كان هولاكو في أثناء إقامته بهمذان عقب قضائه على الإسماعيلية قد أتمَّ استعداداته كلها لغزو العراق، والاستيلاء على بغداد؛ حاضرة الخلافة الإسلامية، وبدأ جيشه الكبير في شوال سنة (٦٥٥ هـ/ ١٢٥٧ م) يزحف نحوها (^١).
وكان قلبه يستعر حنقًا على الخليفة المستعصم بالله، فقد أرسل إليه، وهو يحاصر قلاع الإسماعيلية، طالبًا نجدة منه، غير أنَّ الخليفة تجاهل طلبه، واستمع إلى نصيحة أمرائه: الدويدار الصغير وسليمان شاه، وهما يحذرانه منه، قائلين له: إنَّ هولاكو رجل صاحب احتيال وخديعة، وليس محتاجًا إلى نجدتنا، وإنَّما غرضه إخلاء بغداد من رجالها حتى يتملكها بسهولة (^٢).
وأبدى هولاكو - بعد استيلائه على قلاع الإسماعيلية - بعض غضبه، وهو يعاتب الخليفة على إهماله تسيير النجدة إليه، وشاور الخليفة من حوله فيما يفعله، فأشار عليه الوزير مؤيد الدين بن العلقمي بإرضاء هولاكو ببذل الأموال والهدايا والتحف له ولخواصه (^٣)، وباشر الخليفة على الفور في تهيئة هذه الهدايا، غير أنَّ
_________________
(١) «تاريخ مختصر الدول» لابن العبري: ص ٢٦٩.
(٢) المصدر السالف.
(٣) المصدر السالف.
[ ٢٠١ ]
الدويدار الصغير وأصحابه عارضوا الوزير في إشارته - وكان بينهما عداوة - وقالوا للخليفة: إنَّ الوزير إنَّما يريد مصانعة هولاكو بما يبعثه إليه من الأموال، تدبيرًا لنفسه، وهو يروم تسليمنا له، فلا تمكنه من ذلك. فأبطل الخليفة ما كان قد عزم عليه، واقتصر على إرسال شيء نزر من الهدايا (^١).
فازداد هولاكو غضبًا على غضب من هذه الهدية المحتقرة، وأرسل إلى الخليفة أن يبعث إليه بواحد من هؤلاء الثلاثة: إما الوزير، وإما الدويدار الصغير، وإما سلمان شاه (^٢).
ولم يقدر الخليفة خطورة الموقف، فلم يبعث إليه بأي واحد منهم (^٣)، ظنًا منه أن هولاكو لن يقدم على محاربته، فهيبة الخلافة، وحرمتها في العالم الإسلامي تصده عن ذلك، ولئن غامر وهاجمه إن جيوش أمراء المسلمين في بلاد الشام ومصر ستهب للدفاع عنه، بل إن أسوار بغداد ستحميه، ولن ينازعه هولاكو في بغداد إن ترك له العراق كله، قائلًا: بغداد تكفيني، حتى عامة المسلمين كانوا مطمئنين إلى أنَّ الخلافة عصية على الهزيمة، وهي التي قصمت أعداءها على مر القرون (^٤).
* * *
كان جيش هولاكو في زحفه يقترب من العراق، وقد أمر هولاكو سونجاق نوين أن يسير بقطعة من الجيش إلى إربل، ويجتمع ببايجو نوين القادم من بلاد الروم (^٥)، ويقصدان بغداد من غربي دجلة (^٦)، أما هو فتابع سيره نحوها من طريق حلوان من
_________________
(١) «تارخ مختصر الدول»: ص ٢٧٠.
(٢) المصدر السالف.
(٣) «البداية والنهاية» (حوادث سنة ٦٥٦ هـ)، «عقد الجمان» (حوادث ٦٤٨ - ٦٦٤): ص ١٧٢.
(٤) «محنة الإسلام الكبرى»، مصطفى طه بدر: ص ١٦٣، «تاريخ مختصر الدول»: ص ٢٧٠.
(٥) أخبار الأيوبيين: ص ١٦٦.
(٦) «تارخ مختصر الدول»: ص ٢٧٠.
