أما دمشق، فقد كانت ما تزال تعيش بهجة الانتصار على التتار، والتخلص من كابوسهم، وقد سارعت عقب رحيل قطز عنها في عمارة ما تشعث من قلعتها، وشارك أهلها كلهم في العمل بها، من صناع وكبراء الدولة، حتى النساء شاركن في عمارتها (^١).
ولم ينغص عليها بعض بهجتها سوى تولي نجم الدين بن صدر الدين بن سني الدولة قضاءها، وربما غفرت لقطز غلطته هذه بتوليته، وقد قرئ منشور ولايته هذا المنصب في يوم الجمعة (٢١) ذي القعدة سنة (^٢) (٦٥٨ هـ/ ١٢٦٠ م) وهو المشهور بظلمه وفسقه وسوء أخلاقه ومجونه (^٣)، وتعبر دمشق عن امتعاضها في ذلك اليوم بقصيدة تهجو بها هذا القاضي الجديد، وهي لم تنس بعد إساءات أبيه صدر الدين من قبله، ولم يحفظ لنا التاريخ من هذه القصيدة إلا مطلعها:
أيها المالك المظفر والمو … لى الأمير المجير وابن وداعه (^٤)
_________________
(١) «المختصر في أخبار البشر»: ٣/ ٢٠٨، «السلوك»: ج ١/ ق ٢/ ٤٣٩.
(٢) «المذيل»: ٢/ ١٤٥.
(٣) «المذيل»: ٢/ ١٦٥، ١٦٧.
(٤) «المذيل»: ٢/ ١٦٥.
[ ٢٧١ ]
وتذكَّر القصيدة الناس بخيانة هذا القاضي يوم أودع كيسًا فيه ألف دينار، فردَّ بدله كيسًا فيه فلوس (^١)، وشتان ما بين دنانير وفلوس!
واعتادت دمشق على قضاة السوء، واعتادت على ما كان ينوبها أحيانًا من الغلاء الشديد، وكانت تعيش في تلك الفترة أحلك أيامه، فقد كان غلاء شديدًا في جميع الأشياء من المأكول والملبوس وغيرهما، وكان من أسبابه ما أحدثه الصليبيون من ضرب الدراهم المعروفة باليافية، وكانت كثيرة الغش، وقد كثرت في دمشق كثرة عظيمة، وتُحدّث في إبطالها مرارًا، فكان كل من عنده شيء منها حريصًا على إخراجه خوفًا من بطلانها، فتراه يدأب في شراء أي شيء بها، فترتفع أثمان السلع بسبب ذلك (^٢).
وتصحو دمشق فجأة من بهجتها، وقد نمي إليها خبر مقتل السلطان قطز في طريق عودته إلى مصر، غير أنَّها لم تتبين بعد من تولى السلطنة من بعده، وتحزن دمشق لمقتله، وهو صاحب النصر في عين جالوت، ويكتب أبو شامة في تاريخه بأسى: «ووصل الخبر بأن الملك المظفر قطز الذي ملك مصر والشام وكسر التتار قتل في رجوعه من الشام إلى مصر قبل دخوله مصر بين الغرابي والصالحية … والله تعالى يولي على المسلمين من يهتم بنصرة الإسلام، وإقامة شريعة النبي ﵇، وكان قطز هذا موصوفًا بمواظبة الصلوات، والشجاعة، وتجنب شرب الخمر، ﵀» (^٣).
كان قطز بارقة أمل خبت، ويشهد أبو شامة من جديد مأساة انقلاب الأفراح إلى أتراح، ألم يقتل تورانشاه بن الصالح نجم الدين أيوب عقب الانتصار على الصليبيين في معركة المنصورة؟ وها هو الآن يقتل قطز عقب الانتصار على التتار
_________________
(١) «المذيل»: ٢/ ١٦٥.
(٢) «المذيل»: ٢/ ١٥٨.
(٣) «المذيل»: ٢/ ١٥٤ - ١٥٥.
[ ٢٧٢ ]
في عين جالوت، يا لعجائب هذه الأمة التي لا تنقضي، ويكتب أبو شامة في تاريخه: «فبين هاتين الأعجوبتين المتشابهتين نحو من عشر سنين إلا أن السابقة كانت في أوائل سنة ثمان وأربعين، وهذه المتأخرة كانت في أواخر سنة ثمان وخمسين، والله تعالى يحسن العاقبة» (^١).
