أقام الظاهر بيبرس في دمشق، وقد خلا باله من هم الخليفة، يدبر شؤونها، وأقر على نيابتها الأمير علاء الدين طيبرس الوزيري (^١).
وكان أهل دمشق قد ضجوا بالشكوى من قاضيها نجم الدين محمد بن صدر الدين أحمد ابن سني الدولة، ولم تقتصر شكواهم على ظلمه، وهو عام، بل تعداه إلى فسقه وخلاعته، وذكرهم فسقه بالقاضي الهالك رفيع الدين الجيلي (^٢)، وكانت الشكوى منه قد بلغت مسامع الظاهر بيبرس بالقاهرة، فعزم على عزله (^٣)، وبذل نجم الدين أموالًا جمة رشوة لكي يبقى في منصبه، فلم يستجب له (^٤)، وعزل يوم الخميس (٨) ذي الحجة سنة (٦٥٩ هـ/ ١٢٦١ م) وألزم بالإقامة الجبرية، وولى الظاهر القضاء شمس الدين أحمد بن محمد بن إبراهيم بن خَلِّكَان، وكان قد
_________________
(١) «السلوك»: ج ١/ ق ٢/ ٤٦٥.
(٢) «المذيل»: ٢/ ١٦٥.
(٣) «ذيل مرآة الزمان»: ٢/ ١٢٤.
(٤) «المذيل»: ٢/ ١٦٦.
[ ٢٨٧ ]
اصطحبه معه إلى دمشق ليوليه هذا المنصب (^١)، بعد أن كان ينوب عن القاضي بالقاهرة سنين كثيرة (^٢).
وجلس ابن خلكان بإيوان المدرسة العادلية الكبرى، حيث كان مجلس الحكم (^٣)، وأمر نجم الدين بالسفر إلى الديار المصرية، فخرج إليها معتقلًا يوم الخميس (١٥) ذي الحجة سنة (٦٥٩ هـ/ ١٢٦١ م) وشيعه الناس بالدعاء عليه، فقد كان حاكمًا فاجرًا ظالمًا متعديًا، فاستراح منه العباد والبلاد (^٤).
وكما استقبل هذا القاضي الفاسق بقصيدة هجاء وُدّع بقصيدة هجاء، وقد أنشدها أبا شامة ناظمها العماد بن داود الحموي، مشيرًا للقاضي الجديد ابن خلكان بأنه شمس قد أحرقت نجمًا، تفاؤلًا بعدله، يقول فيها:
نجم أتاه ضياءُ الشَّمْسِ فَاحْتَرَقَا … وراح من لُجَجِ الإدبار قد غرقا
ناحت عليه الليالي وهي شامتة … وعرفته صروف الدهر ما اختلقا
وحدثته الأماني وهي كاذبة … بأنه لا يرى بعد النعيم شَفَا
وجاد بالمال كي تبقى رياسته … وفَتَّقَ الشَّرْعَ والتَّقْوى وما رَتَقا
فجاءه سَهْمُ غَرْبٍ جَلَّ مُرْسِلُهُ … فمات معنى وما أخطاه مَنْ رَشَقًا
وألقيت في قلوبِ النَّاسِ بُغْضَتُهُ … لكنهم قد غَدَوْا فِي ذَمِّهِ فرقا
فَفِرْقَةٌ بقبيح الظُّلْمِ تَذْكُرُهُ … وفِرْقَةٌ حَلَفَتْ بالله قد فَسَقَا
وفِرْقَةٌ سَلَبَتْهُ ثَوْبَ عِصْمَتِهِ … بأنَّه من رِبَاطِ الدِّين قد مَرَقا
وراح قسرًا إلى مِصْرٍ على عَجَلٍ … موافقًا للذي من قبله سَبَقَا (^٥)
_________________
(١) «ذيل مرآة الزمان»: ٢/ ١٢٤.
(٢) «المذيل»: ٢/ ١٦٥.
(٣) المصدر السالف، وانظر ص ٤٧ من هذا الكتاب.
(٤) المصدر السالف.
(٥) يشير بذلك إلى القاضي المعزول الذي سبقه إلى مصر محيي الدين ابن الزكي، انظر ص ٢٦٥ من هذا الكتاب.
[ ٢٨٨ ]
مفارقًا لنعيم كان مُنْغَمِسًا … فيه ولذَّةِ نوم بُدِّلَتْ أَرَقا (^١)
ولا يبعد أن أبا شامة كان يهتز طربًا، وقد انفرجت أساريره، لمعاني هذه القصيدة، التي عبرت عما في نفسه تجاه هذا القاضي الفاسق، وطابت قريحته، فزاد في القصيدة بيتًا:
وَفِرْقَةٌ وَصْفُهُ بالخَلاعَةِ مَعْ … خُبْثٍ وَكِبْرٍ فَكُلُّهُمْ صَدَقا (^٢)
وتعني هذه القصيدة فيما تعني أن الاستياء من القضاة الظلمة الفسقة قد بلغ نهايته، ولم يعد يطاق السكوت عنه.