[ ٢٠٢ ]
الشرق (^١)، وقد استصحب معه آلات الحصار وغيرها، وأجفل أهل السواد بين يديه إلى بغداد، ملتجئين إليها، حتى امتلأت بهم شوارعها، وضاقت على سعتها، فقعدوا في الطرقات والدكاكين، وغلت الأقوات، ووقع الناس في الخوف الشديد، والويل العظيم (^٢).
ولما وجد الخليفة أنّ هولاكو قد قرب من بغداد بادر إلى الأمير الدويدار الصغير - وكان مقدمًا على عشرة آلاف فارس - يأمره بالخروج من بغداد بالعساكر ليتصدى له، فخرج (^٣)، ونزل قريبًا من بعقوبا (^٤)، وأمر مرشدًا الخصي أن يخرج في باقي العسكر إلى خانقين، غير أن الأمراء امتنعوا من المسير تحت لوائه، وربما كان امتناعهم تعبيرًا عن استيائهم مما وصلت إليه حالتهم من سوء، إذ كان الخليفة قد أهمل حال الجند ومنعهم أرزاقهم، وأسقط أكثرهم من دساتير ديوان العرض، وآلت أحوالهم إلى سؤال الناس، وبذل ماء وجوههم في الأسواق والجوامع (^٥).
لما بلغ الدويدار الصغير وصول سونجاق نوين وبايجو نوين إلى غربي دجلة، عبر دجلة، ونزل حيال حربى (^٦)، وأرسل طليعة أحد أمرائه، وهو أيبك الحلبي ليتحسس له أخبار التتار، فوقع عليه التتار، فأخذوه أسيرًا، وحملوه إلى هولاكو، فأمنه هولاكو، وطيب قلبه، فانحاز إليهم إبقاء على حياته، وصار يسير أمام جيش التتار
_________________
(١) «تارخ مختصر الدول»: ص ٢٧٠.
(٢) «الحوادث الجامعة»: ص ١٥٥.
(٣) «عقد الجمان»: ص ١٦٩.
(٤) «الحوادث الجامعة»: ص ١٥٤ - ١٥٥.
(٥) «الحوادث الجامعة»: ص ١٥٤.
(٦) المصدر السالف.
[ ٢٠٣ ]
يعرفهم الطريق، ويكتب كتبًا إلى بعض أصدقائه يخذلهم عن قتال التتار، قائلًا لهم: ارحموا أرواحكم، واطلبوا الأمان، لأنَّ لا طاقة لكم بهذه الجيوش الكثيفة (^١).
ولكن جيش الخليفة على الرغم مما لحقه من إهمال كان يفيض إيمانًا بنصر الخليفة، واحتقارًا لهولاكو، فيجيبونه قائلين: من يكون هولاكو؟ وما قدرته ببيت عباس؟ من الله ملكهم، ولا يفلح من يعاندهم، ولو أراد هولاكو الصلح لما داس أرض الخليفة، ولما أفسد فيها، والآن إن كان هولاكو يختار المصالحة فليعد إلى همذان، ونحن نتوسل بالدويدار ليخضع لأمير المؤمنين متخشعًا في هذا الأمر، لعله يعفو عن هفوة هولاكو (^٢).
* * *
بيد أن التتار، وبحركة مفاجئة، توجهوا نحو الأنبار، فتبعهم الدويدار الصغير، ولما تجاوز قنطرة باب البصرة بفرسخ واحد لقي عسكر سونجاق نوين في انتظاره، فاصطدموا بقتال شديد يوم الأربعاء في التاسع من محرم سنة (٦٥٦ هـ/ ١٢٥٨ م)، فتظاهر عسكر التتار بالهزيمة خديعة له، فتبعهم الدويدار، وقتل منهم عدة، وحمل رؤوسهم إلى بغداد، وما زال يتبعهم سحابة ذلك النهار، وقد أشار عليه أحد أمرائه بأن يثبت مكانه، ولا يتبعهم، فلم يصغ إليه، فأدركه الليل، وقد تجاوز نهر بشير قرب دُجَيل، فبات هناك مع عسكره وهم يعتقدون أن معركتهم مع التتار قد حسمت، وأنهم قد انتصروا على عدوهم، بل إنَّ بعضهم تسلّل عائدًا إلى بغداد (^٣).
