لما فتحت بعلبك، وتمهَّد الأمر للسلطان الصالح أيوب، فكر في القدوم إلى دمشق التي عانت من ويلات الحصار، فبعث إلى نائبه فيها الأمير حسام الدين بن أبي علي - وكان من أهل ثقته - يطلب منه القدوم إلى القاهرة، ليستنيبه فيها، وأرسل إلى دمشق عوضًا عنه الصاحب جمال الدين يحيى بن مطروح، فاتفق وصوله إليها يوم سفر حسام الدين منها (^١).
وحين وصل الأمير حسام الدين إلى القاهرة استنابه بها الصالح أيوب، وبسائر الديار المصرية، وأنزله بدار الوزارة، وفوَّض أمور الملك كلها إليه، وأقامه في ذلك مقام نفسه.
ثم سافر الصالح أيوب إلى دمشق (^٢)، فدخلها يوم الخميس (١٩) ذي القعدة سنة (٦٤٤ هـ/ ١٢٤٧ م) وقد تزينت له، وخرج الناس لاستقباله (^٣).
وتأليفًا لقلوب أهلها، وتضميدًا لجراحاتهم، ولما نالهم من فقر وغلاء أثناء الحصار راح يفرّق الأموال على أغنيائها وفقرائها، ويتصدَّق على مدارسها وربطها،
_________________
(١) «مفرج الكروب»: ٥/ ٣٧٢ - ٣٧٣.
(٢) «مفرج الكروب»: ٥/ ٣٧٣.
(٣) «المذيل»: ٢/ ٨١ - ٨٢.
[ ١٤٩ ]
فوزع على أرباب بيوتاتها أربعين ألف درهم، وخلع على أعيانها الخلع السنية (^١). وفرق على الفقراء نحو تسعين ألف درهم، غير أنه لم يصل إلى أيديهم منها إلا القليل، إذ أغار عليها مَنْ تصدَّى لتوزيعها من أعوان قاضي القضاة صدر الدين ابن سني الدولة (^٢).
وانفجر أبو شامة غضبًا، وهو يرى أيدي الفقراء تعود صفرًا إلى جيوبهم، بينما أعوان القاضي صدر الدين ينتهبون مالهم دون رقيب أو حسيب، ملوثين هذا العهد الجديد بهذه الخيانة، فنظم قصيدة الصدقات (^٣) بنحو أربع مئة بيت، كاشفًا بها أسماء أعوان هذا القاضي، فاضحًا حالهم، غير مبالٍ بما قد تجره عليه عداوتهم له، ولم يصل إلينا من هذه القصيدة التي يبدو أنها ذاعت في تلك الأيام سوى بيت واحد، ذكره أبو شامة في ترجمة أحد هؤلاء الأعوان، وهو رضي الدين ابن النجار، فقال:
ومنهم ابن النجار الأعرج سمسا … ر القضايا في دار قاضي القضاة (^٤).
فهل كان أبو شامة يعلن بإذاعة هذه القصيدة أنه لن يصمت بعد اليوم عن الفساد والمفسدين، وأنه سيحاربهم ويفضحهم؟ ..
* * *
وكان قد قدم مع الصالح أيوب من مصر الأمير ضياء الدين أبو الحسين محمد بن إسماعيل بن عبد الجبار، ويعرف بابن أبي الحجاج المقدسي (^٥)، صاحب ديوان الجيش، وكان ذا اطلاع واسع على التاريخ (^٦)، وأتاح له منصبه وقربه من
_________________
(١) «مرآة الزمان» (حوادث سنة ٦٤٤ هـ).
(٢) «المذيل»: ٢/ ٨٢.
(٣) «المذيل»: ٢/ ١٣٨.
(٤) المصدر السالف.
(٥) «المذيل»: ٢/ ٨٢.
(٦) «المذيل»: ٢/ ٩٣.
[ ١٥٠ ]
رجالات الدولة أن يكون على معرفة دقيقة بأحداث عصره، وقد نزل بالمدرسة العادلية الكبرى (^١)، وهناك خلا به أبو شامة، وكان التاريخ ثالثهما.
