ويسارع الكامل في إرسال عساكره إلى دمشق، فينزلون قبليها وراء مسجد القدم، ويقطعون عنها أنهارها: باناس والقنوات، ثم يزيد وثورا، وينهبون بساتينها، ويخربون رباعها، ويحرقون بعض قصورها، وتتأذى أشجارها بانقطاع الماء، ويخرج إليهم جيش دمشق مع أهلها، وتجري بينهم وقعات، فيقتل قوم ويجرح آخرون، ويُهدم كثير من الخانات التي كانت خارج السور، وبخاصة ما كان منها على أبواب دمشق (^١).
كانت قلوب أهل دمشق مع الناصر داود، وسيوفهم معه، فكانوا يخرجون كل يوم مع عساكره، ويقاتلون أشدَّ القتال، وكان بعضهم يصعد على منارة دمشق، ليصف لأهلها ما يشاهده من المعارك (^٢).
وكان أبو شامة يعيش وقائع هذا الحصار - وهو أول حصار يشهده كسير القلب، كاسف البال، أحقًا ما يراه؟ في القدس تغمد السيوف في وجه الصليبيين، وفي دمشق تشهر لتذبح أهلها! ولم تقو أحلامه هذه المرة أن تنتشله من وهدة هذا
_________________
(١) «المذيل»: ٢/ ١٠
(٢) «مفرج الكروب»: ٤/ ٢٥٢ - ٢٥٣.
[ ٧٥ ]
الخذلان المذل، فيعزم مع صديقه زين الدين أحمد بن يوسف الفرغاني على أن ينأيا بأنفسهما عن هذا الواقع المؤلم، ليجاورا في المدينة المنورة أو مكة المشرفة (^١)، عساهما أن يجدا من الأمن والسكينة ما يفتقدانه هنا، فراحا ينتظران بصبر أشهر الحج، لينضما إلى قافلة الحجيج (^٢)، ولكن يقطع عليهما انتظارهما سهم عائر ينطلق في القتال الدائر يوم الجمعة (٢٣) جمادى الأولى سنة (٦٢٦ هـ/ ١٢٢٩ م)، فيصيب كتف صديقه زين الدين (^٣).
كان زين الدين من فقراء الصوفية، ممن يسيح في البلاد، لا يأوي إلى عائلة، ولا يقيّده هم الكسب، وكان قد حجّ من العراق، فلما قضى حجه سافر إلى مصر، ثم أتى إلى دمشق سنة (٦٢٥ هـ/ ١٢٢٨ م)، وكان شابًا رقيق القلب، مرهف الشعور، مولعًا بإنشاد الأشعار الرقيقة (^٤).
وعلى الرغم من جرحه النازف وآلامه ما كان لينسى أن ينشد صديقه أبا شامة عشية يوم إصابته بيتين من الشعر جميلين كان قد سمعهما في بغداد من شيخه شهاب الدين السهروردي:
شَرِبْتُ الهَوى والخَمْرَ صِرْفًا كِلاهُما … فَكانَ الهَوى عِندي أَشَدَّهُما سُكْرا
أما والهَوى لو ذُقتَ طَعْمًا مِنَ الهَوى … لَما كُنْتَ مِنْ بَعْدِ الهَوى تَشْرَبُ الخَمْرا (^٥)
ويصغي أبو شامة إلى كلمات صديقه الجريح بعيون دامعة، وربما تساءل: أين رقة هذا القلب من قسوة هذه الأيام؟
ويشتد القتال يوم السبت، ويتقدم عسكر الكامل إلى دور البلد من جوانبه،
_________________
(١) «المذيل»: ٢/ ١٤.
(٢) انقطع الحج من الشام في هذه السنة، والسنين التي تليها، انظر «المذيل»: ٢/ ١٨.
(٣) «المذيل»: ٢/ ١٤.
(٤) «المذيل»: ٢/ ١٥.
(٥) المصدر السالف.
[ ٧٦ ]
ويدخلون الميدان الأخضر، وتدور رحى معركة عظيمة يُقتل فيها ناسٌ كثير، ويُجرح فيها جمّ غفير، وينهب قصر حجاج والشاغور، وتشتعل فيهما النيران، غير أنَّ عسكر الكامل يضطر إلى الانسحاب آخر النهار إلى خيامهم، وقد خلفوا وراءهم قتلى وجرحى من الفريقين، ويستمر نزيف دمشق (^١).