فلما أصبحوا حمل عليهم بايجو نوين حملة شديدة، فانهزموا بين يديه، وكان بايجو قد بثق في الليل بثقًا على نهر بشير، ففاض، وملأ الصحراء، وساحت منه
_________________
(١) «تاريخ مختصر الدول»: ص ٢٧٠.
(٢) المصدر السالف.
(٣) «تاريخ مختصر الدول»: ص ٢٧٠، «الحوادث الجامعة»: ص ١٥٦، «عقد الجمان»: ص ١٦٨ - ١٦٩.
[ ٢٠٤ ]
مياه دجلة، وأغرقت الطرق والمسالك، فعجزت خيول المنهزمين عن سلوكه، ووحلت فيه، فلم يخلص منه إلّا مَنْ كانت فرسه شديدة، وألقى معظم العسكر نفسه في دجلة، فهلك منهم الكثير، ودخل بغداد من نجا منهم مع الدويدار على أقبح صورة (^١).
وتبعهم بايجو نوين وعسكره يقتلون فيهم، وغنموا كل ما معهم، ونزلوا بالجانب الغربي من بغداد، وقد خلا من أهله، وشرعوا في الرمي بالنشاب إلى الجانب الشرقي، حيث دار الخلافة (^٢).
وارتاع الخليفة لتحطم جيشه بهذه السرعة أشد ارتياع، ولم يبق أمامه للدفاع عن بغداد إلّا إغلاق أبوابها، فأغلقت (^٣).
وكانت سهام التتار تصل إليه، وهو في داره، وذات ليلة، وبينما كانت إحدى جواريه ترقص بين يديه تسلية له، وتخفيفًا من جزعه، اخترق سهم بعض شبابيك الدار، فقتلها، فازداد الخليفة غمًا على غمّ، وكان التتار قد كتبوا على السهم سخرية به، وتثبيطًا له: إذا أراد الله أن ينفذ قضاءه سلب ذوي العقول عقولهم (^٤).
وزيادة في الاحتراز والتحصن داخل دار الخلافة أمر الخليفة بعمل ستائر من أنواع الخشب كي تحول بين شبابيك الدار ورماة التتار (^٥).
* * *
ووصل هولاكو إلى الجانب الشرقي من بغداد يوم السبت (١٢) محرم سنة (^٦).
_________________
(١) «الحوادث الجامعة»: ص ١٥٦.
(٢) «الحوادث الجامعة»: ص ١٥٦، و«خطط بغداد في القرن الخامس الهجري»: ص ٢٣.
(٣) «عقد الجمان»: ص ١٧٠.
(٤) «الحوادث الجامعة»: ص ١٥٦.
(٥) المصدر السالف.
(٦) «البداية والنهاية» (حوادث سنة ٦٥٦ هـ)، و«عقد الجمان»: ص ١٧١.
[ ٢٠٥ ]
(٦٥٦ هـ/ ١٢٥٨ م)، فوجد أبواب بغداد قد أُغلقت، فعرف أن أهلها قد ضعفوا عن لقائه، ولم يبق إلا الحصار، فأمر بحفر خندق عميق، وبناء سور يحيط بجهاتها كلها، فبني في يوم وليلة، وعملت له أبواب، ورتب هولاكو عليه أمراء التتار، وشرعوا في عمل ستائر المجانيق، ونصبوها بإزاء سور بغداد، ورتبوا العرادات وآلات النفط (^١)، وكان أهل بغداد يشاهدون من السور ما يقوم به التتار، وقد نصبوا عليه مجانيقهم كذلك، غير أنها لم تكن ذات جدوى (^٢).
ثم إن هولاكو أمر بعقد جسر جنوبي بغداد، قرب قرية العقاب، لتضييق الخناق عليها، وليمنع من ينحدر منها إلى واسط، ولم يعلم به أهل بغداد، فكانت سفنهم تصل إليه، فيؤخذ من بها ويقتل، وقد قتل عنده خلق كثير (^٣).
