كانت علاقة أبي شامة في المدرسة العادلية الكبرى مع القاضي صدر الدين ابن سني الدولة تسوء على مر الأيام، إذ كان وهو أحد العدول، وقد تصدَّر للفتوى فيها لا يسكت عما يراه أخطأ فيه من أحكام، أو جار فيها (^١)، وكان القاضي وقد علت منزلته عند الناصر يوسف (^٢) يزداد إزعاجًا له، عله يتخلص منه، فأطلق أعوانه يكيدون له، ويسمعونه مُرَّ القول، ويغتابونه، وما قصيدته فيهم بمنسية (^٣)، بل راحوا يؤلبون الناس عليه، ويتصامم عنهم أبو شامة بالإكباب على تصانيفه يؤلفها، وبجلوسه في حلقته بجامع دمشق، راضيًا بحب من يحبه من مريديه (^٤)، وقد استبعد من المناصب الكبيرة التي يؤهله علمه لها، ولم يترك له إلا بعض المدارس الشافعية هو فيها مدرس، وهو منصب يناله من حصل شيئًا من علم الفقه، لا من قارب فيه حد الاجتهاد (^٥)، وكان يعلم حق العلم أن هذه المناصب الكبيرة لا تنال إلا بإراقة ماء المحيا لأصحاب الجاه والسلطان، وهيهات أن يفعل (^٦).
_________________
(١) انظر ص ١٣٦، ١٥٠، ١٥٣ من هذا الكتاب.
(٢) «عقد الجمان» (حوادث سنة ٦٤٨ - ٦٦٤): ص ٢٧٤.
(٣) انظر ص ١٤٩ - ١٥٠ من هذا الكتاب.
(٤) «المذيل»: ١/ ١٤٤ - ١٤٩.
(٥) «المذيل»: ١/ ١٤٥.
(٦) «المذيل»: ١/ ١٤٦، ١٤٩.
[ ١٨٥ ]
ويبدو أنَّ حملتهم عليه اشتدت، وربما شاركهم فيها بعض الطلبة ممن كان يدرسهم في تلك المدارس، فضاقت عليه نفسه مما يحيط به في المدرسة العادلية وتلك المدارس من وجوه كالحة، وقلوب غادرة، وكان هجومهم عليه يستدعي منه أحيانًا دفاعًا، بل واستماتة في الدفاع، والمرض يفتك بجسده بين آن وآخر، فخاف أن تباغته المنية، وهو يتمرغ في أوحال خصامهم، فللخلاص من هذا البلاء بدأت تخطر في باله فكرة الاعتزال، أن يعتزل التدريس، وأن يهجر المدرسة العادلية الكبرى، لينصرف ناعم البال إلى ما وهب حياته له من العلم النافع (^١)، وربَّما كان يعيش ألم هذا الشعور، وهو يقتبس من الغزالي في «الإحياء» ما قاله الخطابي في «العزلة»، وهو يصنّف كتابه الجديد: «خطبة الكتاب المؤمل للرد إلى الأمر «الأول» (^٢): دع الراغبين في صحبتك والتعلم منك، فليس لك منهم مال ولا جمال، إخوان العلانية أعداء السر، إذا لقوك تملّقوك، وإذا غبت عنهم سبعوك (^٣)، من أتاك منهم كان عليك رقيبًا، وإذا خرج كان عليك خطيبًا، أهل نفاق ونميمة، وغل وخديعة، فلا تغتر باجتماعهم عليك فما غرضهم العلم بل الجاه والمال، وأن يتخذوك سلَّمًا إلى أوطارهم، وحمارًا في حاجاتهم، إن قصرت في غرض من أغراضك كانوا أشد أعدائك، ثم يعدون ترددهم إليك دالة عليك، ويرونه حقًا واجبًا لديك، ويعرضون عليك أن تبذل عرضك وجاهك ودينك لهم، فتعادي عدوهم، وتنصر قريبهم وخادمهم ووليهم، وتنتهض لهم سفيهًا، وقد كنت فقيهًا، وتكون لهم تابعًا خسيسًا، بعد أن كنت متبوعًا رئيسًا، ولذلك قيل: اعتزال العامة مروءة تامة» (^٤).
_________________
(١) «المذيل»: ١/ ١٥٠ - ١٥١.