ويأبى أن يلتئم جرح القلب الرقيق، ويموت زين الدين يوم الاثنين (٢٦) جمادى الأولى (^٢)، بعد يومين من إصابته، تاركًا صديقه أبا شامة يتجرع كأس الحزن والحصار.
* * *
كان أبو شامة يقضي نهاره أثناء هذا الحصار القاسي في تتبع وقائعه وأخباره، وما يجري خلاله من حوادث، يتلقفها مما يشاهده أو يسمع عنه، وفي لياليه الطويلة كان يجلس في غرفته في المدرسة العادلية الكبرى - حيث كان يسكن - يستعيد رواية تلك الوقائع مع الأصحاب والأصدقاء، وذات ليلة استبدت به رغبة شديدة في تسجيلها، فإذا به يستل ورقة من أوراقه، وعلى ضوء الشموع، يسجل فيها بخطه المتقن وقائع أول حصار يشهده:
الأحد تاسع جمادى الآخرة: وصل الكامل محمد إلى دمشق، ونزل بالقرب من مسجد القدم، وأمر بإجراء نهري يزيد وثورا لأجل سقي الأراضي، وخرج إليه ابن الفاضل أحمد بن عبد الرحيم بأمان منهما، ونفذ الناصر من جهته في آخر النهار جماعة من كبراء البلد من العلماء: خطيب الجامع جمال الدين الدولعي، وقاضي القضاة شمس الدين الخُوَيّي، والقاضي شمس الدين ابن الشيرازي، وجمال الدين الحصيري شيخ الحنفية إلى الكامل نيابةً عنه في الخدمة والسلام، ثم عاودوا من الغد.
الثلاثاء الحادي عشر من جمادى الآخرة: خرج عزّ الدين أيبك أستاذ الدار إلى
_________________
(١) «المذيل»: ٣/ ١٠.
(٢) «المذيل»: ٢/ ١٤.
[ ٧٧ ]
الكامل باستدعائه، وجرى الحديث في الصلح، وعاد ليلًا، ومضى وعاد مرات، وكان يأتي إليه عماد الدين بن شيخ الشيوخ، فلم ينتظم صلح في الظاهر.
السبت خامس عشر جمادى الآخرة: وقعت بينهم وقعة قبالة باب الحديد، وفي الميدان، وما بين ذلك، وكان النصر فيه لأهل البلد.
الأحد سادس عشر جمادى الآخرة: وقع الحريق والنهب من ناحية باب توما، وأحرقت الطاحونة الأحد عشرية والحرشنية، والتي في مرج الشيخ، وطاحونة الأشنان، أحرق بعضها ثم أطفئ، ونهبت الدور حول ذلك، ووقع الجرح والقتل.
وفي يوم الجمعة الحادي والعشرين من جمادى الآخرة: خربوا قريات من قرى الغوطة، وأخرجوا منها أهلها، منها: جوبر، وجديا، وزملكا، ثم خربت سقبا وغيرها، والأسعار كلما مرت تغلو، والخوف حول البلد، وقد انقطع عنه الجلب، وبلغت أوقية الأشنان تسعة أفلس - وحكى لي والدي أن شخصًا اشترى أوقية الأشنان بأربعة عشر فلسًا - وبلغت أوقية الجبن نصف درهم، ورطل اللحم ستة دراهم، وأما الخبز فكان - بحمد الله - موجودًا كثيرًا، وكان أطيب شيء فيه وهو المثلث يباع رطله بثلاثة عشر قرطاسًا، وسمعت والدي وجماعة من المشايخ الذين شاهدوا الحصارات المتقدمة في دولة أولاد صلاح الدين يحكون أنهم ما رأوا أشد من هذا الحصار.
ثم إنهم زحفوا من ناحية الميادين مرارًا، والكرّة عليهم، واتخذوا مسجد خاتون ومسجد الشيخ إسماعيل وخانقاه الطاحون والجوسق الذي في آخر الميدان الأخضر حصونًا وظهرًا لهم.