إنها أعجوبة حقًا، وتتابع دمشق حياتها، منتظرة ما ستسفر عنه هذه الأحداث.
وكان الظاهر بيبرس يوم جلس بالإيوان من قلعة الجبل بالقاهرة قد كتب إلى الملوك والنواب يخبرهم بسلطنته (^٢)، وقد ورد هذا الخبر إلى دمشق في أوائل ذي الحجة سنة (٦٥٨ هـ/ ١٢٦٠ م) فامتعض من ذلك الأمير علم الدين سنجر، وأنف من طاعة بيبرس (^٣)، فجمع الأمراء، وحلفهم لنفسه، فأجابوه كلهم، لم يتأخر عنه أحد، ولقب نفسه بالملك المجاهد، وخُطب له بالسلطنة، وضربت الدراهم باسمه إيذانًا بانفصاله عن القاهرة، وكاتب الملك المنصور صاحب حماة يدعوه إلى مبايعته، فلم يستجب له، قائلًا: أنا مع من يملك الديار المصرية كائنًا من كان (^٤).
ولما رأى علم الدين سنجر أن أحدًا من ملوك الأطراف لم يبايعه (^٥) حاول تخفيف وقع انفصاله عن القاهرة، فأمر بأن يخطب للظاهر بيبرس بدمشق يوم الجمعة سادس ذي الحجة سنة (٦٥٨ هـ/ ١٢٦٠ م) ثم يذكر اسمه من بعده، وضربت
_________________
(١) «المذيل»: ٢/ ١٥٥.
(٢) «السلوك»: ج ١/ ق ٢/ ٤٣٨.
(٣) المصدر السالف.
(٤) «المختصر في أخبار البشر»: ٣/ ٢٠٨، «الوافي بالوفيات»: ١٥/ ٤٧٤.
(٥) «السلوك»: ج ١/ ق ٢/ ٤٤٠.
[ ٢٧٣ ]
الدراهم باسمهما (^١)، وكأنه بذلك يعلن تبعيته الاسمية للقاهرة، غير أن الظاهر بيبرس لم يقنع بهذا، وراح يتربص لإعادة ضم دمشق إلى مملكته.
في تلك الأثناء كانت منزلة أبي شامة في دمشق في ارتفاع، ومؤلفاته قد اشتهرت، وكثرت النسخ بها (^٢)، فقد كان من قلة قليلة من العلماء الذين ثبتوا في دمشق حين دهمها التتار، ولم يجفل منها مع من جفل من أهلها.
ثم إنه تعرض لمحنة كادت تودي بحياته، وقد أنجاه الله منها (^٣)، فقد بات أبو شامة لأول مرة في حياته يتقدم الصفوف ليصلي إمامًا على من يموت من أعيان دمشق ومشايخها وزهادها، وهي منزلة لا يدركها إلا عالم كبير قد انعقدت القلوب على محبته وإجلاله.
ففي (١٧) ذي الحجة سنة (٦٥٨ هـ/ ١٢٦٠ م) توفي العفيف بن رحمة، وهو رجل صالح، كان خياطًا في محل مجاور لجامع دمشق، فصلى عليه أبو شامة إمامًا خارج باب النصر، وحضر دفنه بمقابر الصوفية العليا (^٤)، وفي طريق عودته مر بدار الحديث الأشرفية، وقد انقطع عنها زمنًا طويلًا لانشغاله في بستانه، فهاله ما أصابها من خراب صورة ومعنى على حدّ تعبيره (^٥)، فقد استولى المتنفذون على أوقافها يأكلونه، فتشعث بناؤها وتهدم، وقلَّ الاشتغال بالعلم فيها، وكان يتولى مشيختها في ذلك الوقت القاضي الخطيب عماد الدين عبد الكريم بن القاضي جمال الدين بن الحرستاني (^٦)، ويعود بخياله إلى ما كانت عليه من بهاء يوم كان يختلف إليها قبل
_________________
(١) «المذيل»: ٢/ ١٥٦.
(٢) «المذيل»: ١/ ١٤١.
(٣) انظر ص ٢٥١، ٢٦١ - ٢٦٢ من هذا الكتاب.
(٤) «المذيل»: ٢/ ١٥٦.
(٥) المصدر السالف.
(٦) «المذيل»: ٢/ ١٩٥.