(٢) ألفه أبو شامة قبل سنة (٦٥٥ هـ - ١٢٥٧ م) إذ فرغ من نسخ إحدى نسخه في ثامن محرم سنة (٦٥٥ هـ)، انظر مقدمة المحقق ص ٣٠.
(٣) جاء في هامش الأصل: سبع فلان فلانًا إذا اغتابه وأكل لحمه.
(٤) «خطبة الكتاب المؤمل»: ص ١٧٢ - ١٧٣ وانظر «العزلة» للخطابي: ص ١١١ - ١١٢.
[ ١٨٦ ]
كان قرار الاعتزال ينمو مع الأيام في فكره، ويترسخ، حتى إذا عاوده المرض للمرة الخامسة في رمضان سنة (^١) (٦٥٢ هـ/ ١٢٥٤ م) حسم أمره، وبدأ بترك المدرسة العادلية الكبرى (^٢)، بعد أن قضى فيها نحو ثلاث وثلاثين سنة (^٣)، واتخذ بيتًا له في حارة الخاطب (^٤)، وقد كتب، وهو مريض أبياتًا يعلّل فيها تركه لها، ومما قاله:
نَزَّهْتُ نَفْسي وعرضي … وصُنْتُ هذه البقية
لما انعزلت ببيتي … قولًا وفعلًا ونيَّة
وبقيت عُلق بال … مدارس الشافعية
وسوف أَخْلُصُ منها … حقًا وَرَبِّ البرية
إني عبد ضعيف … أخاف بَغْتَ المنية
ولست أرضى لنفسي … دوام هذي البليه (^٥)
* * *
وذات ليلة، وبينما كان يتقلب مع آلامه وأحزانه، وقد قارب الثالثة والخمسين، وبيته خال من عبث طفل ومناغاته، بعد أن تخرم الموت أولاده، ولم يبق له إلا ابنته فاطمة من زواجه الأول، دعا الله ﷾ أن يرزقه ولدًا ذكرًا، ربما ليخفف ما في قلبه من حزن شفيف على فقد ابنه محمد (^٦).
_________________
(١) «المذيل»: ١/ ٣٢.
(٢) يبدو أن آخر كتاب قرأه فيها هو «نور المسرى في تفسير آية الإسرا»، وذلك يوم الثلاثاء ١٢ جمادى الأولى سنة (٦٥٢ هـ/ ١٢٥٤ م)، انظر «نور المسرى» ص ١٣٤.
(٣) دخلها طالبًا سنة (٦١٩ هـ/ ١٢٢٢ م)، انظر ص ٤٧ من هذا الكتاب.
(٤) «المذيل»: ٢/ ١٢٨. قلت: وحارة الخاطب في حي مئذنة الشحم في دمشق، وما تزال تحمل هذا الاسم، وهي نسبة إلى محسن بن عبد الله الهاشمي الخاطب الدمشقي، كان خطيب دمشق أيام الأخشيديين، وتوفي سنة (٣٤٧ هـ)، انظر «ثمار المقاصد» ص ٦٧ حاشية رقم (٥).
(٥) «المذيل»: ١/ ٣٢، ١٥٠ - ١٥١.
(٦) «المذيل»: ٢/ ١٠٦.
[ ١٨٧ ]
ويستجيب الله تعالى له، ويرزقه مولودًا ذكرًا بعد صلاة الصبح من يوم السبت (٢٥) شوال سنة (٦٥٣ هـ/ ١٢٥٥ م)، فيسميه أحمد، ويكنيه أبا الهدى (^١).
ويسعى بالطفل إلى الشيخ تقي الدين عبد الرحمن بن أبي الفهم اليلداني، وكان شيخًا صالحًا، مشتغلًا بالحديث سماعًا وكتابة، فيستجيزه، فيجيزه الشيخ رواية جميع ما يجوز له وعنه روايته (^٢)، وكأنه بهذه الإجازة يستأنف ما كان قد بدأه مع ابنه محمد. وفي أواخر ذي الحجة سنة (٦٥٣ هـ/ ١٢٥٦ م) يفرغ أبو شامة من شرحه الأصغر لقصيدة الشاطبي في القراءات بعد أن تورك عليه نحو ستة أشهر (^٣)، وكان قد اختصره من شرحه الكبير لها الذي وقف فيه عند باب الهمزتين من كلمة، وقد بلغ نحو مجلدة (^٤)، ثم تابع شرحه الأصغر حتى تم، فكان في مجلدين، وسماه «إبراز المعاني من حرز الأماني» (^٥).