وفي يوم الجمعة (١٦) ذي الحجة سنة (٦٥٩ هـ/ ١٢٦١ م) غداة سفر القاضي المعزول، قُرئ بالشباك الكمالي بجامع دمشق، وأبو شامة حاضر، تقليد القضاء لابن خلكان، ويتضمن أنه فوض إليه الحكم في جميع بلاد الشام من العريش إلى سلمية، يستنيب فيها من يراه، وفوض إليه النظر في أوقاف جامع دمشق والمصالح والبيمارستان والمدارس وغيرها، مما كانت تحت الحاكم المعزول، وفوض إليه تدريس سبع مدارس كانت تحت يد الحاكم المعزول كذلك، وهي العذراوية والعادلية والناصرية والفلكية والركنية والإقبالية والبهنسية (^٣).
وفي يوم السبت (١٧) ذي الحجة سنة (٦٥٩ هـ/ ١٢٦١ م) خرج الظاهر بيبرس من دمشق عائدًا إلى مصر بعد أن اطمأن إلى ترتيب أمورها (^٤).
* * *
وارتاح أبو شامة كما ارتاح أهل دمشق بانقلاع القاضي نجم الدين، ولربما أحسّ وهو يسمع تقليد ابن خلكان القضاء في الشباك الكمالي بجامع دمشق ببدء
_________________
(١) «المذيل»: ٢/ ١٦٦ - ١٦٧.
(٢) «المذيل»: ٢/ ١٦٧.
(٣) المصدر السالف.
(٤) المصدر السالف.
[ ٢٨٩ ]
عهد جديد، ولربما عادت به ذاكرته إلى سنة (٦٣٢ هـ/ ١٢٣٥ م) حين التقى ابن خلكان أول مرة بحلقة شيخه تقي الدين ابن الصلاح في دار الحديث الأشرفية (^١)، وكان قد قدم دمشق في تلك السنة، وأقام بها عامًا واحدًا، يقرأ فيها على الشيخ ابن الصلاح، ثم رجع بعدها إلى حلب (^٢)، ومنها سافر إلى مصر، وأقام بها تلك السنين (^٣) كلها حتى قدم الآن دمشق قاضيًا لبلاد الشام.
ولعل أبا شامة قد أمل به خيرًا في إصلاح القضاء في هذا العهد الجديد، فلن تصلح حياة المسلمين ما دام قضاؤهم فاسدًا، بل إنَّ فساد القضاء هو أس الفساد كله، ولا قوام للمجتمع إلا بقهر ملك وعدل قاض كما كتب مرة (^٤)، قهر ملك يحفظ الأمن، ولم تعدم الأمة هؤلاء الملوك القاهرين، وعدل قاض يحفظ الحق، وقد طال انتظار الأمة وهي ترقب مجيء هؤلاء القضاة العادلين.
وما كان أبو شامة لينتظر في هذا العهد الجديد، وهو يؤمل فيه ما يؤمل، منصبًا يعيد إليه اعتباره، وهو عالم دمشق الكبير، والفقيه الذي بلغ مرتبة الاجتهاد (^٥) وهي مرتبة لم يبلغها أحد من معاصريه، لقد نفض يديه من المناصب كلها، وها هو يعيش في عزلته الهادئة مع أسرته، يزرع بستانه، ويفلح أرضه، ليتقوت من ثماره (^٦)، بل إنّه قد أصاب شيئًا من الثروة من عمله ذاك، وغدا بستانه، وقد اتسعت أرضه، في أيام الغلاء والشدة ملجأ للفقراء واليتامى يجدون في ثماره ما يعينهم على فقرهم ويتمهم (^٧).
_________________
(١) انظر ص ٩٥ من هذا الكتاب.
(٢) «وفيات الأعيان»: ٣٣/ ٧ من مقدمة د. إحسان عباس.
(٣) «وفيات الأعيان»: ٣٤/ ٧ من مقدمة د. إحسان عباس.
(٤) «المذيل»: ١/ ١٥٢.
(٥) «المذيل»: ١/ ١٤٥.
(٦) انظر ص ١٩٠ من هذا الكتاب.
(٧) انظر ص ٢٥١ من هذا الكتاب.