وأعجب أبو شامة حقًا أثناء مذاكرته له بسعة علمه بهذا الفن، حتى قال فيه يومًا: «لم ألق أحدًا يعرف علم التاريخ مثله» (^٢)، ودوّن عنه أخبارًا أودعها في أوراقه (^٣)، ولربما في أثناء هذه المذاكرات قد أطلعه أبو شامة على ما تجمع لديه من أخبار دولتي نور الدين وصلاح الدين، وأنه بصدد تأليف كتاب عنهما، وباح له بحبه الكبير لهما، وأنه يتمنى أن يأتي سلطان يترسم خطاهما، ولربما استعادا أخبار عصرهما، وما آلت إليه الأمور من ارتكاس وعجز، فهل رأيا في ذلك اليوم أنَّ الصالح أيوب هو الأقرب إلى منهج صلاح الدين وهو يعيد وحدة بلاد الشام ومصر؟ فجيشه الآن بقيادة فخر الدين يوسف بن شيخ الشيوخ ينازل طبرية لفتحها (^٤) بعد أن تنازل عنها للصليبيين الصالح إسماعيل، فهل يعيشان حقًا تباشير عهد جديد؟
* * *
كان الصالح أيوب في تلك الأثناء يعيد للبلاد وحدتها، فبعد أن أقام بدمشق خمسة عشر يومًا (^٥) خرج إلى بعلبك يرتب أمورها، ويأمر بإصلاح سورها وتحصينها، ثم أحب أن يحمي دمشق من كلِّ طارق، فاستولى على ما يجاورها من حصون قد تهددها، فصالح عز الدين أيبك - وكان من أعدائه وتسلم منه حصن صرخد، ثم توجه إلى بانياس، وتسلّم من ابن عمه السعيد بن العزيز بن العادل حصن الصبيبة، ثم تسلم من الناصر داود حصن الصلت (^٦).
_________________
(١) «المذيل»: ٢/ ٨٢.
(٢) «المذيل»: ٢/ ٩٣.
(٣) انظر «كتاب الروضتين»: ٤/ ٤٨٣، و«المذيل»: ١/ ٢٧١ - ٢٧٠.
(٤) «مفرج الكروب»: ٥/ ٣٧٨.
(٥) «المذيل»: ٢/ ٨٢.
(٦) «مرآة الزمان» (حوادث سنة ٦٤٤ هـ)، «المذيل»: ٢/ ٨٢.
[ ١٥١ ]
ولما اطمأن إلى أمر دمشق عاد إلى مصر، وفي طريقه مر على القدس، وفرق على أهلها ألفي دينار مصرية، وكان سورها قد خَرَّبه عمه المعظم عيسى منذ سنة (٦١٦ هـ/ ١٢١٩ م) فأمر بعمارته (^١).
ولم يمض على رجوع الصالح أيوب إلى مصر سوى شهر أو أشف حتى قرعت طبول النصر في دمشق والقاهرة، فقد جاء الخبر إلى دمشق في عاشر صفر سنة (٦٤٥ هـ/ ١٢٤٧ م) بفتح طبرية (^٢)، وعودتها إلى حظيرة الإسلام. ثم قرعت مرة أخرى في دمشق في أواخر جمادى الآخرة سنة (٦٤٥ هـ/ ١٢٤٧ م) تبشر بفتح عسقلان (^٣).
كان أبو شامة في تلك الأيام متصدّرًا للفتوى بالمدرسة العادلية الكبرى، وإمامًا في مسجدها، وكان يؤمه المستفتون إلى صدر إيوانها حيث كان يجلس بين أوراقه في مكتبتها العامرة (^٤)، وقد فرغ من تصنيف كتابه «البسملة الأكبر» (^٥). وتزوج من فتاة في الرابعة عشرة من عمرها (^٦)، هي ابنة خالة أخيه إبراهيم (^٧)، واسمها ست العرب ابنة شرف الدين محمد بن علي بن ذنو، الأندلسي، المُرسي، وكان والدها من أهل الفضل والرياسة، ومن وجوه بلده، ويرتفع نسبه إلى بني عبد الدار بن قصي من قريش (^٨)، ويبدو أن والدها قد هاجر مع من هاجر إلى دمشق من الأندلسيين.
_________________
(١) «مرآة الزمان» (حوادث سنة ٦٤٤ هـ)، وانظر ص ٣٢ من هذا الكتاب.
(٢) «المذيل»: ٢/ ٨٢، «مفرج الكروب» ٥/ ٣٧٨.
