لم يمض على ولاية الجواد يونس دمشق سوى ثلاثة أشهر ونصف حتى توفي قاضي قضاتها شمس الدين يحيى بن هبة الله المعروف بابن سني الدولة في خامس ذي القعدة سنة (٦٣٥ هـ/ ١٢٣٨ م) وولي القضاء بعده بيومين شمس الدين أحمد بن خليل الخُوَيِّي (^١)، وسكن في المدرسة العادلية الكبرى، على عادة القضاة في ذلك الزمن، وكان لطيفًا، متواضعًا، عفيفًا، كثير المداراة، محببًا إلى الناس (^٢)، وكان على تمكنه في الأمور الشرعية فصيح اللسان، بليغ البيان (^٣)، وقد عرف الخُوَيِّي لأبي شامة قدره، وقد جمعت بينهما المدرسة العادلية، فحين عدل جماعة من أهل دمشق، كان أبو شامة واحدًا منهم (^٤)، وفي هذا دلالة على ما عُرف عن أبي شامة من نزاهة وصدق، وقد كان المعدل يحضر مجلس الحكم عند قاضي القضاة (^٥).
_________________
(١) «المذيل»: ٢/ ٤٤ - ٤٥.
(٢) «المذيل»: ٢/ ٥٢.
(٣) «عيون الأنباء»: ٦٤٦ - ٦٤٧.
(٤) «المذيل»: ٢/ ٤٥.
(٥) «المذيل»: ١/ ٣٨٨.
[ ١٠٣ ]
ولم تكن دمشق في تلك الأيام قد استتب أمرها لواليها الجديد، الذي أظهر ميله إلى الاستقلال عن مصر، مما أغضب العادل الثاني بن الكامل، فاستدعى أولاد شيخ الشيوخ الأربعة: فخر الدين، وعماد الدين، ومعين الدين، وكمال الدين، وقال لهم معاتبًا: أنتم ضيعتم علي ملك دمشق، فإن أبي الكامل فتحها، وهو مالكها، فسلمتم دمشق وخزائن أبي إلى الجواد، فتغلب على دمشق، وضيَّع الخزائن، وما أعرف عود دمشق إليَّ، وانتزاعها من يد الجواد إلا منكم.
وعرف عماد الدين أن العادل يعنيه، لأنه هو الذي مال إلى الجواد وعينه، فضمن للعادل رجوع دمشق إليه.
وعاد عماد الدين من القاهرة إلى دمشق، ولما وصل التقاه الجواد، وأنزله في القلعة تكريمًا له، واطمئنانًا إليه، فطالبه عماد الدين بتسليم دمشق إلى العادل، مهددًا إياه بمجيء العساكر المصرية إليه واعتقاله إن أبي، أما إن قَبلَ فسيعطيه العادل إقطاعًا جيدًا بالديار المصرية، ويحسن إليه.
فراوغ الجواد في الجواب، وراح يدبر مساومة تكون أرجح في ميزان الربح، فهو يعلم حقًا أن لا طاقة له بقتال العادل، ولذلك إن سلم له دمشق فلن يعطيه إلا إقطاعًا صغيرًا بالديار المصرية لن يرضي طموحه بعد أن ذاق لذة الملك، ويعلم أن الصالح نجم الدين أيوب بن الكامل غير راض عما آل إليه من ملك أبيه، وأنه يمد عينيه إلى القاهرة، فماذا لو عرض عليه دمشق نكاية بالعادل، على أن يعوّضه عنها سنجار والرقة وعانة؟ وحين استوى له هذا الرأي سارع بإرسال خطيب جامع دمشق كمال الدين بن طلحة (^١) إلى الصالح أيوب يعرض عليه دمشق، فما كان من الصالح أيوب إلا أن أجابه على الفور، فقد أتاه الفرج من حيث لا يحتسب، وحلف لابن عمه الجواد على العوض المذكور (^٢).
_________________
(١) تولى خطابة جامع دمشق بعد وفاة خطيبه جمال الدين الدولعي، وخطب يوم الجمعة (٢١) شعبان سنة (٦٣٥ هـ/ ١٢٣٨ م)، انظر «المذيل»: ٢/ ٤٢، ٤٥.
(٢) «مفرج الكروب»: ٥/ ١٩٨ - ٢٠٠.
[ ١٠٤ ]
وما إن تم الاتفاق بينهما حتى سار الصالح أيوب نحو دمشق، والفرح يستخفه، ولما علم الجواد بقربه خاف من عماد الدين أن يفسد عليه أمره، فدس إليه من قتله (^١).
ووصل الصالح أيوب إلى دمشق في مستهل جمادى الآخرة سنة (٦٣٦ هـ/ ١٢٣٩ م)، وزيّن البلد لقدومه، وخرج الجواد لاستقباله، ودخل الصالح أيوب قلعة دمشق إيذانًا بتملكها، وانتقل الجواد منها إلى دار السعادة عند باب النصر (^٢).