* * *
لا ريب أن أبا شامة قد شعر ببعض الارتياح عقب تركه المدرسة العادلية الكبرى، فقد نأى بنفسه عما كان يعانيه فيها من فساد وظلم يشيعه القاضي صدر الدين وأعوانه، غير أنه ما زال حرج الصدر لملابسته التدريس في بعض المدارس الشافعية، ولما لتلك المدارس من علاقة بالقاضي بحكم منصبه، ولما كان يلاقيه فيها من أعوانه، شيوخها ومدرسيها، ومن بعض طلابها من جفاء في اللقاء، وغدر حين تمكنهم الفرصة، وكانت عداوتهم له تنطلق غيبة على ألسنتهم، وحسدًا في عيونهم (^٦).
وقد بلغ أبو شامة في ضيقه حدًا أنه كان أحيانًا يغبط الأصم على صممه، ويراه
_________________
(١) «المذيل»: ٢/ ١٠٦.
(٢) «المذيل»: ٢/ ١١٨ - ١١٩.
(٣) «إبراز المعاني»: ١/ ٦٩.
(٤) «إبراز المعاني»: ١/ ١٠٧.
(٥) «المذيل»: ١/ ١٤٢، وانظر ص ٤٨٣ - ٤٨٤ من هذا الكتاب.
(٦) «المذيل»: ١/ ١٥٠.
[ ١٨٨ ]
نعمة كبرى تريحه من سماع أحاديث الناس ولغوهم، وتعينه على الانقطاع للعبادة (^١).
وربما استضرى أعداؤه عليه، وهم يرون منزلة القاضي في علو، ومنزلة أبي شامة في انحدار، وقد بلغ القاضي صدر الدين أعلى منازله يوم افتتح الناصر يوسف مدرسته الناصرية الكبرى في سابع محرم سنة (٦٥٤ هـ/ ١٢٥٦ م) وولاه تدريسها، وقد حضر مع أمرائه وأعيان الشام، وجمهور أهل الحل والعقد افتتاح الدرس الأول فيها (^٢).
لقد كانت الطريق إلى المناصب الكبرى معروفة لأبي شامة، ولكنه وهو العالم حقًا كان يتنكبها عن عمد، ويرى أنها طريق تزري بالعالم وعلمه (^٣)، ولكي ينأى بنفسه عما يزري بها كان لا بد أن ينفذ قراره في الاعتزال نهائيًا عن دنيا التدريس في المدارس، فما إن فرغ من إعادة النظر في كتابه «المرشد الوجيز»، وانتهى من كتابته يوم الأحد (١١) ربيع الأول سنة (^٤) (٦٥٤ هـ/ ١٢٥٦ م)، ثم أتم إسماع كتابه «المحقق من علم الأصول» بالتربة الأشرفية في يوم الاثنين (٢٦) شعبان من العام نفسه (^٥)، حتى كان قد عقد عزمه على تنفيذ قراره، متخذًا من مرضه الذي ربما عاوده في رمضان سنة (^٦) (٦٥٤ هـ/ ١٢٥٦ م) مناسبة لإعلان هذا القرار، فنظم فيه أبياتًا، يؤرخ فيها لقراره، يقول فيها:
أردتُ راحَةَ سِرِّي … مِمَّا يُضَيِّقُ صَدْرِي
لِمَا أُلاقي مِنَ الخَلْ … قِ مِنْ جَفَاءٍ وغَدْرِ
وحسدٍ واغتيابٍ … فيا ضياعَ العُمُرِ
فاخْتَرْتُ أنْ أتَنَحَّى … وأَسْتَقِلُّ بأمري
_________________
(١) «المذيل»: ٢/ ١٠٦.
(٢) «الدارس»: ١/ ٤٦٠.
(٣) «المذيل»: ١/ ١٥٠.
(٤) انظر ص ٥٠٤ من هذا الكتاب.
(٥) «المحقق من علم الأصول»: ص ٣٢.
(٦) «المذيل»: ١/ ٣١.