(٣) «المذيل»: ٢/ ٨٢.
(٤) «المذيل»: ١/ ١٤٠.
(٥) فرغ من تصنيفه في (٢٧) رمضان سنة (٦٤٥ هـ/ ١٢٤٨ م)، انظر ص ١١ من «كتاب البسملة».
(٦) «المذيل»: ٢/ ١٢٢.
(٧) «المذيل»: ٢/ ٢٢١.
(٨) «المذيل»: ٢/ ١٢٠.
[ ١٥٢ ]
وكان أبو شامة في ذلك الوقت يدرس بالمدرسة الشامية البرانية (^١)، فكثيرًا ما كان يسلك الطريق إليها من العادلية، مارًا بقرب قلعة دمشق.
* * *
وقد اتفق له أثناء مروره بها ضحوة يوم الاثنين (١٩) ربيع الأول سنة (٦٤٦ هـ/ ١٢٤٨ م) أن رأى صبيًا مملوكًا، كان قد صلب تحت القلعة، ينزلونه بعد موته، وقد اسودت أعضاؤه، فتفطَّر قلب أبي شامة ألمًا لمرأى هذا الصبي الصغير، وقد انتهى هذه النهاية القاسية.
كان هذا الصبي مملوكًا تركيًا لبعض أمراء السلطان الصالح أيوب، وكان يوصف بالشجاعة والشهامة، وهو ممن غزا عسقلان في السنة الفائتة، وقتل فيها جماعة من الصليبيين، لم تشفع له شجاعته وصغر سنه، فقد اتهم بقتل سيده، وكان يدافع عن نفسه أمرًا لم يرض وقوعه فيه، فحكم قاضي القضاة صدر الدين ابن سني الدولة بصلبه، ونفَّذ الحكم نائب دمشق جمال الدين بن مطروح، فصلب ظهر يوم الجمعة (١٦) ربيع الأول على حافة نهر بردى تحت القلعة في آخر سوق الدواب، وجعل وجهه مقابل الشرق، وسمرت يداه وعضداه ورجلاه، وبقي مصلوبًا حتى مات ظهر يوم الأحد، ولم ينزلوه إلا ضحوة الاثنين من الغد حيث رآه أبو شامة، وهو في طريقه إلى المدرسة الشامية البرانية (^٢).
وإظهارًا لشفقتة، وتعبيرًا عن أساه وحزنه ساق أبو شامة أخبار صلب هذا الصبي وموته في تاريخه، مدققًا في تفاصيلها، لا يكاد يفوته منها خبر، فقال: «وكان منه في صلبه عجائب، فمن ذلك أنه جاد بنفسه للصلب غير ممتنع ولا جازع، بل مد يديه فسمرتا، ثم سمرت رجلاه، وهو ينظر، لم يتأوه، ولم يتغيّر وجهه، ولا حرَّك شيئًا من أعضائه، وأخبرني مَنْ شاهد ذلك منه جماعة، وبقي إلى
_________________
(١) «المذيل»: ٢/ ٨٦، وتسمى المدرسة الحسامية كذلك.
(٢) «المذيل»: ٢/ ٨٥، ٨٦.
[ ١٥٣ ]
أن مات صابرًا ساكتًا، لم يئن، ولم يشتك، ولم يزد على نظره إلى رجليه وجانبيه، تارة يمينًا، وتارة شمالًا، وتارة ينظر إلى الناس، بل إنه استسقى ماء، فلم يُسْقَ، وتألمت قلوب مَنْ عنده رحمةً وشفقة على خلق الله تعالى من أنَّه صبي صغير، وقد ابتلي بمثل هذا البلاء، والمياه تتخرق بجوانبه وهو ينظر إليها، ويتحسر على قطرة منها، وهو صابر على ذلك، فسبحان مَنْ له الأمر والحكم.
ومنها أنَّه أسرع إليه الموت تخفيفًا من الله تعالى عليه، فإنه بقي يومين وليلتين، وأخبرت أن جماعة من الرجال جرى لهم مثل هذا الصلب والتسمير، وأنَّ المنية تأخرت عنهم أيامًا زيادة في عذابهم.
