كان رفيع الدين الجيلي فقيهًا في المدرسة العذراوية داخل باب النصر، وكان على ذكاء ودراية بعلم الطب وعلوم الأوائل، وقد تميّز بهما، وله مجلس للمشتغلين عليه فيهما، وكان فصيح اللسان، شغوفًا بالمطالعة (^١). غير أنه بقي في دمشق خاملًا، لم ينبه ذكره، فتركها، وانتقل إلى بعلبك أيام حكم الصالح إسماعيل لها، وهناك انعقدت أواصر الصحبة بينه وبين وزيرها أمين الدولة أبي الحسن بن غزال المسلماني - وكان يهوديًا، وأسلم في صباه (^٢) - وهو على معرفة كذلك بعلم الطب، فولى رفيع الدين قضاء بعلبك (^٣).
فلما استولى الصالح إسماعيل على دمشق، فوَّض أمور مملكته لوزيره أمين الدولة (^٤)، وولى رفيع الدين المدرسة الشامية البرانية، وهي من كبريات المدارس في ذلك الوقت (^٥). وكان أن اتفقت وفاة القاضي شمس الدين الخُوَيي،
_________________
(١) «عيون الأنباء»: ص ٦٤٧ - ٦٤٨.
(٢) «عيون الأنباء»: ص ٧٢٣، «مفرج الكروب»: ٥/ ٢٣٦.
(٣) «سير أعلام النبلاء»: ٢٣/ ١٠٩.
(٤) «عيون الأنباء»: ص ٧٢٣.
(٥) «مفرج الكروب»: ٥/ ٢٣٧.
[ ١١١ ]
فأشار أمين الدولة على الصالح إسماعيل بتولية رفيع الدين قاضيًا للقضاة (^١)، وهكذا ارتفعت منزلة رفيع الدين في دمشق بعد خمول.
وكان أمين الدولة قد وضع خبرته وذكاءه وحنكته السياسية في خدمة سيده الصالح إسماعيل، وكان الصالح إسماعيل لا يرضيه مثل المال، وقد مَدَّ عينيه إلى أموال رعيته لا يحجزه عنها حاجز، وفي سبيل إشباع نهمه اشتد أمين الدولة بمصادرة أملاك أهل دمشق، ووجد في القاضي رفيع الدين خير معوان على هذه المهمة، فاتخذه أداةً في ذلك (^٢).
وأظهر رفيع الدين حرصًا على امتلاك المال لا يقلّ عن حرص صاحبيه، ومن ثم شهدت دمشق في تلك الفترة حملة منظمة لإفقار أهلها، وتوسل رفيع الدين في سبيل ذلك بفنون من المكر والخديعة، فقد اتخذ شهود زور ووكلاء، فكان يستدعي إلى مجلس قضائه الرجل الثري، فيثبت عليه مُدَّعٍ ألف دينار، ويحضر شهود الزور، فيشهدون عليه بذلك، فيُسقط في يد الرجل، ويتحيّر، وهنا يظهر رفيع الدين بمظهر القاضي النصوح الشفوق، فيقول للثري المتحيّر: صالح غريمك. فيجدها الرجل فرصةً للخلاص من السجن، فيصالح على النصف، وهو لا يكاد يصدّق أنه قد نجا حقًا من هذه المحنة (^٣).
حتى مال الأيتام لم يكن بنجوة من جشع هذا القاضي، فقد كتب إلى نوابه القضاة بإحضار ما تحت أيديهم من أموال اليتامى (^٤).
وكان لا يحكم بين الناس إلا بمال يأخذه جهرًا من الخصمين، ولم يكتف
_________________
(١) «عيون الأنباء»: ص ٦٤٧ - ٦٤٨.
(٢) «سير أعلام النبلاء»: ٢٣/ ١٠٩، و«عيون الأنباء»: ص ٧٢٣، و«أخبار الأيوبيين»: ص ١٦٣ - ١٦٤.
(٣) «سير أعلام النبلاء»: ٢٣/ ١٠٩ - ١١٠.
(٤) «سير أعلام النبلاء»: ٢٣/ ١١٠.
[ ١١٢ ]
بذلك، بل أراد أن ينتشر الفسق والفجور في دمشق، فسمح بالاختلاط في جامع دمشق أيام المناسبات بين الرجال والنساء، قائلًا: ما هو أعظم من الحرمين! فغص الجامع بالرجال والنساء، وخاصة في ليلة النصف من شعبان (^١).
