ويعود أبو شامة إلى دمشق في سابع ربيع الآخر سنة (^١) (٦٢٩ هـ/ ١٢٣٢ م) بعد غيبة عنها دامت نحو سنة، وقد ازداد معرفةً وفهمًا، وثقةً بما حصله من العلوم تمكنه من الانصراف للتأليف فيها (^٢)، فعلم القراءات قد أتقنه، والتقى أئمته، وأخذ عنهم، وفي الفقه بلغ منزلة تؤهله للتصدي للفتوى، وثمة مسائل فيه يود لو يفرد لها تصنيفًا، أما في التاريخ فما تجمع لديه من أخباره ووقائعه، وتراجم رجالاته تملأ مجلدات. فكيف سينظم هذه المعلومات المتناثرة، ويضم شواردها؟ كيف سيخرج منها مؤلّفًا في التاريخ يسلكه في عداد المؤرخين؟ لقد رجع حقًا بعد سفره إلى تدوين وقائع عصره في تاريخه الذي هو أشبه باليوميات، غير أن هذه الكتابة لا تستنفد ما عنده من معارف ولا تلبي طموحه في أن يكون مؤرخًا، وهنا خطرت في باله فكرة راح يقلبها في ذهنه أيامًا وليالي، لم لا يتخرج في التاريخ بأكبر مؤرخي دمشق الحافظ ابن عساكر؟ ألم يتلق سائر علومه عن كبار شيوخها، فَلِمَ لا يكون تلميذًا لهذا المؤرّخ الكبير؟ ولئن فاته زمنه عن إدراكه إن كتابه بين يديه،
_________________
(١) «المذيل»: ٢/ ٢٤.
(٢) «المذيل»: ١/ ١٣٨.
[ ٩٣ ]
وهو أكبر كتاب وضع في هذا الفنّ على طريقة المحدّثين، هذه الطريقة التي يأنس إليها، وقد غدا كتابه بحق تاريخ الإسلام، فلم لا يلخّصه، ويهذبه، ويزيده فوائد مما تجمع لديه؟ فمن خلال عمله هذا سيطلع على تاريخ الإسلام اطلاعًا شاملًا، وسينقاد قلمه للكتابة فيه.
وحين استوت لديه هذه الفكرة انقطع إليها، وراح يقضي سحابة نهاره في المدرسة العادلية الكبرى مع «تاريخ دمشق» في مجلداته الثمانين، قارئًا وملخصًا، ومؤلفًا في آن (^١).
ولعله عُيّن في نحو هذه الفترة إمامًا للصلاة في محراب العادلية (^٢).
وأحيانًا كان يختلس بعض ساعاته يقضيها في ملازمة شيوخه، ومنهم تقي الدين ابن الصلاح، الذي تصدر في منتصف شعبان سنة (٦٣٠ هـ/ ١٢٣٣ م) للتدريس في مدرسته الجديدة التي بنيت له، وهي دار الحديث الأشرفية (^٣).
وفي نحو هذه الفترة شعر بحاجته إلى سَكَن يأوي إليه، فكان زواجه الأول الذي رُزِقَ منه بمولودة في (٢٣) شوال سنة (٦٣١ هـ/ ١٢٣٤ م) سماها أم الحسن فاطمة، ويبدو أن مزاجه في ذلك اليوم لم يكن رائقًا، فقد سجل في تاريخه يوم ولادتها بعبارة صماء لا ترشح منها مشاعر الأبوة، بَلْه الغبطة، ولا يكاد يستشف منها صلة النسب، فقد كتب: «وفيها ولدت أم الحسن فاطمة بنت عبد الرحمن بن
_________________
(١) «كتاب الروضتين»: ١/ ٢٥ - ٢٦، و«المذيل»: ١/ ١٤٢.
(٢) «المذيل»: ١/ ١٤٠، ٢/ ١٢٥.
(٣) جوار باب قلعة دمشق الشرقي، كانت دارًا للأمير صارم الدين قيماز النجمي، وله بها حمام، فاشترى ذلك الملك الأشرف موسى بن العادل، وأمر ببنائها سنة (٦٢٨ هـ) دار حديث. وأخرب الحمام، وبناه مسكنًا للشيخ المدرس بها، وجعل شيخها تقي الدين ابن الصلاح. انظر «الدارس في تاريخ المدارس»: ١/ ١٩ - ٢٠، و«مرآة الزمان» (حوادث سنة ٦٣٠ هـ) بتحقيقي.