ولما أحكم التتار حصارهم حول بغداد، جدّوا في القتال ورمي السور، وابتدؤوا الرمي على برج العجمي (^٤)، وكان عن يمين سور الحلبة (^٥)، وهو أقوى الأبراج (^٦)، وأمر هولاكو أن يكتب على السهام بالعربية تخذيلًا للمقاتلين: كل مَنْ ليس يقاتل فهو آمن على نفسه وحريمه وأمواله، وكانوا يرمونها إلى المدينة (^٧).
كانت أحجار المجانيق تدك أسوار بغداد، والسهام تفتك بأهلها، والخليفة في داره قابع، يعاين العجز في نفسه، والخذلان في أصحابه، ولاح له أنه لا بد من إرسال رسول إلى هولاكو يسترضيه بالهدايا، اتباعًا لنصيحة وزيره القديمة، غير أنَّ مَنْ حوله من الأمراء كالدويدار الصغير وسليمان شاه، ثنوه عن ذلك، إذ كانوا
_________________
(١) «تاريخ مختصر الدول»: ص ٢٧٠ - ٢٧١.
(٢) «الحوادث الجامعة»: ص ١٥٧.
(٣) المصدر السالف.
(٤) «تاريخ مختصر الدول»: ص ٢٧١.
(٥) «الحوادث الجامعة»: ص ١٥٧.
(٦) «محنة الإسلام الكبرى»: ص ١٧٢.
(٧) «تاريخ مختصر الدول»: ص ٢٧١.
[ ٢٠٦ ]
ما يزالون يعتقدون أنهم بالمناورة قد يرفعون الحصار عن بغداد، فحاولوا أن يظهروا رباطة جأش وبغداد تضرب وقالوا للخليفة: إن سيرت إلى هولاكو الكثير من الهدايا، فإنه سيفسر ذلك بأننا هلعنا وجزعنا كثيرًا (^١). فأرسل الخليفة صاحب دوانه وابن درنوش إلى هولاكو بهدايا نزرة، فسألهم هولاكو: لم لم يأتِ الدويدار وسليمان شاه؟ فكتب إليه الخليفة بأنه سيسير إليه وزيره ابن العلقمي، وهو أحد الثلاثة الذين كان قد طلبهم (^٢).
وخرج الوزير ابن العلقمي من بغداد يوم الاثنين (١٤) محرم سنة (٦٥٦ هـ/ ١٢٥٨ م) في جماعة من مماليكه وأتباعه، وكان أتباعه ينهون الناس عن الرمي بالنشاب، ويقولون: سوف يقع الصلح إن شاء الله، فلا تحاربوا. أما عسكر التتار فكانوا يبالغون في الرمي، ويمطرون برج العجمي بحجارة المجانيق (^٣).
وبقي الوزير ابن العلقمي في معسكر هولاكو نحو ثلاثة أيام (^٤)، يتوثق لنفسه منه، متحالفًا معه، استجلابًا لمصلحته، وقد رأى بغداد آيلة للسقوط، وانتقامًا من أعدائه: الدويدار الصغير وسليمان شاه، بل انتقامًا من الخليفة نفسه، ورجع إلى بغداد يوم الخميس (١٧) محرم، وكأنه رسول من هولاكو، قائلًا عن لسانه: إنَّ هولاكو قد طلب أحد الثلاثة حين كان مقيمًا بنواحي همذان، أما الآن، وهو على أسوار بغداد، فلن يقنع بواحد منهم (^٥).
فكان لا بد من خروج الدويدار وسليمان شاه إليه، وحاول الدويدار الهروب من بغداد، غير أن الحصار المحكم حولها حال دون هروبه (^٦)، ويبدو أن الوزير
_________________
(١) «تارخ مختصر الدول»: ص ٢٧١.
(٢) «تارخ مختصر الدول»: ص ٢٧١.
(٣) «الحوادث الجامعة»: ص ١٥٧.
(٤) المصدر السالف.
(٥) «تارخ مختصر الدول»: ص ٢٧١.
(٦) المصدر السالف.