وفاض قلب أبي شامة بالغم من هذا الساكن البغيض، فتوقف عن الكتابة في تاريخه، إذ افتقد المكان الآمن الذي كان يدوّن فيه بهدوء وقائع عصره، ودليلنا على ذلك سياق الأحداث، والأسلوب الذي كتب به من بعد حين استدرك في تاريخه أخبار هذه السنين العجاف.
* * *
لبث الصالح أيوب في السجن بضع شهور حتى قرر الناصر داود الإفراج عنه في أواخر رمضان سنة (^٢) (٦٣٧ هـ/ ١٢٤٠ م) طمعًا في أن يساعده الصالح أيوب حين يغدو سلطان مصر على استرداد أملاك أبيه المعظم، وبخاصة دمشق، ومن ثم أمر الناصر داود بقطع الخطبة للعادل، وخطب للصالح أيوب، واتفقا على قصد الديار المصرية، وتسامع أصحاب الصالح أيوب بهذا الخبر، فراحوا يتقاطرون إليه من كل ناحية (^٣).
في تلك الأثناء قبض أمراء مصر على العادل، وأرسلوا يستحثون الصالح أيوب على القدوم إليهم (^٤).
فخرج الصالح أيوب ومعه الناصر داود إلى مصر، فوصل إليها، وقبض على أخيه العادل ليلة الجمعة ثامن ذي القعدة سنة (٦٣٧ هـ/ ١٢٤٠ م) ثم دخل بعساكره القاهرة (^٥).
_________________
(١) «سير أعلام النبلاء»: ٢٣/ ١١٠.
(٢) «المذيل»: ٢/ ٥٠.
(٣) «مفرج الكروب»: ٥/ ٢٥٩.
(٤) «مفرج الكروب»: ٥/ ٢٦٣.
(٥) «مفرج الكروب»: ٥/ ٢٦٥ - ٢٦٦.
[ ١١٣ ]
وأسقط في يد الصالح إسماعيل في دمشق، وخاف أشد الخوف من الصالح أيوب، لما كان أسلفه في حقه من أخذ دمشق منه بعد أن صالحه، وحلف له وتوثق منه، ولما كان من اعتقاله لولده الملك المغيث، وخوفًا من أن يبغته الصالح أيوب والناصر داود في مهاجمته، ألقى بنفسه في أحضان الصليبيين متحالفًا معهم، وقد تمَّ له ذلك في ذي الحجة سنة (^١) (٦٣٧ هـ/ ١٢٤٠ م) واتفق معهم على أن يعضدوه على الصالح أيوب لقاء تسليمه لهم حصن شقيف أرنون، وصفد، وهما حصنان كبيران (^٢).
وارتاع المسلمون لهذا الاتفاق، وأنكر الشيخ عز الدين بن عبد السلام خطيب جامع دمشق هذا التحالف غاية الإنكار، وأطلق لسانه في الصالح إسماعيل، وساعده في ذلك شيخ المالكية أبو عمرو بن الحاجب، فأكثرا من التشنيع عليه فيما فعل (^٣).
وصار الصليبيون إثر هذا الاتفاق يدخلون دمشق، ويبايعون أهلها، وكان أكثر ما يشترون منهم السلاح، وقد اشتهرت دمشق بصناعته، وبخاصة السيوف الدمشقية، فأصدر الشيخ عز الدين فتوى بتحريم بيعهم السلاح، وجدد إنكاره على الصالح إسماعيل، وزيادة في الإنكار عليه ترك الدعاء له في خطبة الجمعة، فصار يدعو إذا فرغ من الخطبتين، قبل نزوله: اللهم أبرم لهذه الأمة أمرًا رَشَدًا، تعزُّ فيه وليك، وتُذِلُّ فيه عدوك، ويُعمل فيه بطاعتك، ويُنهى فيه عن معصيتك.
وكأن في ترك الخطبة للسلطان دعوى لعزله، فخاف الصالح إسماعيل من مغبة ذلك، فعزل الشيخ عز الدين عن خطابة الجامع، والتدريس بالزاوية الغربية فيه، وسجنه مع الشيخ أبي عمرو بن الحاجب في قلعة دمشق (^٤).
_________________
(١) «تاريخ الحروب الصليبية» لرنسيمان: ٣/ ٣٧٨.
(٢) «مفرج الكروب»: ٥/ ٣٠١ - ٣٠٢، و«السلوك» للمقريزي: ج ١/ ق ٢/ ٤٨٦.