[ ٢٩٠ ]
وها هو ذا قد قر عينًا أخيرًا بتزويج ابنته فاطمة، وقد بلغت الثامنة والعشرين من عمرها (^١) من عبد الرحمن بن محمد بن علي البكري (^٢)، وهو من أسرة كريمة، كان والده قد قدم من مراكش في المغرب إلى دمشق (^٣)، وجمعه بأبي شامة حب العلم.
وبدأ ابن خلكان مهام منصبه الجديد بالتعرف إلى علماء دمشق وأعيانها، وهو الغريب عنها، ليستعين بهم على مهامه الكثيرة، من تعيين نواب له لمراجعة الأحكام والفصل في القضايا، وضبط الأوقاف، ولتنصيب معيدين له في المدارس التي يتولاها (^٤).
ويلتقي فيمن يلتقي أبا شامة، مفتي الشام والعدل الثبت بعد طول غياب، وكان ابن خلكان في نحو الواحدة والخمسين من عمره، وأبو شامة في الستين.
وبما عُرف عن أبي شامة من صدق اللهجة، والصدع بالحق يصارح القاضي ابن خلكان بما آلت إليه أحوال الأوقاف في دمشق (^٥) من تبديد لأموالها، واختلاس لها، وتولية مناصب الإقراء والتدريس غير المؤهلين لها، ولربما باح له كيف أبعد ظلمًا عن مشيخة الإقراء في تربة أم الصالح، وعليه كان ينطبق شرط واقفها (^٦)، إذ المناصب لم تعد تنال إلا بالتذلل والتملق لأولي الأمر، وبذل المال لهم، مما
_________________
(١) ولدت فاطمة في سنة (٦٣١ هـ/ ١٢٣٤ م)، انظر ص ٩٤ من هذا الكتاب.
(٢) «المذيل»: ٢/ ١٧٢.
(٣) «المذيل»: ٢/ ٢٠١.
(٤) «وفيات الأعيان»: ٧/ ٤٠ - ٤١ من مقدمة د. إحسان عباس.
(٥) أشار إلى ذلك في قصيدته الفلاحة الرائية، انظر «المذيل»: ٢/ ١٨٦.
(٦) انظر ص ١٣٥ - ١٣٨ من هذا الكتاب.
[ ٢٩١ ]
جعله ينأى بنفسه عنها، ويعتزل التدريس والتكسب من مال الوقف، قانعًا من دنياه بأرضه يفلحها ويزرعها، ويتقوت من ثمارها (^١).
ولم تكن مواقف أبي شامة من القضاة الجائرين خافية على ابن خلكان، فقد كان يتناهى إلى سمعه منها أشياء، وهو في مصر، بل إن بعض الحاقدين على أبي شامة قد شوه بعض هذه المواقف زورًا وبهتانًا (^٢).
وما كان أبو شامة يرمي من وراء هذا البوح أن يسند إليه ابن خلكان منصبًا يتناسب ومنزلته العلمية، فهو محب للعزلة والانفراد، متجنب المزاحمة على المناصب، لا يؤثر على العافية والكفاية شيئًا (^٣)، غير أن ابن خلكان ربما رغب حقًا في إنصافه، فعزم عليه أن يخرج من عزلته، ويتولى التدريس من جديد، ولربما قبل أبو شامة بعد تمنع ما عرضه عليه ابن خلكان، إظهارًا لحسن ظنه به، وهو يفتتح عهده الجديد، وهكذا عينه ابن خلكان نائبًا عنه في المدرسة الركنية الجوانية (^٤).
ونتساءل حقًا: لم اختار له ابن خلكان من المدارس التي تحت يده هذه المدرسة، وهي من أصغرها، ولم يعينه نائبًا عنه في المدرسة العادلية، أو الناصرية، وهما من أكبرها؟ وهل شعر أبو شامة ببعض خيبة أمل وهو يتولى التدريس في هذه المدرسة؟ وهل كانت نفسه تتشوف لغيرها؟
ولربما فوجئ أبو شامة بابن خلكان، وهو يعين بدر الدين المراغي نائبًا عنه في المدرسة العادلية (^٥)، وهو يعرف المراغي متمكنًا من علم الجدل والخلاف على
_________________
(١) انظر ص ١٨٩ - ١٩٠ من هذا الكتاب.
(٢) أشار إلى ذلك في قصيدته الفلاحة الرائية، انظر «المذيل»: ٢/ ١٨٦.
(٣) «المذيل»: ١/ ١٤٩.
(٤) «المذيل»: ٢/ ١٦٨.
(٥) وفيات الأعيان: ٧/ ٤١ من مقدمة د. إحسان عباس.
[ ٢٩٢ ]
اصطلاح المتأخرين، غير أنَّه قليل الدين، تارك للصلاة (^١)، ويعين ابن خَلَّكان على عمالة جامع دمشق وعمالة مخزن الأيتام شابًا حسن الصورة، هو العفيف بن أبي الفوارس (^٢)، وفي دمشق من يفوقه حذقًا بهذه الصناعة (^٣).
