في غمرة انصراف أبي شامة لطلب العلم طرق دمشق خطر أفزعها (^١)، ها هو ذا العادل بن أيوب الذي خرج من مصر ليحمي أطراف البلاد من الصليبيين الذين تجمعوا في عكا لمهاجمتها (^٢)، يتخلى لهم عن بيسان، ويصل هاربًا إلى مرج الصفر، بل يكاد يدخل دمشق.
ويجفل أهل القرى من عَقْربا وحَرَسْتَا وغيرها، وتغرق أرض داريا بالماء، وترتفع الأسعار، ويعزم الناس على النزوح من دمشق، ويرون ألا قوة إسلامية تحول بينهم وبين عدوهم، فيفزعون إلى جامعهم، وقد علا في أوقات الصلوات ضجيج بكائهم ودعائهم (^٣).
وتنزاح الغُمَّة عن دمشق، وتتلقاها دمياط بعد نحو ستة أشهر، فيحاصرها الصليبيون (^٤)، ويضيقون الخناق عليها، ويتمكنون بعد حصارها نحوًا من شهرين
_________________
(١) كان ذلك في شعبان سنة (٦١٤ هـ/ ١٢١٧ م)، انظر «الكامل»: ١٢/ ٣٢١.
(٢) عرفت هذه الحملة بالحملة الهنغارية، وهي طلائع الحملة الصليبية الخامسة التي استولت على دمياط، انظر «تاريخ الحروب الصليبية» لرنسيمان: ٣/ ٢٦٣ وما بعدها.
(٣) «المذيل»: ١/ ٢٨٣.
(٤) نزل الصليبيون على دمياط يوم الثلاثاء (١٢) ربيع الأول سنة (٦١٥ هـ/ ١٢١٨ م)، انظر «وفيات الأعيان»: ٦/ ٢٥٨.
[ ٣١ ]
ونصف من أخذ برج السلسلة (^١)، وفي ذلك إيذان بسقوطها، ويصل ذلك النبأ إلى العادل، فيدق بيده على صدره حزنًا، ويموت كمدًا (^٢)، وتتألم دمشق لما حل بدمياط.
ويجلس الشيخ علم الدين السخاوي في حلقته بالجامع، والألم يعتصر قلبه، فهو يعرف هذا البرج وأهميته لدمياط، ويجلس إليه الشيخ عز الدين بن عبد السلام، والفتى أبو شامة، وبصوت حزين يَصِفُ لهما السخاوي ذلك البرج، وهو يضرب متحسّرًا يدًا على يد قائلًا: هو برج عالٍ مبني في وسط النيل، دمياط عن شرقه، والجيزة عن غربه، وفي ناحيته سلسلتان تمتد إحداها على النيل إلى دمياط، والأخرى على النيل إلى الجيزة، فتمنع كل سلسلة عبور المراكب من ناحيتها … فهو قفل الديار المصرية (^٣).
وقد خلع القفل، وانكشفت دمياط، واستمات المسلمون في الدفاع عنها، وخوفًا من أن يستغل الصليبيون هذا الحصار لمهاجمة القدس، قرر المعظم عيسى بن العادل هدم سور القدس وأبراجها لعجزه عن الدفاع عنها، وكانت القدس يومئذ على أتم حالٍ من العمارة وكثرة السكان، وقد شرع في هدم السور في الفاتح من محرم سنة (٦١٦ هـ/ ١٢١٩ م)، ووقع في البلد ضجة كأن القيامة قد قامت، وخرج النساء المخدرات والبنات والشيوخ والعجائز والشبان والصبيان إلى الصخرة والأقصى خائفين غاضبين، فقطعوا شعورهم، ومزقوا ثيابهم، وولوا هاربين، تاركين أموالهم وأثقالهم، معتقدين أن الصليبيين من ورائهم، سيصبحونهم غدًا، وامتلأت الطرقات بهم، بعضهم في طريقه إلى مصر، وبعضهم إلى الكرك،
_________________
(١) استولى الصليبيون على برج السلسلة في آخر جمادى الأولى سنة (٦١٥ هـ/ ١٢١٨ م) انظر «المذيل»: ١/ ٢٩٨.
(٢) «المذيل»: ١/ ٢٩٩، ٣٠٥.
(٣) «المذيل»: ١/ ٢٩٩.
[ ٣٢ ]
وبعضهم إلى دمشق، وفي الطريق كانت البنات المخدرات يمزقن ثيابهن، ويربطنها على أرجلهن من الحفا، وقد مات خلق كثير من الجوع والعطش (^١).
وفي جملة مَنْ كان في طريق دمشق منهم الشيخ تقي الدين عثمان بن عبد الرحمن ابن الصلاح، وكان يدرّس بالمدرسة الصلاحية ببيت المقدس (^٢)، والشيخ تقي الدين خزعل بن عسكر، وكان متصدّرًا لإقراء القرآن العظيم في القدس كذلك (^٣). وحين وصلا إلى دمشق، نزل ابن الصلاح فيها بالمدرسة الرواحية (^٤)، ونزل تقي الدين خزعل في المدرسة العزيزية (^٥).
_________________
(١) «المذيل»: ١/ ٣١٣.
(٢) «طبقات علماء الحديث»: ٤/ ٢١٥.
(٣) «الوافي بالوفيات»: ١٣/ ٣١٠.
(٤) «طبقات علماء الحديث»: ٤/ ٢١٥، وفيات الأعيان: ٣/ ٢٤٤.
(٥) «المذيل»: ١/ ٣٨٩.
[ ٣٣ ]