[ ٢٠٧ ]
ابن العلقمي - وقد غدا مقربًا من هولاكو - قد تولى المفاوضات بين هولاكو والخليفة، وكانت الغاية التي يتغيَّاها هولاكو من هذه المفاوضات هي إخراج الخليفة من بغداد. فكان ابن العلقمي يرجع في كل مرة من عند هولاكو باقتراح جديد يقرب من هذه الغاية.
فقد أصر هولاكو بادئ ذي بدء على خروج الدويدار الصغير وسليمان شاه إليه، أما الخليفة فهو مخير في ذلك، إن اختار الخروج فليخرج، وإلا فليلزم مكانه (^١).
ثم إنَّ ابن العلقمي راح يغري الخليفة بالخروج، مطمئنًا له على لسان هولاكو بأنه سيبقيه في الخلافة كما فعل بسلطان الروم، وتقربًا منه، فإنه يريد أن يزوج ابنته من ابن الخليفة أبي بكر (^٢).
وفي مرة ثالثة قَدِمَ ابن العلقمي على الخليفة بمشروع مصالحة بينه وبين هولاكو، على أن يكون نصف الخراج من أرض العراق للتتار، ونصفه للخليفة، غير أن هذا المشروع لن يتم ما لم يمثل الخليفة بين يدي هولاكو (^٣).
وبقي الخليفة برغم ما يأتيه من عروض براقة متوجسًا حذرًا من هذا الخروج، مطمئنًا إلى أن أسوار بغداد سوف تحميه.
فواصل التتار رمي الحجارة عليها بالمجانيق، حتى تمكنوا أخيرًا من هدم برج العجمي، وانفتح منه ثغرة صعدوا منها إلى السور في يوم الاثنين (٢١) محرم سنة (^٤) (٦٥٦ هـ/ ١٢٥٨ م)، واشتد القتال على السور نحو سبعة أيام حتى تمكن التتار من الاستيلاء عليه من جهاته كلها في يوم السبت (٢٦) محرم، وعلا التتار
_________________
(١) «تارخ مختصر الدول»: ص ٢٧١.
(٢) «عقد الجمان»: ص ١٧٣.
(٣) «البداية والنهاية» (حوادث سنة ٦٥٦ هـ)، «عقد الجمان»: ص ١٧٢.
(٤) «الحوادث الجامعة»: ص ١٥٧.
[ ٢٠٨ ]
السور (^١)، وتطاللوا على بغداد، فإذا هي أمامهم مستسلمة، عاجزة عن الدفاع عن نفسها، فأمسكوا عن الرمي (^٢).
وسارع أهل بغداد إلى إرسال شرف الدين المراغي وشهاب الدين الزنكاني، وهما من أعيان بغداد، ليطلبا الأمان لهم من هولاكو (^٣).
وأسقط في يد الخليفة، ووجد ألا مفر له من الخروج إلى هولاكو، فخرج إليه يوم الاثنين (٢٨) محرم (^٤) في موكب كبير في نحو سبع مئة راكب من القضاة والفقهاء والصوفية، ورؤوس الأمراء والأعيان، فلما صاروا خارج السور، واقتربوا من منزل هولاكو، حُجب الركب عن الخليفة إلا سبعة عشر رجلًا منهم، وأنزل الباقون عن مراكبهم، فنهبت، ثم قتلوا عن آخرهم (^٥). وأفرد التتار للخليفة خيمة اعتقلوه فيها (^٦).
ثم أحضر الخليفة إلى منزل هولاكو، وقد راعه في طريقه إليه ما رآه في معسكره من مظاهر السطوة والجبروت، ولما مثل بين يديه، وسأله هولاكو عما بدر منه، اضطرب الخليفة، وتلعثم لسانه (^٧)، ثم أعيد إلى خيمته تحت حراسة مشددة.
وتتابع الأمراء على الخروج إلى هولاكو، فخرج الدويدار الصغير وسليمان شاه في يوم الخميس الفاتح من صفر سنة (^٨) (٦٥٦ هـ/ ١٢٥٨ م).
_________________
(١) «تاريخ مختصر الدول»: ص ٢٧١.
(٢) «الحوادث الجامعة»: ص ١٥٧.
(٣) «تاريخ مختصر الدول»: ص ٢٧١.