[ ١٨٩ ]
فلستُ أمشي إلى مَنْ … يُرَى خطير القَدْرِ
لأجل دنيا، فمشيي … إليه بالعلم يُزري
لكن إلى عالم أو … شيخ نبيه الذِّكْرِ
أما إذا أحوجني … ضرورة من فر
ولا تكون، فَرَبِّي … يَمُنُّ فيها بصَبْرِ
يارب فاشرح صدري … للخير واشدد أزري
ولا تكلني إلى الخَلْ … ق أنتَ حَسْبي وذُخْري
هَبْ لي مَدَى الدَّهْر سِتْرًا … حتى أو سد قبري
واختم بخير وأعظم … من جَنَّةِ الخُلْدِ أَجْري (^١)
ولم يكن قرار أبي شامة هذا سهلًا، إذا عرفنا أنَّ المدارس في ذلك العصر، وما لها من أوقاف، تكاد تكون مصدر رزق العالم الوحيد، وقد تخلى عنها أبو شامة، ولم يبق له من مورد يعيش منه إلا بستانه الصغير فوق نهر يزيد في الصالحية (^٢)، إنه سيفلح أرضه، ويأكل من ثمارها، والفلاحة عمل شاق على من انقطع في حياته للعلم وتحصيله، ثم إنها كانت تزري بالإنسان في ذلك العصر (^٣)، غير أن أبا شامة كان في تلك الأيام - ربما - مسكونًا بزاهد الإسكندرية الشيخ محمد بن منصور بن يحيى القباري، الذي انقطع عن دنيا الناس ببستانه يزرعه ويسقي ثماره، ولن ينسى أبو شامة زيارته له في الإسكندرية في مطلع شبابه (^٤).
* * *
_________________
(١) «المذيل»: ١/ ٣١ - ٣٢، ١٥٠.
(٢) «المذيل»: ١/ ٣٠٥.
(٣) انظر ترجمة جمال الدين بن جرير، وزير الأشرف في «مرآة الزمان» (وفيات سنة ٦٣٦ هـ).
(٤) انظر ص ٩٢ من هذا الكتاب.
[ ١٩٠ ]
وفي بحران مرضه الذي كان يعانيه في عزلته يرى فيما يراه النائم ليلة الثلاثاء (٢١) ذي الحجة سنة (٦٥٤ هـ/ ١٢٥٧ م) الشيخ الواعظ سبط ابن الجوزي وقد توفي، غير أنه يراه في حالة منكرة، وفي الصباح يتحقق ما كان قد رآه في منامه، وتبلغه وفاته حقًا بمنزله في جبل قاسيون، فيسأل الله العافية (^١).
وكما تجنب أبو شامة لقاء سبط ابن الجوزي في حياته، برغم ما يجمع بينهما من حب للتاريخ، وبرغم حضور مجالس وعظه في جامع دمشق، وإعجابه بها، يتخلف عن حضور جنازته، متعللًا بمرضه، وقد حضرها خلق عظيم، في مقدمتهم السلطان الناصر يوسف، والأمراء والقضاة، والشيوخ، وأعيان دمشق (^٢).
وأنى يكون اللقاء بين مَنْ عاش حياته في جاه عريض عند الملوك، وتأتي الملوك وأرباب الدول إليه زائرين وقاصدين (^٣)، وبين مَنْ ينأى بنفسه عن كل ذي جاه أو سلطان …؟
* * *
في العزلة يجد أبو شامة سكينة الروح في بيته مع زوجته ست العرب (^٤)، وقد استراح مما كان يصطرع في نفسه، متفيئًا فيه ظلال ودها وأنسها ولطفها، ومتمتعًا بعذوبة حديثها، وسحر ذكائها، متمليًا من محاسنها، ولربما اكتشف فيها وقد ضمهما بيت بعيدًا عن المدرسة العادلية وصحبها - خلالًا وصفات لم يكن يلحظها فيها، وفي سكينة هذه الحياة الزوجية يتنبه أبو شامة إلى أن عشرة من الأعوام قد تقضت منذ تزوجها، وها هي الآن في ربيع أنوثتها، وقد بلغت الرابعة والعشرين (^٥)،
_________________
(١) «المذيل»: ٢/ ١١٧.
(٢) المصدر السالف.