وقدم إليه عمه الصالح إسماعيل من بعلبك مهنئًا ومبايعًا، فاطمأن إليه الصالح أيوب، وتحالفا وتعاهدا أن يسيرا معًا إلى مصر لإزاحة العادل عنها، ثم رجع الصالح إسماعيل إلى بعلبك ليهيئ أسباب ذلك (^٣).
وانزعج العادل في مصر، وأمه وخواصه من قدوم الصالح إلى دمشق، وعلموا أنه لا بد قاصدهم لما يتحققونه من ميل عسكر مصر إليه، لأنه أكبر من العادل، وأحسن سيرة منه، وأعظم هيبة، وأجدر بالقيام بأعباء الملك، وخافوا منه خوفًا شديدًا (^٤).
وبدأت ترد إلى الصالح أيوب كتب بعض أمراء المصريين، يحثونه فيها على القدوم إلى الديار المصرية، ويعلمونه أنه متى دخل سيناء انضمت العساكر كلها إليه (^٥).
فخرج الصالح أيوب من دمشق في (٢) رمضان سنة (٦٣٦ هـ/ ١٢٣٩ م) مطمئنًا إلى تحالفه مع عمه الصالح إسماعيل، فلم يخلف في دمشق حامية تدافع عنها في غيابه، وأقام في نابلس ينتظر وصول عمه حسب الاتفاق (^٦).
_________________
(١) «مفرج الكروب»: ٥/ ٢٠٠ - ٢٠١.
(٢) «المذيل»: ٢/ ٤٧، و«مفرج الكروب»: ٥/ ٢٠٣ - ٢٠٤.
(٣) «مرآة الزمان» (حوادث سنة ٦٣٦ هـ)، «مفرج الكروب»: ٥/ ٢٠٦.
(٤) «مفرج الكروب»: ٥/ ٢٠٦ - ٢٠٧.
(٥) المصدر السالف.
(٦) «مرآة الزمان» (حوادث سنة ٦٣٦ هـ).
[ ١٠٥ ]
بيد أنَّ الصَّالح إسماعيل كان في بعلبك يحيك الدسائس بغية الاستيلاء على دمشق أثناء غياب الصَّالح أيوب عنها، فعقد تحالفًا مع صاحب حمص الملك المجاهد، وأرسل ابنه إلى معسكر الصَّالح أيوب تمويهًا وإظهارًا للولاء (^١).
أما في دمشق، فكان متولي ديوانها نجم الدين بن سلام (^٢) يفرق الأموال في داره، ويكسب ولاء أمرائها، تمهيدًا للصَّالح إسماعيل في تملكها، ولم يكن أحد يجرؤ على إخبار الصَّالح أيوب بما يجري هيبة منه (^٣).
فلما تمهد للصَّالح إسماعيل أمر دمشق، رحل عن بعلبك بعساكره، وقصدها من عقبة دمر، وكذلك رحل عن حمص المجاهد في عسكره، وقصدها من جهة ثنية العقاب، وذلك في شهر صفر سنة (٦٣٧ هـ/ ١٢٣٩ م) فاجتمعا على دمشق، ولم يشعر الناس بهما إلا وهما على أبوابها بكرة النهار، في جمع عظيم من الخيالة والرَّجالة، وليس في دمشق من يمنع عنها، فتسلق جماعة من أصحاب الصَّالح إسماعيل من خان ابن المقدم الذي يلي باب الفراديس، ونزلوا منه، وكسروا قفل باب الفراديس، وساعدهم على ذلك جماعة ممن استمالهم نجم الدين بن سلام، فدخل الصَّالح إسماعيل والملك المجاهد دمشق يوم الثلاثاء (٢٧) صفر سنة (٦٣٧ هـ/ ١٢٣٩ م)، وطيب الصَّالح إسماعيل قلوب أهل دمشق، قائلًا لهم: ادعوا للسلطان العادل، فأنا نائبه وغلامه (^٤).
ومضى إلى داره بدرب الشعارين، فنزلها، وكان نجم الدين بن سلام أول
_________________
(١) «مرآة الزمان» (حوادث سنة ٦٣٦ هـ)، «مفرج الكروب»: ٥/ ٢١٦.
(٢) هو الحسن بن سالم بن علي بن سلام، نجم الدين، كان تولى ديوان دمشق سنة (٦١٢ هـ)، ودام عليه، وقد توفي سنة (٦٤٣ هـ)، انظر «المذيل»: ٢/ ٧٥ - ٧٦.
(٣) «مرآة الزمان» (حوادث سنة ٦٣٦ هـ).