(٤) «الحوادث الجامعة»: ص ١٥٧.
(٥) «البداية والنهاية» (حوادث سنة ٦٥٦ هـ)، «عقد الجمان»: ص ١٧٢.
(٦) «الحوادث الجامعة»: ص ١٥٧.
(٧) «البداية والنهاية» (حوادث سنة ٦٥٦ هـ)، «عقد الجمان»: ص ١٧٢.
(٨) «الحوادث الجامعة»: ص ١٥٧.
[ ٢٠٩ ]
ثم خرج في اليوم التالي ابن الخليفة الأكبر أبو العباس أحمد (^١).
ولما تحقق هولاكو من أنَّ بغداد قد ألقت قيادها إليه، واستسلمت له، دخلها في يوم الأحد (٤) صفر سنة (٦٥٦ هـ/ ١٢٥٨ م) دخول المنتصر، ومعه أمراؤه، ليشاهد دار الخلافة، وكان في صحبته نصير الدين الطوسي، وتابعه الجديد الوزير ابن العلقمي، وقد جاب هولاكو أرجاء القصر، وربما أبدى دهشته لما شاهده فيها من جمال وترف، ثم أمر بإحضار الخليفة إليه، فأحضر محاطًا بجند التتار، فمثل بين يدي هولاكو، وبذل الأسير وخضوعه راح الخليفة يخرج له تحف دار الخلافة وكنوزها من الأموال والجواهر والحلي والزركش والثياب، وأواني الذهب والفضة والأعلاق النفيسة التي تراكمت فيها عبر القرون، وبغطرسة المنتصر راح هولاكو يفرقها على أمرائه، ثم أمر الخليفة أن يفرز جميع النساء اللاتي باشرهن هو وبنوه، ويعزلهن عن غيرهن من حريم القصر، فكن سبع مئة امرأة، فأخرجهن، ومعهن (^٢) ثلاثة مئة خادم وخصي.
وكان الليل قد خيم بوحشته على بغداد، فرجع هولاكو إلى معسكره، وأمر أن يعتقل الخليفة بباب كلواذى (^٣).
وما إن أطل صباح يوم الاثنين (٥) صفر حتى نادى منادي هولاكو في معسكره يأمر جنوده باستباحة بغداد، ووضع السيف في أهلها (^٤).
وانقض عليها التتار تقتيلًا وتخريبًا، وبدؤوا أول ما بدؤوا بأعمام الخليفة وأنسابه في دار الخلافة، فكانوا يطلبونهم واحدًا بعد الآخر، فيخرج الرجل منهم بأولاده ونسائه وجواريه، فيحمل إلى مقبرة الخلال التي تجاه المنظرة، فيذبح بها
_________________
(١) «الحوادث الجامعة»: ص ١٥٧.
(٢) «تاريخ مختصر الدول»: ص ٢٧١ - ٢٧٢، «الحوادث الجامعة»: ص ١٥٧.
(٣) «تاريخ مختصر الدول»: ص ٢٧١.
(٤) «الحوادث الجامعة»: ص ١٥٨.
[ ٢١٠ ]
كما تذبح الشاة، ويؤسر من يختارونه من بناته وجواريه، حتى قتلوهم عن آخرهم (^١).
أما الفقهاء وأعيان بغداد ومدرسوها، فكان الوزير ابن العلقمي يستدعيهم، فيخرجون إليه طمعًا في أمانه، فكان إذا اجتمع لديه طائفة منهم يرسلهم إلى التتار، فيقتلونهم (^٢)، حتى إذا فرغوا منهم مالوا على البلد يقتلون كل من قدروا عليه من الرجال والنساء، والولدان والمشايخ، والكهول والشبان، وقد اختبأ بعض الناس في الآبار والمطامير والقنى والمغاوير، وبعضهم كان يغلق عليه أبواب الخانات، فيفتحها التتار بالكسر أو بالنار، فيدخلونها فيهرب منهم الناس إلى الأسطحة، فيقتلونهم هناك، حتى جرت الميازيب بالدماء في الأزقة، وسالت غزيرة في المساجد والجوامع والربط (^٣)، وخربت المكتبات، وأتلفت الكتب (^٤).
