ومرة أخرى يلوح خطر التتار من الشرق، فيهاجمون البيرة على الفرات، وقد أمنوا العساكر الإسلامية أن تخف لنجدتها، وهي متفرقة في البلاد وقت الربيع للاستجمام ورعي الخيول (^١)، ويصل الخبر إلى الظاهر بيبرس بالقاهرة، فيبادر بإرسال العساكر إليها في (٤) ربيع الأول سنة (٦٦٣ هـ/ ١٢٦٤ م) ثم يردفهم بعسكر آخر بعد نحو أربعة أيام (^٢)، ويشرع هو في تجهيز نفسه، ويخرج بعد نحو شهر على رأس العسكر في (٥) ربيع الآخر سنة (^٣) (٦٦٣ هـ/ ١٢٦٥ م) وينزل على غزة في (٢٠) ربيع الآخر، ثم ينتقل منها إلى يبنى، وبينما هو في الحمام يغتسل يأتيه خبر انهزام التتار عن البيرة حين وصول العساكر إليها (^٤)، وكان أهلها قد صدوهم عنها، وفعل نساؤهم من حسن البلاء في قتالهم ما لم يفعله رجالهم (^٥).
وفرح الظاهر بيبرس بهذا الخبر، ولكي يؤيس التتار منها كتب إلى مصر والشام بحمل كل ما تحتاجه قلعتها من أسلحة ومجانيق وغلال تكفيها لمدة عشر سنين (^٦).
_________________
(١) «الروض الزاهر»: ص ٢٢٢.
(٢) المصدر السالف.
(٣) «السلوك»: ج ١/ ق ٢/ ٥٢٤.
(٤) المصدر السالف.
(٥) «الروض الزاهر»: ص ٢٢٥.
(٦) «الروض الزاهر»: ص ٢٢٦.
[ ٣١٣ ]
ورأى الظاهر بيبرس أن يستغل اجتماع الجيش وقد هدأ باله من جهة التتار، ليستأنف فتوح صلاح الدين للبلاد التي استولى عليها الصليبيون بعد أن توقفت نحو أربع وسبعين سنة منذ وفاته، وقد انتهز فرصة اعتدائهم على المسلمين، فكتم عن جنده وجهته التي يريدها، وركب من العوجاء متظاهرًا برغبته في الصيد بغابة أرسوف، وأغرى الأمراء بمرافقته، قائلًا: إنَّ الغابة كثيرة السباع (^١).
وساق إلى أرسوف وقيسارية، فشاهدهما، ثم عاد إلى منزله بالعوجاء، وكانت أخشاب المنجنيقات قد أحضرت فأمر بصنع عدة مجانيق، ونصبها، وجلس مع الصناع يستحثهم على إنجازها، فما مضى يوم حتى كانت أربع منجنيقات كبار سوى الصغار قد اكتملت صنعًا، وكتب إلى القلاع المجاورة يطلب المجانيق والصناع والحجارين، وطلب من عساكره أن يعملوا سلالم (^٢).
ورحل تعمية عن قصده إلى قرب عيون الأساور قرب الرملة، فلما انتشرت العتمة بعد العشاء الآخرة أمر العسكر كله بلبس آلة الحرب، وركب في آخر الليل، وساق نحو قيسارية، فوافاها بكرة نهار الخميس (٩) جمادى الأولى سنة (٦٦٣ هـ/ ١٢٦٥ م) على حين غفلة من أهلها، فحاصرها، وألقى العساكر أنفسهم في خندقها، وتعلقوا بسكك الحديد التي للخيول على أسوارها من كل جانب، حتى صعدوا إليها. وكانت المجانيق قد نصبت، وبدأ الرمي بها، فخرقوا أبواب المدينة واقتحموها، ففر الصليبيون إلى قلعتها، وقد أخذتهم المفاجأة، وكانت قلعتها من أحصن القلاع وأحسنها (^٣)، فزحف إليها المسلمون، وقذفوها بالمجانيق والدبابات والزحافات، وداوموا رمي النشاب عليها.