أوائل رجب: وأحرق الناصر لأجل ذلك مدرسة أسد الدين وخانقاه خاتون وما يليها من الخانات والدور، وبستان ابن يُمن، والحمام، وخربت خانقاه الطواويس.
الأحد تاسع رجب: زحفوا آخر النهار إلى أن وصلوا إلى محاذاة الباب الحديد.
[ ٧٨ ]
ليلة الأربعاء رابع عشر رجب: خرج الناصر إلى الكامل، واجتمع به، ثم اجتمعا مرات حتى تقرَّر الصلح بينهما على أن يبقى له مما كان في يده: الكرك، وثلثا نابلس، وقرايا من الغور والبلقاء.
ليلة السبت خامس عشر رجب: رأى شيخنا أبو الحسن علي بن محمد السخاوي ليلة السبت كأنَّ قائلًا يقول له: بعد شهر تكون دمشق كأنها جنة الخلد.
الاثنين مستهل شعبان: دخل عسكر الكامل دمشق.
الجمعة ثاني عشر شعبان: رحل الناصر من دمشق إلى بلاده التي بقيت عليه.
الأحد ليلة الخامس عشر من شعبان: كان الناس فيها في أطيب عيش، لأنَّ الصلح انتظم أول شعبان، وما زال البلاد والناس في ترق من زوال الشعث وكثرة الخيرات، ولهم في ليلة نصف شعبان موسم معلوم، يحتفلون فيه، ويكثر الوقيد في المساجد، لكن عادتهم كل سنة تكثر الزحمة والضراب والنهب والعياط، ولم يكن في هذا النصف مثل ما كنا نعرف في غيره، بل كان الناس في سكون مع قلة زحمة، وهم في سرور الصلح والرخص. فقلت: هذه الجنة التي أشار إليها المنام.
الثلاثاء سادس عشر شعبان: دخل الكامل وإخوته دمشق، فزار قبر والده، ثم خرج إلى مقامه بجوسق العادل.
الخميس ثامن عشر شعبان: دخل الكامل والأشرف القلعة.
أواخر شعبان: تسلم الأشرف دمشق، وأعطى الكامل عوضها جملة من بلاد الشرق، منها: حران والرها، ورأس عين، والرقة، والموزر.
تاسع رمضان: رحل الكامل صوب الشرق (^١).
* * *
كان الحصار قد طال على دمشق، وكثرت الجراح فيها، وسيف العطش مُصْلَتُ
_________________
(١) «المذيل»: ٢/ ١٠ - ١٣.
[ ٧٩ ]
عليها، وقد أقبل الصيف بحرارته اللاهبة، وانشغل الناس عن ثماره الناضجة، فذوت الفواكه على أغصانها، وارتفعت الأسعار.
ونفدت خزائن الناصر دفاعًا عنها، حتى إنَّه اضطر إلى ضرب ما عنده من الأواني الفضية والذهبية دراهم ودنانير، وأنفقها، حتى أتى على أكثر ما عنده من الذخائر (^١). فرأى أنَّ الإذعان للصلح قد يبقي عليه بعض بلاده، فخرج إلى الكامل، واجتمعا مرات حتى انتظم الصلح بينهما على أن يبقى له مما كان في يده: الكرك، وثلثا نابلس، وقرايا من الغور والبلقاء (^٢)، وكم بكى بين يدي الكامل على قلعة الشوبك، أعز مكان إلى قلبه لحصانتها، متوسلًا إليه أن يبقيها عليه، غير أنَّ الكامل أصم أذنيه، قائلًا له: أنا ما لي حصن يحمي رأسي، وَهَبْ أنك وهبتني إياه. فسكت الناصر سكوت العاجز (^٣).
وفي يوم الاثنين أول شعبان فتحت دمشق أبوابها، ودخلها عسكر الكامل حتى غصت بهم، ووقف الدمشقيون ينظرون بعيونهم الدامعة إلى أعداء الأمس، وهم ينتشرون في سكك مدينتهم وأسواقها ودروبها، وقلوبهم تتقطع حسرات من الحزن، ويغلب البكاء بعضهم فيعلو عويله، حتى لكأنَّه قد فُجِعَ بموت ولد أو أب (^٤).
