كان الخوارزمية قد فارقوا معين الدين بن شيخ الشيوخ عقب الصلح، ورحلوا نحو داريا غاضبين، فنهبوها، وأتلفوا مزروعاتها (^١)، وسبب عصيانهم أنهم كانوا يمنُّون أنفسهم بإقطاعات كثيرة عند الصالح أيوب في مصر لكسرهم أعداءه في معركة غزَّة، بل كانوا يعتقدون أنهم يستحقون أن يقاسمهم البلاد (^٢)، وها هم قد حاصروا دمشق حتى خضعت له، وإذا بالصلح يعقد من وراء ظهورهم لا يدرون به، فرأوا مصلحتهم في تبديل ولائهم، فكاتبوا الصالح إسماعيل في بعلبك، وحلفوا له (^٣)، وكانوا قد استمالوا من قبله الناصر داود صاحب الكرك، فمال إليهم، وانقلب أعداء الأمس إلى أصدقاء، واتفقت كلمة الجميع على محاربة السلطان الصالح أيوب (^٤).
وبادر الصالح أيوب، وقد بلغه مرض معين الدين، إلى تعيين الأمير حسام الدين بن أبي علي الهذباني أميرًا على دمشق، وكتب إليه وهو بنابلس يأمره
_________________
(١) «مرآة الزمان» (حوادث سنة ٦٤٣ هـ).
(٢) «مفرج الكروب»: ٥/ ٢٤٩.
(٣) «مرآة الزمان» (حوادث سنة ٦٤٣ هـ).
(٤) «مفرج الكروب»: ٥/ ٣٤٩.
[ ١٤١ ]
بالتوجه إليها، فمضى إلى دمشق، وبعد دخوله إليها بأيام (^١) توفي معين الدين حسن بن شيخ الشيوخ ليلة الأحد (٢٢) رمضان سنة (٦٤٣ هـ/ ١٢٤٦ م)، فصلي عليه بجامع دمشق (^٢)، ولم يحضر أبو شامة جنازته، ولم يصلِّ عليه، كما فعل من قبل مع أخويه تاج الدين وعماد الدين، ربما لما يجد في قلبه منه (^٣). ثم حُمِل إلى جبل قاسيون، فدفن في تربة أخيه عماد الدين (^٤).
وضرب الخوارزمية حصارهم من جديد على دمشق (^٥)، وضايقوها، وقطعوا عنها المواد، ولم تقو دمشق، وهي المنهكة على تحمل حصارين متعاقبين، فاشتد بها الغلاء اشتدادًا لم يعهد في الأعمار مثله، ولم يسمع بنظيره في عصر من الأعصار في بلد من البلاد، على حدّ تعبير ابن واصل (^٦)، وراح الجوع والوباء يفتك بأهل دمشق، وجلس أبو شامة إلى أوراقه بقلب يملؤه الحزن والغم مسجلًا في تاريخه وقائع هذا الحصار، ذاكرًا بدقة ثمن كل سلعة، وكأنه لا يصدق أن ترتفع أثمانها هذا الارتفاع، فكان ما كتب:
«وفيها اشتد الغلاء بسبب قطع الخوارزمية الطرقات، ففي ثامن عشر شوال بلغت غرارة القمح ست مئة درهم ناصرية، وبيع الخبز كل رطل بثلاثة دراهم إلى أربعة دراهم على تفاوت الأخبار، والله يكشف هذا الضرّ برحمته، وكان ذلك في تاسع آذار، وبقيت الصعاليك مرميين بالطرقات، كانوا يطلبون لقمة، ثم صاروا يطلبون لبانة، ثم صاروا يطلبون فلسًا يشترون به نخالة يبلونها ويأكلونها كما يطعم
_________________
(١) «مفرج الكروب»: ٥/ ٣٤٩.
(٢) «المذيل»: ٢/ ٧٦ - ٧٧.
(٣) انظر «المذيل»: ٢/ ٤٧، ٦٤، وكان لمعين الدين يد في إقصاء أبي شامة عن مشيخة القراء، انظر ص ١٣٦ - ١٣٧ من هذا الكتاب.
(٤) «المذيل»: ٢/ ٧٧.
(٥) «مرآة الزمان» (حوادث سنة ٦٤٣ هـ).
