ويحج أبو شامة في العام التالي (٦٢٢ هـ/ ١٢٢٥ م) حجته الثانية، منضمًا وحده إلى قافلة الحج الشامي، راكبًا في المحمل السلطاني المعظمي (^١)، ومع القافلة جماعة من مساحي الأرض بعث بهم المعظم ليمسحوا له طريق الحج من باب الجابية بدمشق إلى جبل عرفات، وليكتبوا له منازل الحجاج فيه منزلة منزلة، ومع المساحين فَعَلة يمهدون للحجاج المواضع الوَعِرة فيه (^٢).
فهل كان أبو شامة في جملة من بعثه المعظم لهذا الأمر؟ وهل كان لقصيدته الميمية التي نظمها في موسم الحج الفائت أثر في إثارة اهتمام المعظم بذلك؟ هذا ما نرجحه على الرغم من صمت أبي شامة المطبق (^٣)، وتشعيثه للخبر، وما يجعلنا نميل إلى هذا الترجيح أنَّ أبا شامة نظم في هذه الحجة قصيدة ثانية في منازل الحجاج على قافية الهمزة، فلعله راعى فيها ذكر المنازل وفق هذا المسح الجديد، ولعلها كانت مهمته في هذه البعثة، وقد افتتح القصيدة بقوله:
_________________
(١) «المذيل»: ١/ ٣٧٨.
(٢) «المذيل»: ١/ ٣٩٨.
(٣) ربما في صمته - إذا صح ما نرجحه - أحب أن ينفي أية علاقة له بالسلطان، ولو كانت علاقة عابرة في أيام الشباب، وكان فيها خدمة للحجيج، وهو الذي ظل طوال حياته ينأى بنفسه عنه.
[ ٦١ ]
يا حبذا وطن الحبيب النائي (^١)
وقد ظل هاجسه طوال حجّته هذه أن يعرف المكان، فبعد أن يطوي لنا خبر وصوله إلى الحرم المكي بقوله: «وكان أيضًا حجًا مباركًا، كثير الخير والأمن في الطريق والحرمين، وباب الكعبة مفتوح للحاج مدة مقامهم ليلًا ونهارًا» (^٢). نراه يقف ليحدثنا عن مكثه في منى يوم التروية، وتخلفه عن ركب الحج الشامي المتوجه إلى عرفات، ليتمكن - وقد خفَّ الزّحام - من رؤية الآثار بمنى والمزدلفة، فيقول: «وخرجت يوم التروية إلى منى، ولم أوافق الركب في التوجه إلى عرفات في ذلك اليوم، وبتُّ أنا ورفيقي الشهاب غازي الناسخ الفقير ليلة عرفة بمسجد الخيف بمنى، ثم أصبحنا، وتوجهنا حين طلعت الشمس إلى نحو عرفات، فمررنا على تلك الآثار بمنى والمزدلفة، وحدود الحرم وحدود عرفة، والمسجد الذي بعضه من أرض عُرنة، وبعضه من أرض عَرَفة، ثم توجهنا إلى الموقف، شرفه الله تعالى» (^٣).
وبينما كان أبو شامة في عرفات سمع من الحاج العراقي خبر وفاة الخليفة الناصر لدين الله في أواخر شهر رمضان، وولاية ابنه الظاهر من بعده (^٤). وكان قد مرَّ على وفاته شهران وعشرة أيام!
وبعد إفاضته من عرفات، ومبيته بمزدلفة، ورميه جمرة العقبة بمنى يدخل الحرم ليطوف طواف الإفاضة مع الطائفين، فيرى الكعبة المشرفة، وقد ألبست الكسوة السوداء التي يرسلها خليفة بغداد كل عام، وفي أعلاها الطراز الأبيض الذي يكتب فيه اسم الخليفة الذي نسجت في أيامه، ويقف أبو شامة ليقرأ ما كُتِبَ على هذا الطراز، فيجد اسم الناصر قد كتب في جانبين منه، وفي الجانبين الآخرين كتب
_________________
(١) «المذيل»: ١/ ٣٨٠.
(٢) «المذيل»: ١/ ٣٧٨ - ٣٧٩.
(٣) «المذيل»: ١/ ٣٧٩.
(٤) المصدر السالف.
[ ٦٢ ]
اسم الظاهر، فيقول: «فعلمت أنهم كانوا قد فرغوا من نسج الجانبين عند وفاة الناصر، ثم استأنفوا ما بقي باسم الظاهر» (^١).
* * *
وفي طريق عودته إلى دمشق يشتد شوقه إلى صديقه الأثير عبد الغني، ويهم بإنشاء رسالة تسبقه إليه، يعبر له فيها عن تباريح شوقه إليه، ويختار بيتين من شعره ليكونا فاتحة رسالته:
أنتَ الظَّهير على المكارم كلّها … من رَدَّ ذلك فهو عين معاند
عبد الغني ولست عبدًا للغنى … بحر الفرائد حَبْرُ كلِّ فوائد (^٢)
ويردد أبو شامة هذين البيتين، بينما كانت القافلة تتابع طريقها نحو دمشق.
_________________
(١) «المذيل»: ١/ ٣٧٩.
(٢) «المذيل»: ٢/ ١٥.
[ ٦٣ ]