[ ٩٤ ]
إسماعيل في الثالث والعشرين من شوال، جعلها الله ذرية مباركة (^١). ولولا هذا الدعاء لما عرف القارئ أنَّ أبا شامة إنَّما يتحدَّث عن ولادة ابنته! … فلم هذا الجفاء؟ سؤال يتركنا فيه أبو شامة حيارى، غير أنني أنزهه وهو الفقيه - أن يكون مبعثه أنه رزق بأنثى.
ويبوح لنا أبو شامة بمرضه الذي ألم به في شعبان سنة (٦٣٢ هـ/ ١٢٣٥ م) هذا المرض الذي حال بينه وبين حضور جنازة شيخه تقي الدين ابن باسوية، وكان شيخًا مشهورًا بالقراءات، وقد كان أجاز لأبي شامة رواية جميع ما يرويه (^٢). وفي أوائل شوال سنة (٦٣٢ هـ/ ١٢٣٥ م) قدم دمشق فيمن يقدمها لطلب العلم شاب من إربل في الرابعة والعشرين من عمره، هو أبو العباس أحمد بن محمد بن أبي بكر بن خلكان، ويلتقيه أبو شامة في حلقة شيخه ابن الصلاح في دار الحديث الأشرفية على مدار عام كامل قضاه ابن خلكان في دمشق ملازمًا لابن الصلاح (^٣)، فأي أثر تركه هذا اللقاء في نفسيهما؟ وهل سيذكرانه في أيامهما القادمة حين يجتمعان معًا بعد نحو ربع قرن (^٤)؟
وبعد نحو ثلاث سنين من ولادة ابنته فاطمة يُرزق في (٢٥) ذي القعدة سنة (٦٣٤ هـ/ ١٢٣٧ م) بمولوده الثاني، وربما فاجأه مخاض امرأته في الساعة الأولى من ذلك اليوم، وضاق الوقت عن استدعاء قابلة له، وقد كاد الوليد يخرج من بطنها، فأسرع أبو شامة إلى تلقيه بيديه، فكان هو قابله (^٥).
_________________
(١) «المذيل»: ٢/ ٢٩.
(٢) «المذيل»: ٢/ ٣٤، وسيعاود المرض أبا شامة في تلك الأيام في بعض السنين، انظر ص ١٧٣ - ١٧٤ من هذا الكتاب.
(٣) وفيات الأعيان: ٣/ ٢٤٤.
(٤) انظر ص ٢٩٠ من هذا الكتاب.
(٥) «المذيل»: ٢/ ٧١.
[ ٩٥ ]
وفي فرح لم يستطع إخفاءه يكتب في تاريخه في حوادث تلك السنة: «وفيها في الساعة الأولى من يوم الاثنين الخامس والعشرين من ذي القعدة سنة أربع وثلاثين وست مئة، ولد لي مولود ذكر سمّيته محمدًا، وكنيته أبا الحرم، جعله الله مباركًا وذرية طيبة» (^١).
وقدر لابنه محمد أن يعيش يتيم الأم، فهل ماتت أمه بعد ولادته بقليل (^٢)؟ ..
وبينما كان أبو شامة يعيش أفراحه في تلك الأيام بولادة ابنه محمد، وقد انهمك في تأليف كتابه «المحقق من علم الأصول فيما يتعلق بأفعال الرسول ﷺ» (^٣) كان الأشرف موسى بن العادل سلطان دمشق يرقد في قلعتها، وهو يعاني آلام مرضه، وقد أشفى منه على الموت (^٤)، وزاده ألمًا ما بلغه من طمع أخيه الكامل في دمشق (^٥)، وبخاصة أن الأشرف لم يكن له ولد يخلفه، فجعل أخاه الصالح إسماعيل بن العادل وليًا لعهده (^٦)، ولم ينل ذلك رضا الكامل، وهو كبير البيت الأيوبي، فوقعت الوحشة بين الأخوين، وأسفرت عن نفسها بطلب الأشرف من جيشه الاستعداد لمهاجمة مصر، وخيم عسكره في الكسوة جنوبي دمشق إيذانًا بذلك (^٧).