(٦) «مفرج الكروب»: ٥/ ٣٥٢ - ٣٥٣.
[ ١٤٢ ]
الدجاج، وشاهدت ذلك بعيني. ثم اشتد الغلاء زيادة على ذلك، فبلغ في آخر شهر شوال المذكور كل غرارة حنطة بمئة دينار صورية، ثم ناصرية، ثم سمعت أنَّه بيع عشرة غرائر بعشرة آلاف درهم، وكتب بها وثيقة على المشتري إلى أجل شهرين، واشتريت أنا الخبز كل رطل بأربعة دراهم غير مرة» (^١).
وينضم إلى الخوارزمية في حصار دمشق في ثالث ذي القعدة الصالح إسماعيل بعساكره آتيًا من بعلبك (^٢)، فيشتد ارتفاع الأسعار، فيكتب أبو شامة: «ثم تفاقم الأمر في حادي عشر ذي القعدة، فبيع الخبز الأسود كل أوقيتين بدرهم، وخبز الشعير كل أوقيتين ونصف بدرهم، وبلغت الغرارة في ثاني عشر ذي القعدة ألفًا ومئتي درهم وخمسين درهمًا فضة ناصرية، وبيع الدقيق كل أوقية وربع أوقية بدرهم، وكل رطل بنحو عشرة دراهم، وبيع الشعير كل كيل بخمسين درهمًا، الغرارة بست مئة درهم، والزبيب كل أوقيتين بدرهم، ثم بيع أوقية ونصف بدرهم، وكذا الدبس، وبلغت الحلاوة الجوزية من الدبس كل أوقية بدرهم … وبيع الباقلا الأخضر كل رطل بدرهم وربع، والرز باللبن ثلاث أواق ونصف بدرهم، والرز اليابس كل أوقية بدرهم واللحم الرديء كل رطل بستة دراهم.
ولم تزل الأسعار في اشتداد وارتفاع إلى أن مد الحنطة بعشرين درهمًا ونحوها، وبلغت الغرارة ألفًا وخمس مئة درهم، وبيع الخبز كل أوقيتين إلا ربع بدرهم، والرطل بسبعة دراهم في يوم عيد النحر وقبله» (^٣).
قد لا تعني الآن هذه الأسعار لكثير منا شيئًا، ولكن في ذلك العصر كان وراءها نفوس تزهق، وحرمات تنتهك، فمما ذكروه من أخبارها أنَّ الناس أكلوا الميتات والجيف والدم، والقطاط والكلاب، وبات الناس على الطرقات، وأنتنت
_________________
(١) «المذيل»: ٢/ ٧٧ - ٧٨.
(٢) «مرآة الزمان» (حوادث سنة ٦٤٣ هـ).
(٣) «المذيل»: ٢/ ٧٨.
[ ١٤٣ ]
الأزقة والحارات، وضَجِر الناس من تغسيل موتاهم وتكفينهم لكثرتهم، حتى إنَّهم كانوا يحفرون الآبار، ويرمون الموتى بعضهم على بعض (^١)، بل ذكروا أنَّ إنسانًا كانت له دار تساوي عشرة آلاف درهم عرضها للبيع، فلم تزد على ألف وخمس مئة درهم، فاشترى بها غرارة واحدة من القمح، فقامت عليه غرارة واحدة من القمح بعشرة آلاف درهم، وذكروا أنَّ إنسانًا مات في الحبس، فأكل لحمه أهل الحبس (^٢).
* * *
وتلفت الصالح أيوب حوله يبحث عن حلفاء له، يخلصون دمشق من محنتها القاسية، فكاتب المنصور إبراهيم بن شيركوه، صاحب حمص، يستميله إليه، فما زال به حتى استطاع أن يبعده عن حليفه القديم الصالح إسماعيل (^٣)، وكاتب كذلك الحلبيين، ناصحًا لهم ومحذرًا من أنَّ هؤلاء الخوارزمية لا عهد لهم، ولا يؤمن شرهم، وقد أخربوا البلاد، والمصلحة أن نتفق عليهم، فمال الحلبيون إلى قوله، واستشعروا خطر الخوارزمية، وطمعهم وعيثهم في البلاد، وإذا كانوا الآن يحاصرون دمشق، فمن يدري أي بلاد تكون تحت حصارهم غدًا؟ فأجابوا الصالح أيوب إلى حربهم، وبدؤوا يستعدون للقائهم (^٤).