وفي يوم الأربعاء (١٢) محرم سنة (٦٦٠ هـ/ ١٢٦١ م) يفتتح أبو شامة درسه الأول في المدرسة الركنية الجوانية، منهيًا عزلة دامت نحو خمس سنين (^٤)، وقد قرأ فيه من مختصر المزني، وكان الحضور فيه قليلًا اقتصر فيه على القاضي ابن خَلَّكان وغيره، هكذا بصيغة الإبهام كما يسجل أبو شامة في تاريخه «المذيل على الروضتين» (^٥)، وهو إبهام ربما يشي ببعض الانزعاج، فقد تعودنا في أمثال هذه المناسبات أن يحضر العلماء والأعيان، وأحيانًا الأمراء.
ولربما في هذه الفترة، ولكي يكون قريبًا من المدرسة الركنية يتخذ أبو شامة مسكنًا له في حي من أحياء دمشق، هو دار العطافية، غربي المدرسة العادلية (^٦).
وتتلقى دمشق بقلب حزين خبر وفاة عالمها الجليل شيخ الإسلام عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام في القاهرة يوم الأحد (١٠) جمادى الأولى سنة (^٧) (٦٦٠ هـ/ ١٢٦٢ م) بعد حياة حافلة بجهاد المستبدين والفاسدين، واحتشدت القاهرة لتشييعه بأمرائها وعلمائها وأعيانها وعامتها، حتى إن السلطان الظاهر بيبرس نزل من القلعة، وصلى عليه مع الناس بالقرافة (^٨).
_________________
(١) «المذيل»: ٢/ ١٧١.
(٢) «المذيل»: ٢/ ١٩٦.
(٣) أشار إلى ذلك في قصيدته الفلاحة الرائية، انظر «المذيل»: ٢/ ١٨٦.
(٤) انظر ص ١٨٩ من هذا الكتاب.
(٥) «المذيل»: ٢/ ١٦٨.
(٦) «المذيل»: ٢/ ١٩٠.
(٧) «المذيل»: ٢/ ١٧٠ - ١٧١.
(٨) «المذيل»: ٢/ ١٧١.
[ ٢٩٣ ]
وفي جامع التوبة بالعقيبة بدمشق - حيث كان ابنه يخطب - أقيم عزاؤه يوم الاثنين (٢٥) جمادى الأولى (^١)، وفي يوم الجمعة صُلِّي عليه صلاة الغائب في جامع دمشق وغيره من الجوامع بالشام، ويسمع أبو شامة، وهو في جامع دمشق، النصير المؤذن ينادي عقب الفراغ من صلاة الجمعة: الصلاة على الفقيه الإمام، شيخ الإسلام، عز الدين بن عبد السلام (^٢).
ولربما عادت بأبي شامة ذاكرته، وهو يسمع نداء الصلاة عليه، إلى لقائه في صباه بالشيخ عز الدين في جامع دمشق في حلقة شيخه علم الدين السخاوي (^٣)، ومصاحبته له في دمشق حتى إخراجه منها منفيًا قبل نحو اثنتين وعشرين سنة (^٤)، ولربما تساءل: من لهذه الأمة بشيخ يصدع بالحق كما كان الشيخ عز الدين يصدع، بعد أن سكتت ألسنة العلماء خوفًا وطمعًا؟ ..
ولربما خفف من حزنه على وفاة الشيخ عز الدين ما استقبله من خبر بعد نحو شهر، في ليلة الأحد آخر جمادى الآخرة سنة (٦٦٠ هـ/ ١٢٦٢ م) من ولادة أول حفيد له، هو سبطه الحسن بن عبد الرحمن بن محمد بن علي البكري من ابنته فاطمة، فيدعو الله أن يجعله مباركًا (^٥).
وتتوالى الأيام، وهو في المدرسة الركنية يلقي فيها دروسه، ويختلف في بعض ساعاتها إلى المدرسة العادلية الكبرى، حيث يجلس وهو أحد العدول بإيوان مجلس الحكم، ويلتقي القاضي ابن خلكان، ويسائله أحيانًا عن بعض الأخبار التي ترد من مصر لعلمه بخفاياها (^٦).
_________________
(١) «المذيل»: ٢/ ١٧٠ - ١٧١.
(٢) «المذيل»: ٢/ ١٧١.
(٣) انظر ص ٢٥ من هذا الكتاب.
(٤) انظر ص ١١٦ من هذا الكتاب.
(٥) «المذيل»: ٢/ ١٧٢.
(٦) انظر «المذيل»: ٢/ ١٧٣.
[ ٢٩٤ ]