_________________
(١) «المذيل»: ٢/ ٣٩.
(٢) ذكر أبو شامة أنَّ أمه توفيت، غير أنه لم يحدد سنة وفاتها، فلعلها توفيت بعد ولادته بقليل، لأنها لم تنجب بعده غيره، ويبدو أنَّ أبا شامة قد انصرف إلى تربية ابنه اليتيم، وكان حَدِبًا عليه، ولم يتزوج من امرأة أخرى إلا قبيل وفاة ابنه محمد بقليل، انظر «المذيل»: ٢/ ٧١، وص ١٣٣ - ١٣٤ من هذا الكتاب.
(٣) فرغ أبو شامة من تصنيفه سنة (٦٣٥ هـ)، انظر «المحقق» ص ٢٩.
(٤) «مفرج الكروب»: ٥/ ١٣٧.
(٥) «مفرج الكروب»: ٥/ ١٤٤.
(٦) «مفرج الكروب»: ٥/ ١٤٧.
(٧) «طبقات الشافعية» للسبكي: ٨/ ٢٤٠.
[ ٩٦ ]
وحاول الشيخ عز الدين بن عبد السلام أن يثني الأشرف عن عزمه، فصعد إلى قلعة دمشق لعيادته، مذكرًا إياه بالخطر القادم من الشرق، حيث التتار يجتاحون كالعاصفة المدن الإسلامية، ناشرين الخراب والموت أينما حلّوا، طالبًا إليه أن ينقل عسكره إلى جهة التتار، فإن منَّ الله عليه بالعافية قاتلهم، وإن قضى في مرضه أثابه الله على نيته في جهادهم.
واستجاب الأشرف له، وأمر في الحال - والشيخ حاضر - بنقل معسكره إلى الشرق، إلى منزلة يقال لها القصير. ثم قال للشيخ: زدني من نصائحك ووصاياك. فقال له الشيخ عز الدين: السلطان في مثل هذا المرض، وهو على خطر، ونوابه يبيحون فروج النساء، ويدمنون الخمور، ويرتكبون الفجور، ويتنوعون في تمكيس المسلمين، ومن أفضل ما تلقى الله به أن تتقدم بإبطال هذه القاذورات، وإبطال كل مكس، ورفع كل مظلمة.
وكذلك استجاب الأشرف له، وودَّع الشيخ السلطان المريض، ونزل من قلعة دمشق، وقد شاع في البلد ما جرى بينهما، وباشر الشيخ بنفسه تبطيل بعض المنكرات، إلا أنَّ الصالح إسماعيل بن العادل لم يرق ذلك له، فوقف دون إمضاء الأمر إلى نهايته (^١).
ويموت الأشرف في أول نهار يوم الخميس رابع محرم سنة (^٢) (٦٣٥ هـ/ ١٢٣٧ م) ويلي دمشق بعده أخوه الصالح إسماعيل بعهد منه (^٣).
* * *
ويأتي الكامل من مصر بعساكره في أواخر شهر ربيع الآخر سنة (^٤) (٦٣٥ هـ/
_________________
(١) «طبقات الشافعية» للسبكي: ٨/ ٢٤٠ - ٢٤١.
(٢) «عيون الأنباء»: ص ٦٧٢.
(٣) «المذيل»: ٢/ ٤١.
(٤) المصدر السالف.
[ ٩٧ ]
١٢٣٧ م)، وينزل قرب دمشق عند مشهد القدم، وتحدق عساكره بها، ويقطع المياه عنها، ويشدد حصارها، فترتفع الأسعار، ويستعد الصالح إسماعيل للدفاع عن نفسه، فينصب المجانيق على أبواب دمشق، وكيلا يدع لجيش الكامل موطئ قدم قرب أسوارها أمر بتخريب ما حول السور من دور ومساكن وطواحين، وترمي مجانيقه بصخورها الصُّمُّ على أهل دمشق خارج السور، فتخرب العقيبة والطواحين خرابًا شنيعًا، وتحرق قصر حجاج والشاغور، ويتفنن الصالح إسماعيل بالعيث في التخريب، ومصادرة الناس، وكأنه يرى أن لا بقاء له بدمشق إلا بإحراقها، فذاقت دمشق على يديه من الموت والخراب ما لم تذقه من الجيش المهاجم، وأصبح سكان تلك الأماكن مشردين على الطرقات يستجدون، وبعضهم آثر الموت في داره (^١).