وكان الظاهر بيبرس أثناء محاصرة القلعة لا يقيم في مكان، فهو تارة بأعلى
_________________
(١) «الروض الزاهر»: ص ٢٢٩.
(٢) «السلوك»: ج ١/ ق ٢/ ٥٢٦.
(٣) المصدر السالف.
[ ٣١٤ ]
الكنيسة تجاه القلعة ليمنع الصليبيين من الصعود إلى علو القلعة، وتارة يركب في بعض الدبابات ذوات العجل حتى يصل إلى السور، ويرى النقوب بنفسه، وتارة يأخذ ترسًا في يده، ويقاتل فلا يرجع إلا وفي ترسه عدة سهام (^١)، حتى انهارت معنويات الصليبيين من شدة القتال وتتابعه نحو ستة أيام.
فلما كان يوم الخميس (١٥) جمادى الأولى سنة (٦٦٣ هـ/ ١٢٦٥ م) استسلم الصليبيون، وسلموا القلعة بما فيها، فدخلها المسلمون، وطلع إليها السلطان الظاهر بيبرس، وكانت قيسارية هي أولى فتوحاته من الصليبيين، فباشر على الفور بهدمها (^٢).
ويفرح أبو شامة بهذا الخبر السعيد، فيسارع إلى تدوينه في «مذيله» بقوله: «ثم خرج السلطان الظاهر بيبرس من مصر بعساكره، فنزل ببلاد الساحل، ونازل قلاع الفرنج، واستدعى بالرجال والآلات من دمشق وغيرها، وجاءنا الخبر بدمشق أنه دخل مدينة قيسارية ثالث ساعة من يوم الخميس ثامن جمادى الأولى، وهو يوم نزوله عليها، ثم تسلم القلعة يوم الخميس خامس عشره، وهدمها، وانتقل إلى غيرها» (^٣).
وكان الظاهر بيبرس لما قارب الفراغ من هدم قيسارية بعث جماعة من عسكره، فهدموا قلعة للصليبيين عند الملوحة، وكانت عاتية عاصية، حتى دكوها دكًا (^٤).
ثم سار في (٢٦) جمادى الأولى سنة (٦٦٣ هـ/ ١٢٦٥ م) إلى عثليث، وسير بعض أمرائه إلى حيفا، فما إن وصلوا إليها حتى فر عنها الصليبيون إلى مراكبهم، فدخلها المسلمون، وقتلوا عدة منهم، وأسروا آخرين، وخربوا المدينة والقلعة، وأحرقوها في يوم واحد، ثم عادوا بالأسرى ورؤوس القتلى والغنائم سالمين (^٥).
_________________
(١) «السلوك»: ج ١/ ق ٢/ ٥٢٧.
(٢) المصدر السالف.
(٣) «المذيل»: ٢/ ٢٠٤.
(٤) «السلوك»: ج ١/ ق ٢/ ٥٢٧.
(٥) المصدر السالف.
[ ٣١٥ ]
وكان السلطان الظاهر بيبرس قد وصل إلى عثليث، فأمر بتشعيثها، وقطع أشجارها، فقطعت كلها، وخربت أبنيتها في يوم واحد، وعاد إلى قيسارية، وكمل هدمها حتى لم يدع بها أثرًا (^١).
* * *
ثم رحل عنها في (٢٩) جمادى الأولى سنة (٦٦٣ هـ/ ١٢٦٥ م) دون أن يعرف أحد من عسكره قصده، فنزل على أرسوف في أول جمادى الآخرة، فحاصرها، وكانت مدينة منيعة، وقد اطمأن الصليبيون إلى مناعتها، فأعمل الحيلة في الاستيلاء عليها، فنقل إليها من الحطب كميات كبيرة حتى صارت حول المدينة كالجبال الشاهقة، وعمل فيها ستائر، ثم حفر سربين من خندق المدينة إلى خندق القلعة، وسقفه بالأخشاب، وعمل طريقًا بين الخندقين إلى القلعة، وردم الحطب في الخندق، غير أن الصليبيين اكتشفوا ذلك، فأحرقوا الحطب حتى صار رمادًا.
