انقضت نحو أربع سنين ونصف منذ سقوط بغداد، والناس بغير خليفة، إلى أن قدم مصر ناجيًا من سيوف التتار أبو القاسم أحمد بن الظاهر محمد بن الناصر لدين الله، أخو الخليفة المستنصر، فعقد له مجلس عند قاضي القضاة في (١٣) رجب سنة (٦٥٩ هـ/ ١٢٦١ م) بحضور الظاهر بيبرس، وقد جمع له الناس من العلماء والتجار، فلما أثبت نسبه عند قاضي القضاة بادر الظاهر بيبرس إلى مبايعته بالخلافة، وتبعه الناس، وقد غمرهم سرور عظيم، وشكروا الله تعالى عود الخلافة العباسية بعد أن قطعها التتار بقتل الخليفة المستعصم (^١).
وورد كتاب إلى دمشق بذلك في (١٩) رجب إلى قاضي قضاتها نجم الدين بن صدر الدين ابن سني الدولة، وقرئ بالمدرسة العادلية (^٢).
وقد سعى الظاهر بيبرس إلى تثبيت الخلافة تقربًا من العامة، وليضفي الشرعية على حكمه في أوائل عهده أسوة بمن سبقه من الملوك والسلاطين، وقد كانوا يتلقون تقليد ولاياتهم من الخليفة.
فلما تم له ذلك، وتلقى تقليد ولايته منه عزم على إعادة الخليفة الجديد إلى
_________________
(١) «المذيل»: ٢/ ١٦٢.
(٢) المصدر السالف.
[ ٢٨٣ ]
بغداد، موطن آبائه وأجداده، ربما تخلصًا من قربه منه في القاهرة، وهو الذي لا يحتمل سلطة فوق سلطته، وربما إيمانًا منه بوجوب استعادة بغداد، حاضرة الخلافة العباسية، فراح يهيئ جيشًا كبيرًا يكون مع الخليفة عونًا له في استعادتها، حتى إذا تم له ذلك خرج من القاهرة بعساكره، وبصحبته الخليفة، في يوم السبت (٦) شوال سنة (^١) (٦٥٩ هـ/ ١٢٦١ م) وكان في موكبه نائب القاضي في القاهرة شمس الدين أحمد بن محمد بن إبراهيم بن أبي بكر بن خلكان (^٢)، حتى إذا كان يوم الاثنين (٦) ذي القعدة سنة (٦٥٩ هـ/ ١٢٦١ م) وصل الظاهر بيبرس إلى الكسوة ظاهر دمشق، بعد نحو شهر من مسيره من القاهرة، فخرجت عساكر دمشق وأهلها إلى استقبال سلطانهم الجديد، وخليفتهم الجديد، وكان يومًا مشهودًا، ملأ الفرح فيه قلوبهم (^٣).
وعلى وقع هذا الاستقبال الحافل دخل الظاهر دمشق، ونزل بقلعتها، ونزل الخليفة بالتربة السلطانية الناصرية بجبل قاسيون (^٤).
فلما كان يوم الجمعة (١٠) ذي القعدة توجه الخليفة إلى جامع دمشق، فدخله من باب البريد، وجاء بعده الظاهر بيبرس داخلًا من باب الزيادة، حيث جلسا في مقصورة الخطيب مستمعين لخطبة الجمعة، ومقيمين لصلاتها، فلما خرجا بعد الصلاة من الجامع تجمع الناس حولهما يدعون لهما بالنصر والإعانة على قمع الكفرة وأعداء الدين (^٥).
_________________
(١) «السلوك»: ج ١/ ق ٢/ ٤٦٠.
(٢) «ذيل مرآة الزمان»: ٢/ ١٢٤، «وفيات الأعيان»: ٧/ ٤٠، مقدمة د. إحسان عباس.
(٣) «المذيل»: ٢/ ١٦٤، و«السلوك»: ج ١/ ق ٢/ ٤٦٠.