وحين ألقيت للصالح إسماعيل بعلبك وبصرى عوضًا عن دمشق، كف عن التخريب (^٢)، وعقد الصلح مع أخيه الكامل في يوم الأربعاء الفاتح من جمادى الأولى سنة (^٣) (٦٣٥ هـ/ ١٢٣٧ م).
وعاش أبو شامة مرارة تلك الأيام، وهو لم ينس بعد ما حل بدمشق من دمار قبل تسع سنين، ولم يطاوعه قلمه أن يصف ما حلَّ بها الآن من خراب، فما أشبه الليلة بالبارحة، فاكتفى في تاريخه بقوله: «فجرى نحو من الحصار المتقدم سنة (٦٢٦ هـ/ ١٢٢٩ م) إلا أنَّ هذا الحصار كان أكثر خرابًا في ظاهر البلد، وحريقًا ومصادرة» (^٤).
وسقطت دمشق مرة أخرى جريحة بأيدي سلاطينها، ويلتقي أعداء الأمس
_________________
(١) «مرآة الزمان» (حوادث سنة ٦٣٥ هـ) بتحقيقي، و«المذيل»: ٢/ ٤١.
(٢) «مرآة الزمان» (حوادث سنة ٦٣٥ هـ).
(٣) «المذيل»: ٢/ ٤١.
(٤) المصدر السالف.
[ ٩٨ ]
القريب، وقد ساد فيهم وفاق الأصدقاء، وكأنَّ دماءً لم تسفك ودورًا لم تخرب، ويحضر الشيخ عز الدين بن عبد السلام إلى قلعة دمشق، مسلمًا على السلطان الكامل، فيكرمه الكامل غاية الإكرام، ويجلسه إلى جانبه، وكان أخوه الصالح إسماعيل يقف خلفه، ويسأل الكامل الشيخ عز الدين، وهو يشير إلى الصالح: إنَّ هذا له غرام برمي البندق (^١)، فهل يجوز ذلك؟ ويجيب الشيخ عز الدين بهدوء: بل يحرم عليه، فإنَّ رسول الله ﷺ نهى عنه، وقال: «إنَّه يفقأ العين ويكسر العظم» (^٢).
وربما تساءل الشيخ عز الدين في سرّه: رمي البندق يحرم، ولكن هل يحل رمي المجانيق، وحرق الناس في دورهم؟ ويبدو أنَّ الشيخ عز الدين آثر الصمت في هذه المرة، وربَّما كان يتمزق من الغيظ، وهو يلقي درسه الأول في الزاوية الغربية من جامع دمشق بعد أيام من لقائه مع الكامل (^٣).
* * *
_________________
(١) البندق كرات تصنع من الطين أو الحجارة أو الرصاص أو غيرها، وهي فارسية بلفظها واستعمالها، فقد اقتبسها العرب عنهم في أواخر خلافة عثمان ﵁، وكانوا يرمون هذا البندق عن الأقواس كما يرمون النبال، ثم صار لها شأن كبير في أيام العباسيين، وبخاصة في أيام الخليفة الناصر المتوفى سنة (٦٢٢ هـ/ ١٢٢٥ م) إذ جعل رميها فنًا لا يتعاطاه إلا الذين يشربون كأس الفتوة - وكان يحتوي الماء والملح - ويلبس سراويلها من الخليفة مباشرة أو من أحد رسله بالوكالة. وقد تفننوا في رمي البندق بالأنابيب، وذلك بضغط الهواء من مؤخرة الأنبوب بما يشبه أنابيب البنادق. ولما اخترع البارود صار يُرمى به من تلك الأنابيب، وسميت هذه الآلة بندقية نسبة إليه. انظر «مفرج الكروب»: ٣/ ٢٠٧ حاشية رقم (١) نقلًا عن «تاريخ التمدن الإسلامي» لجرجي زيدان: ج ٥/ ١٥٩ - ١٦٠، و«الروضة الندية» لصديق حسن خان: ٢/ ١٨٧.