ويرحل ملكهم المحبوب الناصر داود من دمشق يوم الجمعة ثاني عشر شعبان، وهو يتعثر بأذيال الهزيمة (^٥)، وتخضع دمشق للأشرف بعد أن أعطى أخاه الكامل عوضها جملة من بلاد الشرق (^٦)، وبعد سنين حين يبني الأشرف قصره بالنيرب
_________________
(١) «مفرج الكروب»: ٤/ ٢٥٢ - ٢٥٣.
(٢) «المذيل»: ٢/ ١٢.
(٣) «مرآة الزمان» (حوادث سنة ٦٢٦ هـ) بتحقيقي.
(٤) «مفرج الكروب»: ٤/ ٢٥٧.
(٥) «المذيل»: ٢/ ١٢.
(٦) «المذيل»: ٢/ ١٣.
[ ٨٠ ]
المعروف بالدهشة، وصفة بقراط، اللذين يسلبا عقل من يراهما لجمالهما، وحسنهما، يقول: إني بعت ممالك الشرق كلها بهذين الموضعين، إذ ليس ثمرة الملك إلا الاستمتاع بالملاذ والراحات (^١).
وربما تعزى أبو شامة بعض العزاء - وهو يغالب حزنه - بلقاء شيخين جليلين، أولهما القاضي بهاء الدين بن شداد، كاتب سيرة صلاح الدين «النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية»، وكان قد قدم من حلب، وفي صحبته أكابرها وعدولها لعقد النكاح بين العزيز بن الظاهر غازي بن صلاح الدين وبين ابنة الكامل فاطمة خاتون، وكان أبوه الظاهر قد خطبها له قبيل وفاته سنة (٦١٣ هـ/ ١٢١٦ م)، وقد تم العقد في سحر يوم الأحد سادس عشر رجب في مسجد خاتون على صداق مبلغه خمسون ألف دينار (^٢)، فيلتقيه أبو شامة حين يدخل دمشق مع الداخلين، فيجيزه ابن شداد بجميع ما يرويه (^٣).
وممن دخل دمشق كذلك الإمام الشيخ الزاهد الورع، رشيد الدين عبد العزيز بن أبي محمد بن أبي الطاهر، المعروف بابن عوف، من ذرية الصحابي الجليل عبد الرحمن بن عوف، ومفتي الإسكندرية في مذهب مالك بن أنس، فيجتمع به أبو شامة في المدرسة العادلية يوم الأربعاء (١٠) شعبان مع شيخه أبي عمرو بن الحاجب (^٤).
وتلملم دمشق أحزانها، فتبني ما تهدم من حاراتها، وتصلح ما تشعث من بيوتها، واحترق من طواحينها ومدارسها، وتدفن قتلاها، وتداوي جرحاها، وتحاول في كبرياء قبول حاكمها الجديد، وقد فرضه السيف عليها.
_________________
(١) «مفرج الكروب»: ٥/ ١٤٤.
(٢) «مفرج الكروب» ٤/ ٢٥٤ - ٢٥٥.
(٣) «المذيل»: ٢/ ٣٢.
(٤) «المذيل»: ٢/ ١٤.
[ ٨١ ]
وبينما كان أبو شامة يلملم جراحه كذلك، إذا بالموت يخطف أقرب أصدقائه إلى قلبه وأحبّهم إليه، ظهير الدين عبد الغني بن حسان المصري، الذي كان أنيسه في وحشة تلك الأيام، فتعصر قلبه مرارة اللوعة وفاجعة الفراق، فيبكيه بكلمات حزينة قائلًا: «لم يكن لي صاحب أخص منه، كنتُ آنس به وبحديثه، وفي أضيق ما أكون من الهمّ أجتمع به فيزول عني، ﵀» (^١).