[ ٢٧٤ ]
نحو ربع قرن يقرأ على شيخها يومئذ الفقيه الحافظ تقي الدين عثمان بن الصلاح (^١)، فتجيش في نفسه هذه الذكرى، فإذا به ينظم أبياتًا يقولها بديهة، يتحسر فيها على حالها:
لست بدار حديث … ولا بمغني فلاح
من بعد ما مات زنطا … ر والتقى ابنُ الصلاح
هذاك للوقف والشي … خ للعلوم الصحاح (^٢)
وزنطار هذا كان يعرف بالحاج زنطار، وكان الملك الأشرف واقف دار الحديث قد اعتمد عليه في عمارة الدار ووقفها، والنظر في ذلك، وفي خدمة الأثر الشريف النبوي فيها (^٣)، فكان رزقها في أيامه متوافرًا، واختل ذلك بموته كما اختل الاشتغال بالعلم فيها بعد موت الشيخ ابن الصلاح (^٤).
كان أبو شامة يرثي لحال دار الحديث الأشرفية، وما عليها من إهمال وخراب، وقلبه يتميز غيظًا من هؤلاء المنتفعين الذين لا هم لهم إلا مصالحهم الضيقة ورفاهية حياتهم، ولو كان في حياتهم موت العلوم والمدارس، ولكي تحيا لا بد من الوقوف في وجه أطماعهم، وتعريتهم وفضحهم على الملأ، وإن كانوا مختبئين تحت عمائم العلماء وطيالسهم.
وستصبح من بعد قضية الأوقاف والاستيلاء عليها شغل أبي شامة الشاغل. بعد ذيوع خبر مقتل السلطان قطز حسب التتار أن لحظة انتقامهم من هزيمة عين جالوت قد دنت، فجمع بيدرا فلول كتائب التتار من أطراف الشام والعراق مع من
_________________
(١) انظر ص ٩٤ من هذا الكتاب.
(٢) «المذيل»: ٢/ ١٥٦.
(٣) كان فيها نعل النبي ﷺ، انظر «الوافي بالوفيات»: ٧/ ١٧٦ - ١٧٧.
(٤) «المذيل»: ٢/ ١٥٦ - ١٥٧.
[ ٢٧٥ ]
كان منهم بحران وغيرها من بلاد الجزيرة، فبلغوا نحو ستة آلاف فارس، وزحف بهم إلى البيرة، وهزم الفئة القليلة التي أرسلها لصدة الملك السعيد علاء الدين نائب حلب، وكانت تلك الهزيمة من أسباب ثورة المماليك العزيزية والناصرية عليه (^١).
وتقدم التتار نحو حلب، وقد جفل عنها أهلها (^٢)، فاحتلوها بعد أن بادر بالجلاء عنها إلى حماة نائبها الجديد حسام الدين لاجين العزيزي، ثم سار التتار إلى حماة، فتقهقر عنها إلى حمص صاحبها الملك المنصور محمد والأمير لاجين العزيزي (^٣)، فقصد التتار حمص، فبرز إليهم صاحبها الملك الأشرف موسى، وقد اجتمع إليه نحو ألف وأربع مئة فارس (^٤)، وواقع التتار مع حلفائه يوم الجمعة (٥) محرم سنة (٦٥٩ هـ/ ١٢٦٠ م) على الرستن، فكسر التتار كسرة عظيمة، وقتل منهم نحو ألف فارس، ولم يقتل من المسلمين سوى رجل واحد (^٥)، وضربت البشائر بذلك، وحملت بعض رؤوس القتلى إلى دمشق (^٦)، حيث طيف بها في (١٣) محرم في أسواقها، وهي مرفوعة على عصي بأيدي الصبيان، يجبى عليها الفلوس (^٧).
لم يعد التتار يخيفون حتى الصبيان، بل أصبحوا هم الخائفين، لقد ذلوا بعد معركة عين جالوت ومعركة حمص، فطمع المسلمون فيهم، وانتقل إلى التتار من الخوف ما كان عند المسلمين منهم (^٨).
_________________
(١) «السلوك»: ج ١/ ق ٢/ ٤٤٢، و«المذيل»: ٢/ ١٥٨، و«المختصر في أخبار البشر»: ٣/ ٢٠٨ - ٢٠٩.
(٢) «المذيل»: ٢/ ١٥٨.