(٢) كذا رواه العز بن عبد السلام، والحديث في كراهية خذف الحصى والنهي عنه، ولفظه: «ولكنها تفقأ العين، وتكسر السن». أخرجه البخاري (٤٨٤١)، ومسلم (١٩٥٤) (٥٥) من حديث ابن مغفل، وهو في مسند أحمد (٢٠٥٦١).
(٣) «طبقات الشافعية» للسبكي: ٨/ ٢٤٢ - ٢٤٣.
[ ٩٩ ]
بيد أن الكامل لم يمتع في انتصاره، إذ لم يمض على استيلائه على دمشق سوى شهرين ونصف تقريبًا، حتى وقع فريسة مرض شديد أدى إلى وفاته في أول ليلة الخميس (٢٢) رجب سنة (^١) (٦٣٥ هـ/ ١٢٣٨ م) وحيدًا في غرفة صغيرة بدار العقيقي، لم يؤنس وحشة ساعته تلك أحد من أمرائه، وحاشيته لشدة هيبته، ولم يعلموا بموته إلا حين دخلوا عليه، فلم يحزن عليه أحد (^٢).
وسارع الأمراء، وابنا شيخ الشيوخ: عماد الدين وفخر الدين إلى الاجتماع، كي يتشاوروا فيمن يخلف الكامل في دمشق، وانفض اجتماعهم دون أن يصلوا فيه إلى قرار.
وتفاءل أهل دمشق بقرب رجوع ملكهم الناصر داود بن المعظم عيسى حاكمًا عليهم، وكان الناصر في دار سامة الجيلي، فأرسل إليه أمير أبيه عز الدين أيبك ناصحًا له بالمسارعة في كسب ولاء أمراء أبيه المعظم، قائلًا له: أخرج المال، وفرّقه في مماليك أيبك، والعوام معك وتملك البلد، ويبقى أمراء الكامل في القلعة محصورين. إلا أن الناصر داود أبطأ في فهم الرسالة.
وما إن أطل صباح يوم الجمعة حتى أعلن أمراء الكامل وفاته، واجتمعوا ثانية في القلعة، وتداولوا فيما بينهم، وكانت الآراء تحوم حول الناصر داود والجواد يونس بن مودود بن العادل، وكان عماد الدين بن شيخ الشيوخ يكره الناصر داود لما كان يظهره الناصر من الاستخفاف به في مجالس الكامل، وكان أخوه فخر الدين بن شيخ الشيوخ يميل إليه، غير أن كفّة عماد الدين كانت الأرجح في ميزان الآراء، فتم الاتفاق على الجواد يونس.
وأرسل أمراء الناصر داود الموالون له يخوفونه المقام بدمشق، قائلين له: قم واخرج، أيش قعودك في بلد القوم؟ فركب الناصر داود من باب دار سامة، واتجه نحو القلعة، فظنّ أهل دمشق أنه طالع إليها، وقد تمّ له الأمر، فلما رأوه ينحرف
_________________
(١) «عيون الأنباء»: ص ٦٧٢.
(٢) «مرآة الزمان» (وفيات سنة ٦٣٥ هـ) بتحقيقي.
[ ١٠٠ ]
معرّجًا على باب الفرج، صاحوا: لا .. لا .. وانقلبت دمشق، وخرج الناصر داود من باب الفرج نحو القابون، وسارع أمراء الجواد إلى ضرب الناس بالدبابيس، فأنكوا فيهم، فهربوا.
وفتح الجواد الخزائن، وفرَّق الأموال، وخلع الخلع، وتأليفًا لقلوب أهل دمشق أبطل المكوس، ونفى الخواطئ.
وأقام الناصر داود بالقابون أيامًا، ثم أرسل إليه الأمراء أن القوم يأتمرون بك، فسار في الليل إلى عجلون (^١).
هكذا استقرَّ الأمر بعد الكامل، فقد ولي ابنه العادل بن الكامل الديار المصرية ودمشق، والجواد يونس بن مودود نائبه فيها، وولي ابنه الأكبر الصالح نجم الدين أيوب بن الكامل الجزيرة وديار بكر وربيعة (^٢).
* * *
_________________
(١) «مرآة الزمان» (حوادث سنة ٦٣٥ هـ).
(٢) «المذيل»: ٢/ ٤٣ - ٤٤.
[ ١٠١ ]