فعاود السلطان العمل، فأمر بالحفر من باب السربين إلى البحر، وعمل مسروبًا تحت الأرض يكون حائط خندق الصليبيين ساترًا له، وعمل في الحائط أبوابًا يرمي التراب منها، وعمق المسروب حتى تساوت أرضه وأرض الخندق، وقد أحضر المهندسين حتى تم له ذلك، وكان يلازم العمل بيده في الحفر، وفي جر المنجنيقات ورمي التراب ونقل الأحجار أسوة بغيره من الناس، وكان يمشي بمفرده وفي يده ترس، يتنقل من مكان إلى آخر، فهو تارة في السرب، وتارة في الأبواب التي تفتح، وتارة على حافة البحر يرامي مركب الصليبيين، وتارة فوق الستائر يرمي منها، ولا يجرؤ أحد من العسكر أن ينظر إليه، أو يشير إليه بأصبعه (^٢)، وقد رمى ذات يوم ثلاث مئة سهم، وحضر في يوم آخر إلى السرب، وقعد في رأسه خلف
_________________
(١) «السلوك»: ج ١/ ق ٢/ ٥٢٨.
(٢) «السلوك»: ج ١/ ق ٢/ ٥٢٨_٥٢٩.
[ ٣١٦ ]
طاقة يرمي منها، فخرج الصليبيون إليه بالرماح، وفيها خطاطيف ليجذبوه بها، فقام، وقاتلهم يدًا بيد حتى قتل فارسين منهم (^١).
وكان قد حضر في هذه الغزاة جمع كبير من العباد والزهاد والفقهاء، وأصناف الناس، ولم يعهد فيها خمر ولا شيء من الفواحش، بل كانت النساء الصالحات يسقين الماء في وسط القتال، ويعملن في جر المجانيق (^٢).
حتى إذا أثرت المجانيق في هدم الأسوار، وفرغ من عمل الأسراب التي إلى جانب الخندق من الجهتين، وفتحت فيها أبواب متسعة، وقع الزحف إلى أرسوف (^٣)، وذلك في يوم الخميس (٨) رجب سنة (^٤) (٦٦٣ هـ/ ١٢٦٥ م) فلم يشعر الصليبيون بالمسلمين إلا وقد تسلقوا الأسوار، ووقعت الباشورة، وطلعوا إلى القلعة، وحفت بها المقاتلة، وطرحت النيران في أبوابها، ورفعت الأعلام الإسلامية على الباشورة، ودفع السلطان الظاهر بيبرس سنجقه للأمير سنقر الرومي، وأمره أن يؤمن الصليبيين من القتل، فلما رآه الصليبيون كفوا عن القتال، وسلّم السنجق للأمير علم الدين سنجر المسروري، ودليت له الحبال من القلعة، فربطها في وسطه والسنجق معه، ورفع إليها، فدخلها، وأخذ سيوف الصليبيين، وربطهم بالحبال، وساقهم إلى السلطان، وهم ألوف (^٥).
وأباح السلطان القلعة للناس، وكان بها من الغلال والذخائر والمال شيء كثير، ولم يتعرض لما فيها من الخيول والبغال إلا بما اشتراه من ماله، ووجد فيها عدة أسرى من المسلمين في القيود، فأطلقهم، وقيد الصليبيين بقيودهم (^٦).
_________________
(١) «السلوك»: ج ١/ ق ٢/ ٥٢٩.
(٢) المصدر السالف.
(٣) «الروض الزاهر»: ص ٢٣٨ - ٢٣٩.
(٤) «السلوك»: ج ١/ ق ٢/ ٥٢٩.
(٥) «السلوك»: ج ١/ ق ٢/ ٥٢٩ - ٥٣٠.
(٦) «السلوك»: ج ١/ ق ٢/ ٥٣٠.
[ ٣١٧ ]
وشرع في هدم أرسوف، وعين جماعة من أسرى الصليبيين لهدم سورها، فهدم بأيديهم (^١).
* * *
_________________
(١) «السلوك»: ج ١/ ق ٢/ ٥٣٠.
[ ٣١٨ ]