابلس، وراح المماليك يحثون الناصر يوسف على قصد مصر، وهو يدافعهم (^٢).
واستقل المعز بسلطنة مصر، ولم يعد بحاجة إلى سلطنة الأشرف موسى الاسمية، فخلعه منها، فكان موسى آخر مَنْ خُطب له من الأيوبيين بالسلطنة في مصر (^٣)، وكتب إلى الناصر يوسف يحذره غائلة البحرية، ويخوفه عاقبة شرهم (^٤)، غير أن الناصر أصم أذنيه عن سماع كلامه، ووجدها فرصة ليستعيد من المعز بعض البلاد التي أخذها منه، فكتب إليه يطلب البلاد التي أخذها بالساحل، لأنها من إقطاعات البحرية، فأعادها المعز إليه، فأقرَّ الناصر كل إقطاع منها بيد من كان له (^٥).
* * *
ولم يبق للناصر يوسف كي يعيش ناعم البال، وقد نال الأمان من التتار، وتم
_________________
(١) «السلوك»: ج ١/ ق ٢/ ٣٩٠ - ٣٩١.
(٢) «الروض الزاهر»: ص ٥٦، «السلوك»: ج ١/ ق ٢/ ٣٩٢ - ٣٩٣، أخبار الأيوبيين»: ص ١٦٤.
(٣) «شفاء القلوب»: ص ٤٥٠.
(٤) أخبار الأيوبيين: ص ١٦٤، «السلوك»: ج ١/ ق ٢/ ٣٩٣.
(٥) المصدران السالفان.
[ ١٨٢ ]
صلحه مع المعز، إلا أن يعقد الصلح مع الصليبيين في عكا، وقد تم له ذلك سنة (٦٥٢ هـ/ ١٢٥٤ م)، فأبرم معهم هدنة مدتها عشر سنين وستة أشهر وأربعون يومًا، أولها مستهل محرم سنة (^١) (٦٥٣ هـ/ ١٢٥٥ م).
وقد توج إنجازاته بزفافه من ابنة السلطان علاء الدين كيقباذ ملك سلاجقة الروم، وكان عقد عليها، فقَدِمَتْ إليه في سنة (٦٥٢ هـ/ ١٢٥٤ م)، فاحتفل بقدومها، وبالغ في عمل الوليمة لها (^٢).
ولم يزعجه في أفراحه ما بلغه في أواخر سنة (٦٥٣ هـ/ ١٢٥٦ م) من عبور هولاكو بجيشه نهر جيحون في طريقه نحو العراق، وفي استيلائه على قلاع الإسماعيلية (^٣)، إذ كان في تلك الأثناء قد أنهى إنشاء مدرسته الناصرية الكبرى، وافتتحها في سابع محرم سنة (٦٥٤ هـ/ ١٢٥٦ م)، وولى تدريسها قاضيه الأثير صدر الدين ابن سني الدولة، وحضر درسه الأول فيها مع أمرائه وأعيان الشام، وجمهور أهل الحل والعقد في دمشق (^٤).
كان هولاكو قد أتم استيلاءه على قلعة الموت في ذي القعدة سنة (٦٥٤ هـ/ ١٢٥٦ م)، وشرع في مهاجمة الأكراد والتركمان والشهرزورية، ووصلت غاراته إلى ديار بكر وميافارقين ورأس عين وسروج، فقتلوا ونهبوا وسبوا، واستولوا على بلاد الأكراد وقلاعهم وأخربوها، فانهزم أكثرهم إلى الشام لاجئين (^٥) بأولادهم ونسائهم، وكانت عدتهم نحو ثلاثة آلاف، فأشار الأمراء القيمرية على الناصر يوسف باستخدامهم ليكثر جمعه، وليكونوا قوة تقف ضد المماليك البحرية،
_________________
(١) «السلوك»: ج ١/ ق ٢/ ٣٩٣، «أخبار الأيوبيين»: ص ١٦٥.
(٢) «السلوك»: ج ١/ ق ٢/ ٣٩٤.
(٣) «أخبار الأيوبيين»: ص ١٦٥.
(٤) «الدارس»: ١/ ٤٦٠، «عقد الجمان» للعيني (حوادث ٦٤٨ - ٦٦٤): ص ٢٧٤.
(٥) «أخبار الأيوبيين»: ص ١٦٥.
[ ١٨٣ ]
فاستخدمهم، وخلع عليهم وأحسن إليهم، وأعطاهم الأموال والإقطاعات (^١).
وبقي الناصر يوسف غارقًا في اطمئنانه برغم ما يجري، مستنيمًا للأمان الذي ناله من منكوقاآن ملك التتار، وقد أفرط في اعتداده بهذا الأمان حتى إنه تجاهل هولاكو نفسه، فلم يبعث إليه بالهدايا كما كان يفعل مع بايجوا من قبل (^٢).
* * *
_________________
(١) «أخبار الأيوبيين»: ص ١٦٨.
(٢) «أخبار الأيوبيين»: ص ١٦٣، «السلوك»: ج ١/ ق ٢/ ٣٧٩.
[ ١٨٤ ]