(٣) «مفرج الكروب»: ٥/ ٣٠٢ - ٣٠٣، «طبقات الشافعية» للسبكي: ٨/ ٢١٠.
(٤) «طبقات الشافعية» للسبكي: ٨/ ٢٤٣ - ٢٤٤.
[ ١١٤ ]
ويرقب أبو شامة هذه الأحداث، ويتألم منها كما تألم شيخاه، غير أنه أثر ألا يجهر بإنكاره، فعلى بعد خطوات منه في المدرسة العادلية كان يقبع القاضي رفيع الدين الجيلي، يد الصالح إسماعيل التي يبطش بها، فلم يجد إلا أوراقه يبثها ألمه، فكتب في تاريخه في حوادث سنة (٦٣٨ هـ/ ١٢٤٠ م): «وفيها سلم حصن شقيف أرنون إلى الفرنج - خذلهم الله تعالى - سلطان دمشق، وأنكر ذلك عليه شيخا الشافعية والمالكية بدمشق ابن عبد السلام وأبو عمرو، فعزل ابن عبد السلام عن خطابة دمشق بذلك السبب، وسجنا بقلعة دمشق، وتولى الخطابة بجامع دمشق والتدريس بالزاوية الغربية خطيب بيت الأبّار عماد الدين داود بن عمر بن يوسف المقدسي الشافعي» (^١).
ويتوفى والده إسماعيل، فيلجمه الغم عن الكتابة فيه إلا بضع كلمات، يقول فيها: «في ثالث عشر ربيع الأول توفي والدي ﵀، ودفن على أبيه بباب الفراديس» (^٢).
ويتوفى فيها كذلك عَلَمُ التصوّف الشيخ محيي الدين بن عربي، فيقتضب الحديث عنه بكلمات تدلُّ على عدم صلته به، ولا تحمل في طياتها مدحًا ولا ذمًا، ولا إعجابًا ولا نفورًا، فهل آثر أن يتريث في أمره، وبخاصة أنه كان على علاقة مع ابنه سعد الدين محمد (^٣)؟ فقد كتب فيه: «وفي الثاني والعشرين من ربيع الآخر توفي بدمشق المحيي بن العربي، واسمه محمد بن علي بن محمد بن العربي، أبو عبد الله الطائي الحاتمي، قرأته من خطه، ودفن بمقبرة القاضي محيي الدين بجبل قاسيون، حضرت الصلاة عليه بجامع دمشق يوم الجمعة، وشيعته إلى الميدان بسوق الغنم، وكانت له جنازة حسنة، وله تصانيف كثيرة، وكانت عليه سهلة، وله
_________________
(١) «المذيل»: ٢/ ٥٤.
(٢) المصدر السالف.
(٣) «المذيل»: ٢/ ١٢٩.
[ ١١٥ ]
شعر حسن، وكلام طويل على طريق التصوف وغيره، وهو من بلاد الأندلس، طاف في البلاد شرقًا وغربًا، وأقام بمكة مدة» (^١).
فهل كان يكتب هذه الكلمات، وليس بعيدًا عن مسامعه قول صاحبه فيه الشيخ عز الدين بن عبد السلام، سجين قلعة دمشق آنذاك (^٢)؟
وقد بقي الشيخ عز الدين في القلعة حتى آخر سنة (٦٣٨ هـ/ ١٢٤١ م) حيث أخرج منها مع الشيخ أبي عمرو بن الحاجب، فمضى ابن الحاجب إلى الكرك، فأقام فيها عند الناصر داود (^٣)، أما الشيخ عز الدين، فمضى إلى مصر، حيث وصل إليها في أول سنة (^٤) (٦٣٩ هـ/ ١٢٤٠ م) فتلقاه الصالح أيوب بالإكرام والتعظيم والاحترام لمنزلته في العلم، ولما صدر عنه من التشنيع على خصمه اللدود الصالح إسماعيل (^٥).
* * *
_________________
(١) «المذيل»: ٢/ ٥٤ - ٥٥.
(٢) انظر قول الشيخ عز الدين في ابن عربي في «سير أعلام النبلاء»: ٢٣/ ٤٨ - ٤٩.
(٣) «مفرج الكروب»: ٥/ ٣٠٣.
(٤) «طبقات الشافعية» للسبكي: ٨/ ٢١٠، و«المذيل»: ٢/ ٥٧.
(٥) «مفرج الكروب»: ٥/ ٣٠٣.
[ ١١٦ ]