(٣) «المختصر في أخبار البشر»: ٣/ ٢٠٩.
(٤) «السلوك»: ج ١/ ٢/ ٤٤٢.
(٥) «المذيل»: ٢/ ١٥٨.
(٦) «السلوك»: ج ١/ ق ٢/ ٤٤٢.
(٧) «المذيل»: ٢/ ١٥٩.
(٨) «نزهة المقلتين»: ورقة ٥٢.
[ ٢٧٦ ]
لم تنعم دمشق بهزيمة التتار حتى كان الظاهر بيبرس قد أعد خطته لإعادة ضمها إلى مملكته، فأرسل إليها الأمير جمال الدين المحمدي، ومعه الأموال الجزيلة لاستمالة أمرائها (^١)، وأردفه بعسكر مع الأمير علاء الدين إيدكين البندقدار لقتال سلطانها علم الدين سنجر (^٢).
وقدم الأمير جمال الدين المحمدي دمشق، ودخلها في (٣) صفر سنة (٦٥٩ هـ/ ١٢٦١ م) وعمل على استمالة أمرائها ببذله لهم الأموال، فاستجاب له الأمراء القيمرية، وبايعوا الملك الظاهر (^٣)، وخرجوا من دمشق معلنين عصيانهم على علم الدين سنجر، فبعث إليهم سنجر عسكرًا، فهزموه، فخرج هو بنفسه، وحمل بأصحابه، ففروا منه، ثم كروا عليه (^٤)، فلما خرج إليهم كان عسكر مصر قد وصل، فاقتتل معهم بظاهر دمشق، ووجد علم الدين سنجر نفسه وحيدًا في معركة غير متكافئة، فولى منهزمًا مع أصحابه، والتجأ إلى قلعة دمشق يوم السبت (١١) صفر سنة (٦٥٩ هـ/ ١٢٦١ م) ممتنعًا بها (^٥)، ودخل الأمير علاء الدين إيدكين دمشق، وملكها، وحلف الأمراء للملك الظاهر (^٦).
وخاف علم الدين سنجر على نفسه وهو محاصر بالقلعة (^٧)، ففر منها ليلة الأحد (١٢) صفر إلى قلعة بعلبك (^٨)، فتبعه العسكر إلى هناك، وقبضوا عليه، ثم حملوه إلى الديار المصرية، فاعتقل بقلعة الجبل بالقاهرة (^٩).
_________________
(١) «السلوك»: ج ١/ ق ٢/ ٤٤٤.
(٢) «المختصر في أخبار البشر»: ٣/ ٢١٠.
(٣) «السلوك»: ج ١/ ق ٢/ ٤٤٤.
(٤) المصدر السالف.
(٥) المصدر السالف.
(٦) «السلوك»: ج ١/ ق ٢/ ٤٤٥.
(٧) المصدر السالف.
(٨) «المذيل»: ٢/ ١٥٩.
(٩) «السلوك»: ج ١/ ق ٢/ ٤٤٥.
[ ٢٧٧ ]
وكان له في دمشق أعوان ظلمة، منصوبون لمصادرة الناس، فقبض عليهم (^١).
واستقرت دمشق في ملك الظاهر بيبرس، وانقاد الجميع لسلطنته لقوته بالمال والرجال على حد تعبير أبي شامة (^٢)، فأقيمت الخطبة له بحماة وحلب وحمص وغيرها من بلاد الشام (^٣).
وكان الظاهر قد قرر الأمير علاء الدين إيدكين البندقدار على نيابة دمشق (^٤)، وأقام الأمير علاء الدين طيبرس الوزيري في قلعتها، ثم بعد نحو شهر صرف (^٥) إيدكين، وولاها الأمير طيبرس.
وأمر الظاهر بيبرس بعمارة ما خربه التتار من قلاع بلاد الشام، وحملت الغلال (^٦) الوفيرة إلى دمشق لما تعانيه من الغلاء الشديد.
_________________
(١) «المذيل»: ٢/ ١٥٩.
(٢) المصدر السالف.
(٣) «المختصر في أخبار البشر»: ٣/ ٢١٠.
(٤) المصدر السالف.
(٥) «السلوك»: ج ١/ ق ٢/ ٤٤٥.
(٦) «السلوك»: ج ١/ ق ٢/ ٤٤٦.
[ ٢٧٨ ]