وكان قد أصابه في اليوم الثاني اختلال، فلم يبق يحس بالألم والعطش، ولم ينتظم كلامه، بل صدرت منه ألفاظ دالة على اختلاله، خفّف الله تعالى بذلك عنه، وقد كان يغفي أحيانًا، ثم ينتبه مرعوبًا لشدة الألم، فتتقطع لذلك قلوب الناظرين إليه غير أنَّه يذكر الله تعالى.
وأخبرت أنَّ بعض الموكلين به سأله في غداة يوم السبت أو الأحد عن حاله، فكان جوابه أن قال: طيب مع الله.
وبلغني أنَّه لما سُمِّر لم يُسمع منه سوى كلمة واحدة، وذلك أن الذي سَمَّره لما وضع المسمار في العضد صادف العظم، فقال له: يا فتى تجنب العظم.
وبلغني أن الذي سَمَّره توفي ذلك اليوم أو الذي بعده، وهذا من عجائب ما اتفق، فأخبر الصبي بذلك إرادة إعلامه أنَّ الله تعالى جازاه بفعله، فقال الصبي، وهو في تلك الشدة: هو في حل، لا ذنب له. أي أنَّ الذنب لمن أمره بذلك.
وكان ﵀ من أجمل الصبيان، وأحسنهم وجهًا، وأطولهم شعرًا، وكان في حالة صلبه مكشوف الرأس، والذؤابة من شعره مسترسلة خلفه، فلعبت بها الرياح، فأدارتها إلى صدره، فبقي يتناولها بفيه يولع بها، ويتشاغل بالعبث بها.
[ ١٥٤ ]
وبلغني أنه قال: لي يومان ما صليت. كالمتأسف على ما فاته من الصلاة، وبعضهم قال: يوم علقوه كان صائمًا. وكانت له نفس أبية، وقوة شديدة (^١).
هل كان أبو شامة، وهو يطيل أخباره على غير عادته يريد أن يصوّر ما كان في عصره من ظلم وقسوة؟ عصر يصلب النقاء والجمال والنفس الأبية (^٢)؟ …
وبقلب يعرف معنى الظلم، وبإحساس أب قريب العهد بفقد ابنه الحبيب، يرثي أبو شامة هذا الصبي المصلوب، الذي تحدى جلاديه بإقدامه على الموت غير ممتنع ولا جازع، فيقول:
ومُصْطَفَةٍ أقدامُهُ شِبه قائم … مُصَلِّ بإخبات مطيع لربه
تسمرت الأعضاء منه فلم يُطِق … سجودًا فأوما للسجود بقلبه
تمكنت الآلام منه مسمرًا … بست فكان الموتُ أيسر خَطبه
فيالك ممنوعًا من الماء ضِلَّةً … تَفَتَّتِ الأكباد من عُظْمِ كَرْبِهِ
ويا لك مصلوبًا بظُلْمٍ وقسوة … تَقَطَّعَتِ الأحشاء من سوء صَلْبِهِ
فيا عجبًا ممن أشار بصَلْبِهِ … ألا اعجب وأخبر عن قساوة قَلْبِهِ
صبي صغير فائِقُ الحُسْنِ ناسك … شجاع له الإقدام في يوم حَرْبِهِ
_________________
(١) «المذيل»: ٢/ ٨٥ - ٨٧.
(٢) انتقد الأستاذ محمد كرد علي أبا شامة في تطويله ذكر هذه الحادثة، فقال: «وقد أطال في أشياء لا تهم التاريخ بحال، مثل قصة الصبي التركي المصلوب، كتب فيها أربع صفحات، وحقها أن تكتب بأربع كلمات، أو تحذف لأنها خالية من الفائدة على ما رأينا. انظر مجلة المجمع العلمي بدمشق مج ٥/ ج ٣/ ١٤٤، وانظر ما كتبناه عن منهج أبي شامة في المذيل» ص ٤٢٣ - ٤٢٤ من هذا الكتاب.
[ ١٥٥ ]
صبور على هذي الشدائد كلُّها … إلى أن أتاه الموت قاض لنحبه (^١)
وهكذا يعلن أبو شامة مرة ثانية بصوت عال انحيازه للضعفاء والمظلومين، ضد هؤلاء الفاسدين الجائرين.
* * *
_________________
(١) «المذيل»: ٢/ ٨٧ - ٨٨.
[ ١٥٦ ]