(٤) «المذيل»: ٢/ ٥٠، «مفرج الكروب»: ٥/ ٢٢٨ - ٢٣٠.
[ ١٠٦ ]
الداخلين عليه، فرقص بين يديه، وهنأه، وقال له: إلى بيتك جئت (^١). ونزل الملك المجاهد في داره قرب جامع دمشق (^٢).
وفي الغد زحف الصالح إسماعيل والملك المجاهد إلى القلعة، حيث امتنع فيها الملك المغيث بن الصالح أيوب مع جماعة قليلة، فخربت بذلك دار الحديث الأشرفية، وغيرها من الدور والحوانيت تحت القلعة، واضطر الملك المغيث إلى تسليمها للصالح إسماعيل بالأمان، فاعتقل في برج من أبراجها (^٣).
وكان الصالح أيوب لما بلغه عزم الصالح إسماعيل والملك المجاهد على قصد دمشق، وانتزاعها منه، أرسل إليها أستاذ داره الأمير حسام الدين بن أبي علي لحفظها، فوصل إليها وقد دخلاها، فرجع إلى الصالح أيوب، وشاع بين جنده خبر سقوطها، ففسدت نياتهم، وعلموا أن لا مقام لهم معه وقد صارت البلاد لغيره، وبخاصة أن أولادهم وأهاليهم في دمشق، ففارقه بعض أمرائه إليها، ولم يبق معه من مماليكه السبعين غير خمسة أو ستة منهم، وألفى الصالح أيوب نفسه في العراء، بلا ملجأ ولا وزر يحميه، وقد تلاشى أمره، فخف إليه ابن عمه الناصر داود، فقبض عليه، وسجنه بقلعة الكرك (^٤).
وتقربًا إلى الرعية ولى الصالح إسماعيل الشيخ عز الدين بن عبد السلام خطابة جامع دمشق في العشر الآخر من ربيع الآخر سنة (^٥) (٦٣٧ هـ/ ١٢٣٩ م) بعد أن عزل خطيبه كمال الدين بن طلحة (^٦)، ولربما طمع في أن يلجم لسانه بثقل هذا المنصب
_________________
(١) «مرآة الزمان» (حوادث سنة ٦٣٧ هـ).
(٢) «مفرج الكروب»: ٥/ ٢٢٩.
(٣) «المذيل»: ٢/ ٥٠، «مفرج الكروب»: ٥/ ٢٢٩ - ٢٣٠.
(٤) «المذيل»: ٢/ ٥٠، «مفرج الكروب»: ٥/ ٢٣٠ - ٢٣٨.
(٥) «المذيل»: ٢/ ٥٣.
(٦) «طبقات الشافعية» للسبكي: ٨/ ٢٤٠.
[ ١٠٧ ]
الخطير، ولم يكتم أبو شامة فرحه بهذا التعيين، وقد رأى فيه إنصافًا لصاحبه، فكتب في تاريخه: «تولّى الخطابة بدمشق أحق الناس بالإمامة الشيخ عز الدين أبو محمد عبد العزيز بن عبد السلام بن أبي القاسم السلمي، مفتي الشام يومئذ، ناصر السنة، قامع البدعة» (^١).
* * *
في تلك الأثناء كانت الهدنة التي عقدها الكامل مع الإمبراطور فريدريك الثاني قد انتهى أجلها في الفاتح من محرم سنة (٦٣٧ هـ/ ١٢٣٩ م) وكانت أوربة قد استعدت قبل ذلك لإرسال حملة صليبية إلى الشرق، وقد وصلت الحملة إلى عكا في آخر محرم (^٢)، وعلى رأسها تيبالد كونت شامبانيا، وملك نافار مع جيش من ألف فارس (^٣)، وقد اختلفت الآراء حول الجهة التي ستقصدها الحملة، أتتجه نحو مصر حيث سلطانها العادل الثاني يعاني من ميل عسكره إلى أخيه الصالح أيوب؟ أم تتجه إلى دمشق حيث تعاني من اضطرابها وضعفها؟ وأخيرًا قرّر تيبالد أن يهاجم المعقلين المصريين في عسقلان وغزة، ثم يتوجه إلى دمشق بعد أن يكون قد أمن حدودها الجنوبية (^٤).
وخرجت الحملة من عكا في ربيع الأول سنة (٦٣٧ هـ/ ١٢٣٩ م) إلى غزة، حيث منيت هناك بهزيمة مفاجئة، انكفأ تيبالد على إثرها مع فلول جيشه نحو طرابلس (^٥).
وانتهز الناصر داود صاحب الكرك هذه الهزيمة، وتوجّه بعساكره ومن معه من
_________________
(١) «المذيل»: ٢/ ٥٣.