وظفر الوزير ابن العلقمي لتعاونه مع التتار بأن كان داره أحد الدور الآمنة في هذا الخراب الواسع، فمن دخله كان آمنًا (^٥)! ..
ورحل هولاكو عن بغداد يوم الأربعاء (١٤) صفر سنة (٦٥٦ هـ/ ١٢٥٨ م) عائدًا إلى معسكره في همذان، تاركًا جنوده يستبيحونها، وفي أول مرحلة من مراحل الطريق أمر بقتل الخليفة في ذلك اليوم (^٦)، ولم يهرق دمه على عادتهم في قتل
_________________
(١) «الحوادث الجامعة»: ص ١٥٨، «عقد الجمان»: ص ١٧٥.
(٢) «عقد الجمان»: ص ١٧٣ - ١٧٤.
(٣) «البداية والنهاية» (حوادث سنة ٦٥٦ هـ)، «عقد الجمان»: ص ١٧٤.
(٤) «محنة الإسلام الكبرى»: ص ١٧٧.
(٥) «الحوادث الجامعة»: ص ١٥٨ - ١٥٩.
(٦) «تاريخ مختصر الدول»: ص ٢٧٢.
[ ٢١١ ]
أشرافهم (^١)، بل جعل في غرارة، ورفس حتى مات، ودفن، وعفي أثره، وكان له من العمر ست وأربعون سنة وأربعة أشهر (^٢).
ثم قتل ولداه أبو العباس أحمد، وأبو الفضل عبد الرحمن (^٣).
ثم قتل الدويدار الصغير وابنه، وسليمان شاه، وأمر هولاكو بحمل رؤوسهم إلى الموصل، فحملت وعلقت على أبوابها، ترهيبًا لصاحبها، وتخويفًا لأهلها (^٤) ولم يزل التتار في قتل ونهب وأسر، وتعذيب الناس بأنواع العذاب، لاستخراج الأموال منهم، حتى لم يبق من أهل بغداد ومن التجأ إليها من أهل السواد إلا القليل (^٥).
فلما نودي بالأمان - بعد أربعين يومًا - خرج من كان مختبئًا تحت الأرض بالمطامير والقنى والمغاوير كأنهم موتى نبشوا من قبورهم، قد تغيرت ألوانهم، واستولى الذهول على عقولهم لما شاهدوه من الأهوال التي لا يعبر عنها بلسان (^٦)، حتى إن بعضهم أنكر بعضًا، فلم يعرف الوالد ولده، ولا الأخ أخاه (^٧)
وعادت بغداد بعدما كانت آنس المدن كلها مدينة موحشة خرابًا، ليس فيها إلا القليل من الناس، وهم في خوف وبرد وجوع وذلة (^٨).
وقد تراكم القتلى في الدروب والأسواق كالتلول (^٩)، والدم في الأزقة متخثر
_________________
(١) «العبر» لابن خلدون: ٥/ ٥٤٣.
(٢) «الحوادث الجامعة»: ص ١٥٧.
(٣) «الحوادث الجامعة»: ص ١٥٨.
(٤) المصدر السالف.
(٥) المصدر السالف.
(٦) المصدر السالف.
(٧) «عقد الجمان»: ص ١٧٦.
(٨) «البداية والنهاية» (حوادث سنة ٦٥٦ هـ)، «عقد الجمان»: ص ١٧٤.
(٩) «الحوادث الجامعة»: ص ١٥٩.
[ ٢١٢ ]
كأكباد الإبل (^١)، وقد هطلت الأمطار عليهم، ووطئتهم خيول التتار، فتغيرت صورهم (^٢)، وأنتنت البلد من رائحتهم، وكثر الذباب، وتغير الهواء، ووقع الوباء فيمن نجا من القتل، واجتمع على الأحياء منهم الغلاء والفناء والطعن والطاعون (^٣)
_________________
(١) «عقد الجمان»: ص ١٧٤.
(٢) «الحوادث الجامعة»: ص ١٥٩.
(٣) «عقد الجمان»: ص ١٧٥ - ١٧٦.
[ ٢١٣ ]