ومَنْ لهمه الآن؟ ويتلفت حوله فلا يرى إلا ما تركه الحصار من دمار في القلوب والبيوت، ومن ظلمة الحزن تشع في قلبه فكرة، لم لا يبثّ أوراقه ما يجده ويكابده في حياته بعد فقده أصدقاءه وشيوخه؟ ألم تغيبهم القبور واحدًا بعد الآخر، فَلِمَ لا ينتشلُ معانيهم الجميلة وصفاتهم الحميدة من حفرة النسيان والعدم، ليبقيهم معه أحياء على الورق؟ أما آن له أن يدوّن تاريخه الذي فكر فيه منذ زمن؟
ويكب على أوراقه ليكتب فيها أول مؤلفاته التاريخية، وهو في السابعة والعشرين من عمره، تاريخ هو أقرب إلى الذكريات، ومن ثُمَّ لم يعن نفسه في البحث له عن عنوان، وبنفس تفيض بالحزن والأسى، يخط مقدمته، وكأنها مرثية من المراثي: «الحمد لله الذي بإرادته تتغير الأحوال، وعلى وفق مشيئته تتصرف الأفعال، الذي انفرد بالبقاء، وكتب على غيره الزوال، وجعل الدنيا متنقلة لا تدوم على حال، وقضى على أهلها بالإدبار والإقبال، فكم ممن يؤمل الآمال فتحترمه دونها الآجال، وكم ممن يفجأه النَّوال، ولم يكن يخطر له ببال، فالحمد لله الكبير المتعال، ذي المعارج والطول والإكرام والإجلال، وصلى الله على نبيه ورسوله، وصفيه وخيرته من خلقه وخليله المفضال سيدنا أبي القاسم محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه، خير صحب وآل، وبعد:
فإنه عن لي بمشيئة الله تعالى أن أؤرّخ في زماني مما عاينته، وبلغني مما استثبته، لأن في ذكر التواريخ معتبرًا، وفيها عن الغرور بالدنيا مزدجرًا، لا سيما إذا
_________________
(١) «المذيل»: ٢/ ١٥، وقد توفي في (١٠) شوال سنة (٦٢٦ هـ/ ١٢٢٩ م).
[ ٨٢ ]
ذكر من مات في كلّ سنة من المعارف والإخوان، والأقارب والجيران، وذوي الثروة والسلطان، فإنَّ ذلك مما يزهد ذوي البصائر في الدنيا، ويرغبهم في الحياة العليا، والاستعداد لما هم ملاقوه، والإقلاع عما هم عن قليل مفارقوه.
وكان مما حداني إلى ذلك كثرة من يموت من المعارف، فأردت إثباتهم لعلّ بمطالعتهم أجد قلبًا على الإقبال على الآخرة يساعف.
وبدأت بالتاريخ من موت السلطان عيسى بن أبي بكر بن أيوب بن شاذي، الملقب بالملك المعظم، صاحب دمشق وأعمالها، والبيت المقدس وأعماله بعد أبيه العادل، لأنَّ بعده جرت أمور شاهدتها، وأحوال عرفتها، وهو الوقت الذي خطر لي فيه تدوين التاريخ، وأذكر من قبل هذا ما أنا مستحضر له» (^١).
ويفتتح تاريخه بعد هذه المقدمة الحزينة بأهم ما وقع في سنة (٦٢٠ هـ/ ١٢٢٣ م) إذ فُجِعَ الناس فيها بوفاة إمامين كبيرين، شيخي مذهبيهما، أحدهما شيخ الشافعية في وقته علمًا وعملًا أبو منصور عبد الرحمن بن محمد بن الحسن، المعروف بفخر الدين ابن عساكر (^٢)، والثاني شيخ الحنابلة موفق الدين، أبو محمد، عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي، من علماء المسلمين وعبادهم (^٣).
ثم يوجز ما جرى بعدهما من الحوادث مرتبة على السنين، حتى آخر سنة (٦٢٤ هـ/ ١٢٢٧ م) (^٤) حيث يطلق بعدها لقلمه العنان في وصف ما شاهده من وقائع وأحداث (^٥).
* * *
_________________
(١) «المذيل»: ١/ ٢٣ - ٢٤، وانظر مقدمتي لتحقيقه ص ٩ - ١٢.
(٢) «المذيل»: ١/ ٢٤ - ٢٦.
(٣) «المذيل»: ١/ ٢٦.
(٤) «المذيل»: ١/ ٢٦ - ٢٩.
(٥) انظر «المذيل»: ٢/ ٥، وما بعدها.
[ ٨٣ ]