(٢) «الحملة الصليبية الخامسة»: ص ٣٦٥ - ٣٦٦، «تاريخ الحروب الصليبية» لرنسيمان: ٣/ ٣٧٢.
(٣) «تاريخ الحروب الصليبية» لرنسيمان: ٣/ ٣٧٢.
(٤) «تاريخ الحروب الصليبية» لرنسيمان: ٣/ ٣٧٢ - ٣٧٣.
(٥) المصدر السالف: ٣/ ٣٧٤ - ٣٧٦.
[ ١٠٨ ]
أمراء الصالح أيوب نحو بيت المقدس، وكان الصليبيون قد بنوا فيها قلعة تضم برج داود، مخالفين في ذلك شروط صلحهم مع الكامل، فهاجم القلعة، ونصب عليها المجانيق، حتى تم له فتحها في يوم الاثنين تاسع جمادى الأولى سنة (٦٣٧ هـ/ ١٢٣٩ م) بعد حصار دام نحو واحد وعشرين يومًا، وجلا عنها الصليبيون، فدمر الناصر داود القلعة وبرج داود، والاستحكامات التي أقاموها، ثم رجع إلى الكرك، تاركًا القدس بيد الصليبيين على ما شرط لهم الكامل، مجردة من أسباب الدفاع عنها (^١).
وقد حلا لبعض المؤرخين أن يصوّر ما قام به الناصر داود على أنه فتح لبيت المقدس، حتى إن بعض الشعراء بالغ فشبهه بفتح صلاح الدين لها (^٢)! ..
* * *
لربما لم يبال أبو شامة بعودة الصالح إسماعيل إلى حكم دمشق من جديد، فما دامت ثمرة الملك عند الأمراء هي الاستمتاع بالملاذ والراحات، فكلهم سواء، ولربما رضي بعض الرضا، وهو يرى صاحبه الشيخ عز الدين بن عبد السلام يعتلي كل جمعة منبر جامع دمشق، ناصحًا للأمة، ومشفقًا عليها، ومبينًا لها طريق نجاتها. ولربما أنس بعض الأنس وهو في إيوان العادلية، صارفًا جل وقته في إنجاز مؤلفاته، مستغرقًا في تهذيبه تاريخ دمشق لابن عساكر واختصاره، وقد شارف على الانتهاء منه، مستمتعًا بما يضيفه إلى بعض تراجمه وأخباره مما اقتنصه من فوائد، وما قيده من شوارد (^٣)، ولربما زاده رضًا إلى رضاه صحبته لقاضي قضاة دمشق شمس الدين أحمد بن الخليل بن سعادة الخُوَيّي، وقد وجد في ملازمته له بمجالس الحكم، وفي سكناه بالعادلية لطفًا وورعًا، فقد كان ملازمًا الصلاة
_________________
(١) «تاريخ الحروب الصليبية» لرنسمان: ٣/ ٣٧٦ - ٣٧٧، «نزهة الأنام»: ص ١١٨.
(٢) «مفرج الكروب»: ٥/ ٢٤٧.
(٣) «كتاب الروضتين»: ١/ ٢٦.
[ ١٠٩ ]
والصيام وقراءة القرآن، وكان في درسه فصيحًا، حسن العبارة، وفي قضائه متحريًا للعدل، مداريًا للناس، متحببًا إليهم، لقد كان حقًا كريم النفس، محبًا للخير (^١)، وقد أعجب أبو شامة بكتابه في العروض أي إعجاب، وقد وقف على نسخة منه بخط القاضي، فمدحه أبو شامة ببيتين، يعترف فيهما ببراعته في هذا الفن:
أحمدُ بنُ الخليلِ أَرْشَدَه اللَّهُ لما … أَرْشَدَ الخليل بن أحمد
ذاك مُسْتَخْرِجُ الْعَرُوضِ وهذا … مُظْهِرُ السِّرِّ منه والعودُ أحمد (^٢)
غير أن السعادة التي كان أبو شامة يتفيأ ظلها في العادلية سرعان ما تقلّص بوفاة هذا القاضي، وذلك ظهر يوم السبت (٧) شعبان سنة (^٣) (٦٣٧ هـ/ ١٢٤٠ م) وهو في نحو الخامسة والخمسين من عمره، وتولى القضاء بعده رفيع الدين عبد العزيز بن عبد الواحد بن إسماعيل الجيلي (^٤)، وتستقبل العادلية ساكنها الجديد، وينقلب فيها كل شيء.
* * *
_________________
(١) «المذيل»: ٢/ ٥٢، و«عيون الأنباء»: ٦٤٦ - ٦٤٧.
(٢) «المذيل»: ٢/ ٥٢.
(٣) المصدر السالف.
(٤) «المذيل»: ٢/ ٥٢ - ٥٣.
[ ١١٠ ]