وعلم الخوارزمية بما يبيّت لهم الملك المنصور والحلبيون، فاجتمعوا في مرج الصُّفَّر مع الصالح إسماعيل وعز الدين أيبك صاحب صرخد، وكان الناصر داود بن المعظم قد أرسل إليهم عسكره، واتفقوا على مهاجمة الملك المنصور في حمص قبل أن يباغتهم، قائلين: إنَّ دمشق ما تفوتنا، والمصلحة أن نسير إليهم.
_________________
(١) «مرآة الزمان» (حوادث سنة ٦٤٣ هـ).
(٢) «مفرج الكروب»: ٥/ ٣٥٢ - ٣٥٤.
(٣) «مرآة الزمان» (حوادث سنة ٦٤٣ هـ).
(٤) «مرآة الزمان» (حوادث سنة ٦٤٤ هـ)، «مفرج الكروب»: ٥/ ٣٥٣ - ٣٥٤.
[ ١٤٤ ]
وساروا نحو حمص، وعلى إثرهم خرج جيش دمشق معاضدًا للمنصور، وتنفس أهل دمشق الصعداء (^١).
وفي يوم الجمعة الفاتح من محرم سنة (^٢) (٦٤٤ هـ/ ١٢٤٦ م)، وقع المصاف بين الملك المنصور صاحب حمص، ومعه جيش حلب وحماة ودمشق، وبين الخوارزمية، ومعهم الصالح إسماعيل وعز الدين أيبك، وجيش الناصر داود صاحب الكرك، على القصب، وهي منزلة قبيل حمص على مرحلة منها، فانهزم الخوارزمية هزيمة منكرة قبيحة، تبدد بها شملهم، وقتل مقدمهم حسام الدين بركة خان، وحمل رأسه إلى حلب، فنصب بباب قلعتها (^٣)، وساق خلفهم الملك المنصور يسبي نساءهم، ويغنم أموالهم حتى وصل إلى بعلبك (^٤)، وهرب الصالح إسماعيل وعز الدين أيبك، ومن سلم من عسكرهما عرايا جياعًا، ووصلوا إلى حوران (^٥). فاعتصم عز الدين أيبك بقلعته صرخد (^٦)، وهام الصالح إسماعيل على وجهه لا يجد مكانًا يأوي إليه، فقد خاف دخول بعلبك فيحاصر فيها، ويؤخذ، فيقتله الصالح أيوب بابنه المغيث (^٧).
ووصل خبر كسرتهم إلى دمشق يوم السبت ثاني شهر محرم (^٨)، ووردت البشائر بذلك إلى الديار المصرية، فزينت المدينتان: القاهرة ومصر، والقلعتان: قلعة الجبل وقلعة الجزيرة (^٩)، أما دمشق فحسبها في فرحها بالنصر أن وجدت أخيرًا
_________________
(١) «مرآة الزمان» (حوادث سنة ٦٤٤ هـ)، «مفرج الكروب»: ٥/ ٣٥٣ - ٣٥٤.
(٢) «المذيل»: ٢/ ٧٩.
(٣) «مفرج الكروب»: ٥/ ٣٥٨ - ٣٥٩.
(٤) «مرآة الزمان» (حوادث سنة ٦٤٤ هـ).
(٥) المصدر السالف.
(٦) المصدر السالف.
(٧) «مرآة الزمان» (حوادث سنة ٦٤٤ هـ)، «مفرج الكروب»: ٥/ ٣٦١.
(٨) «المذيل»: ٢/ ٧٩.
(٩) «مفرج الكروب»: ٥/ ٣٥٩.
[ ١٤٥ ]
ما تأكله، فنزلت الأسعار، وكتب أبو شامة في تاريخه: «فبيع الخبز كل رطل بدرهم ونصف، والحمد لله على هذه النعم، ونسأله المزيد بفضله وكرمه» (^١).
وصلح الحال ما بين المنصور والصالح أيوب، وحصل بينهما التصافي والتواد (^٢)، فدخل المنصور دمشق، وأقام بها (^٣)، غير أنه لم يمتع بنصره، إذ ما لبث أن مرض، ثم توفي في حادي عشر صفر سنة (٦٤٤ هـ/ ١٢٤٦ م) بالبستان الأشرفي بالنيرب ظاهر دمشق، ونقل إلى حمص، فدفن فيها (^٤).