(٤) «المذيل»: ٢/ ١٦٤.
(٥) المصدر السالف.
[ ٢٨٤ ]
كان الظاهر بيبرس قد عقد عزمه على أن يرسل مع الخليفة نحو عشرة آلاف فارس، وأن يكون أولاد صاحب الموصل في خدمته، وبينما كان يجيل خاطره في ذلك خلا به يومًا واحد من المقربين منه، وأشار عليه ألا ينفذ ما عزم عليه، إذ إن الخليفة إذا ما استقر في بغداد سينازع الظاهر في سلطانه، وسيخرجه من مصر، ووقعت هذه الكلمات في قلب الظاهر بيبرس موقعًا متمكنًا، وربما أكدت له ما كانت هواجسه تحدثه به، ففتر عما عقد العزم عليه، وقرر أن يرسل مع الخليفة قوة صغيرة في نحو ثلاث مئة فارس (^١)، وكأنه بذلك يحكم على الخليفة بالموت، إذ إنَّه لن يستطيع بهذا العدد القليل من الجند مهما تبلغ جرأته وشجاعته أن يقف في وجه جيش التتار، المنتشر في العراق.
والغريب حقًا أنَّ الخليفة قد قبل بما جاد عليه الظاهر من هذه القوة الصغيرة، وظن حقًا أنه سيعيد بها فتح بغداد، فخرج من دمشق في يوم الخميس (٢٣) ذي القعدة سنة (٦٥٩ هـ/ ١٢٦١ م) نحو العراق على طريق البرية (^٢)، وركب السلطان الظاهر لوداعه الوداع الأخير (^٣).
وفي الطريق انضم إلى الخليفة الأمير علي بن حذيفة من آل فضل بأربع مئة فارس من العرب، وكذلك انضم إليه نحو ستين مملوكًا من مماليك المواصلة، ولحق به الأمير عز الدين بركة من حماة في ثلاثين فارسًا.
وسار الخليفة بقوته هذه حتى وصل إلى مشهد علي، فوجد فيها أميرًا من بني العباس، هو أبو العباس أحمد، من أولاد المسترشد بالله، وقد اجتمع إليه سبع مئة فارس من التركمان، فالتقاه، ورغبه في اجتماع الكلمة على إقامة الدولة
_________________
(١) «السلوك»: ج ١/ ق ٢/ ٤٦٢.
(٢) «المذيل»: ٢/ ١٦٥.
(٣) «السلوك»: ج ١/ ق ٢/ ٤٦٢.
[ ٢٨٥ ]
العباسية، فأجابه الأمير أبو العباس إلى ذلك، فسار معه، حتى وصلوا إلى هيت، فأقاموا بها (^١).
وتسامع التتار بهم، وتنادوا لحربهم، وخرجوا إليهم في (٣) محرم سنة (٦٦٠ هـ/ ١٢٦١ م) فما كانت إلا جولة حتى تبدد جيش الخليفة بين قتيل وأسير وهارب، أما الخليفة فقد ضن التاريخ حتى بذكر مقتله، إذ فقد في المعركة، ولم يعرف له خبر (^٢)، وكان من الهاربين الأمير أبو العباس أحمد (^٣) الذي سينصبه الظاهر بيبرس من بعد خليفة في مصر، ويلقبه بالحاكم بأمر الله (^٤).
_________________
(١) «السلوك»: ج ١/ ق ٢/ ٤٦٢ - ٤٦٣.
(٢) «السلوك»: ج ١/ ق ٢/ ٤٦٧.
(٣) المصدر السالف.
(٤) كان تنصيبه خليفة في (٨) محرم سنة (٦٦١ هـ/ ١٢٦٢ م)، ولم يكن له من الخلافة إلا رسمها، انظر «السلوك»: ج ١/ ق ٢/ ٤٧٧ - ٤٧٩.
[ ٢٨٦ ]