(٣) المصدر السالف.
(٤) «المذيل»: ٢/ ١٢٠.
(٥) «المذيل»: ٢/ ١٢٢، وانظر ص ١٥٢ من هذا الكتاب.
[ ١٩١ ]
بينما هو يدنو من السادسة والخمسين، وتهب عليه نسائم الحب، فيتوهج جمر القلب في خريف العمر، ويكتب لها قصيدة طويلة (^١) يعدد فيها صفات هذه الزوجة الودود في مملكتها الصغيرة بيتها، ويبوح لها فيها بحبه الكبير، ويتجرأ حقًا فيثبتها في تاريخه، متحديًا بذلك تقاليد عصره الذي كان فقهاؤه ومؤرخوه يخنقون مشاعرهم ولا يعلنونها في حياتهم العامة، بله الخاصة، ولا يسمحون لأحد أن يطل من خلال كتبهم على داخل بيوتهم، ولا أعرف أحدًا من مؤرخينا أدخلنا بيته، ووصف لنا زوجته غير أبي شامة.
فهي - كما وصفها - ولود، ودود، حرة، قرشية، لطيفة، نظيفة، شكور، عفيفة، غريرة، رحيمة، حلوة، قنوع، مدارية، رقيقة القلب، سريعة دمع العين، خدوم، خفيفة الروح، حنانة، ذكية، على فصاحة في لفظها، وجمال في نطقها، مقتصدة، تحفظ مال زوجها، دائبة العمل في بيتها، رغم وجود خادمة قد تكفيها، فما إن تنتهي من الكنس والطبخ والغسل ورعاية ابنها حتى تحيك في مغزلها، أو تطرّز ثيابها، أو تخط لوحات بخطها الجميل، لا يتسلّل الملل إليها، وقد أوتيت صبرًا على أصعب الأشغال وأدقها.
وهي غالبًا ما تقضي نهارها صائمة، وليلها قائمة، وإذا ما طرق باب بيتها طارق، فإنَّها لا تجيبه، لأن كلام الأجنبي حرام عليها، وبقاؤها في بيتها أحبّ إليها من الخروج إلى الأسواق، ولا تصغي إلى كلام جاراتها اللواتي يغرينها بالخروج للفرجة، وإذا ما اضطرت فخرجت لحاجة عرضت لها، فإنها تخرج متسترة، لا تكشف حتى بنانها، تمشي غير متلفتة، ولا متكلمة في طريقها.
وتعويذة لكمالها من عين الحسود يذكر أبو شامة أن ليس لها من عيب سوى أنها سريعة الغضب، ويرتفع صوتها حين تغضب، ويتساءل أبو شامة بلسان
_________________
(١) «المذيل»: ٢/ ١٢٠ - ١٢٢.
[ ١٩٢ ]
المحب: هل يسقط هذا العيب مناقبها عند الحسود أم لا؟ بيد أنه وهو الزوج العاشق كان لا يرى لها مثيلًا.
تقل نظيرًا في نساء زماننا … فلا تعذلوني في محبتها عذلًا (^١) (^٢)
* * *
_________________
(١) «المذيل»: ٢/ ١٢٠ - ١٢٢.
(٢) يبدو أن هذه القصيدة الفريدة في تراثنا قد صدمت معاصري أبي شامة ومَنْ جاء بعدهم لمعانيها التي رأوها مبتذلة لا تليق بجلال الشعر كما عرفوه، فقال الصفدي في «الوافي بالوفيات»: ١١٦/ ١٨: «وقد نظم الشيخ شهاب الدين أبو شامة قصيدة تناهز الأربعين بيتًا في زوجته، فسمج - عفا الله عنه - فيها ما شاء، وبرد ما أبرد». وبعيدًا عن القيمة الشعرية لهذه القصيدة، وعن الظروف التي أملتها على أبي شامة، فإنَّها صورت لنا بتفصيل دقيق، جانبًا من حياة المرأة في ذلك العصر، امرأة من عامة الشعب، وهي تغسل وتطبخ وتطرز، وترعى ولدها وزوجها، بلفظ معبّر، وعفوية آسرة، وهي صورة لا تعجب من اعتاد أن يرى المرأة في الشعر عيونًا كحيلة، وأردافًا ثقيلة! ..
[ ١٩٣ ]