* * *
وكانت طائفة من الخوارزمية قد مضت عقب الهزيمة إلى البلقاء، فنزل إليهم الناصر داود صاحب الكرك، وصاهرهم، وأطلع عائلاتهم إلى الصلت، ثم ساروا إلى نابلس، واستولوا عليها (^٥).
فجهز الصالح أيوب الأمير فخر الدين يوسف بن شيخ الشيوخ بالعساكر، وأرسله إلى الشام، فلما وصل إلى غزة عاد مَنْ كان بنابلس من الخوارزمية إلى الصلت لحماية عائلاتهم، فقصدهم الأمير فخر الدين، وقاتلهم، فكسرهم في (١٧) ربيع الآخر سنة (٦٤٤ هـ/ ١٢٤٦ م) وكان الناصر داود معهم، فانكفأ إلى الكرك، وتبعه الخوارزمية، فلم يمكنهم الناصر داود من دخولها (^٦)، فساروا نحو حلب، ومعهم الصالح إسماعيل، مستجيرًا بصاحبها الناصر يوسف، وقد ضاقت عليه السبل، فتلقاهم الناصر يوسف، وقبض على الخوارزمية، وملأ منهم السجون،
_________________
(١) «المذيل»: ٢/ ٧٩.
(٢) «مفرج الكروب»: ٥/ ٣٥٩.
(٣) «مرآة الزمان» (حوادث سنة ٦٤٤ هـ).
(٤) «المذيل»: ٢/ ٧٩.
(٥) «مرآة الزمان» (حوادث سنة ٦٤٤ هـ).
(٦) المصدر السالف.
[ ١٤٦ ]
وأنزل الصالح إسماعيل في دار جمال الدولة الخادم، فالتفت شمس الدين لؤلؤ، أمير جيش حلب إلى الناصر يوسف، وقد رأى الصالح إسماعيل بعد استبداده وتحكمه خائفًا طريدًا تلفظه البلاد، قائلًا للناصر يوسف ناصحًا له: أبصر عواقب الظلم (^١).
وبقيت بعلبك - وقد آثر صاحبها سلامته على سلامتها وحيدة خائفة، فخرج إليها أمير دمشق حسام الدين بن أبي علي، وشدد عليها الحصار، وكان فيها نور الدين محمود بن الصالح إسماعيل وإخوته، وكان في قلعتها الساماني، مملوك الصالح إسماعيل، فاتفق مع الأمير حسام الدين بن أبي علي على تسليمها له، فتسلمها بالأمان (^٢)، ورتب أمرها، ثم عاد إلى دمشق، ومعه أولاد الصالح إسماعيل، فاعتقلهم، ثم بعث بهم إلى ابن عمهم الصالح أيوب بمصر، وبعث معهم أمين الدولة وزير الصالح إسماعيل، وأستاذ داره ناصر الدين بن يغمور (^٣).
وكان أمين الدولة معتقلًا في دمشق منذ الثاني من شهر رجب سنة (٦٤٣ هـ/ ١٢٤٥ م)، وقد احتيط على ماله (^٤)، وكان له من الأموال واليواقيت والجواهر والتحف والذخائر ما لا يوجد في خزائن الخلفاء والسلاطين، وقيمة ما ظهر ثلاثة آلاف ألف دينار، غير الودائع التي كانت له عند أصدقائه والتجار، ووجدوا له عشرة آلاف مجلد من الكتب النفيسة والخطوط المنسوبة (^٥).
فأودع السجن في قلعة القاهرة مع جماعة من أصحاب الصالح إسماعيل (^٦).
_________________
(١) «مرآة الزمان» (حوادث سنة ٦٤٤ هـ).
(٢) «مرآة الزمان» (حوادث سنة ٦٤٤ هـ)، «مفرج الكروب»: ٥/ ٣٦١.
(٣) «مفرج الكروب»: ٥/ ٣٦١.
(٤) «عيون الأنباء»: ص ٧٢٣ - ٧٢٤.
(٥) «مرآة الزمان» (حوادث سنة ٦٤٨ هـ).
(٦) «عيون الأنباء»: ص ٧٢٤.
[ ١٤٧ ]