بعد أيام من محاصرة هولاكو حران استولى على قلعتها، واستولى على ما كان بيد الناصر يوسف من بلاد الشرق، وعزم على قطع الفرات، والنزول على حلب (^١).
وبلغت تلك الأخبار الناصر يوسف، فاشتد جزعه، وخاف خوفًا عظيمًا (^٢)، واتفق رأي أمرائه على أن يسيّروا نساءهم وأولادهم وأموالهم إلى الديار المصرية، فوافقهم الناصر يوسف على ذلك، وكان تسارع الأحداث وخطورتها قد سلبته القدرة على التفكير، فأسلم قياده إلى أمرائه، معللًا ذلك بأنهم المشايخ وقد حنكتهم التجارب، فلا يفعلون له ولا لنفوسهم إلا ما فيه المصلحة (^٣).
فسير الناصر يوسف زوجته وأولاده وأمواله إلى مصر (^٤)، وخرج معهم نساء الأمراء وأولادهم وذخائرهم وأموالهم، وسير كل واحد منهم جماعة من أجناده صحبة حرمه، وأخذ الجند نسوانهم أيضًا وأموالهم (^٥)، وخرجت معهم جموع من
_________________
(١) «أخبار الأيوبيين»: ص ١٧١.
(٢) «السلوك»: ج ١/ ق ٢/ ٤٢٠.
(٣) «أخبار الأيوبيين»: ص ١٧١.
(٤) «السلوك»: ج ١/ ق ٢/ ٤٢٠.
(٥) «أخبار الأيوبيين»: ص ١٧١.
[ ٢٣١ ]
الناس (^١)، فتفرقت العساكر، وبقي الناصر في طائفة من الأمراء (^٢)، وقد قَلَّ العسكر، فانخرقت الحرمة، وزاد الطمع فيه (^٣).
وبعد استيلاء هولاكو على حران، سار إلى سروج، فقتل أهلها عن آخرهم (^٤)، وتقدم، فنصب جسرًا على الفرات قريبًا من ملطية، ونصب جسرًا ثانيًا عند قلعة الروم، ونصب جسرًا ثالثًا عند قرقيسيا، وعبرت عساكر التتار جميعها، وارتكبوا عند منبج مذبحة رهيبة، وتفرقت عساكرهم على المدن والقلاع، وتوجه هولاكو نحو حلب (^٥).
ووردت الأخبار إلى دمشق بأنَّ التتار قد قطعوا الفرات، وأغاروا على قرى حلب، فدب الخوف والهلع في قلوب الناس، وهرب كثير منهم هائمين على وجوههم في البراري والجبال والحصون، وبعضهم سار إلى مصر، وكان الوقت شتاء، والبرد قارسًا، فمات كثير منهم في الطريق، ونهب آخرون (^٦).
ولم يثبت في دمشق إلا من قوى الله قلبه وإيمانه، وكان أبو شامة واحدًا من هؤلاء (^٧)، وكانت زوجته ست العرب قد أشهرت في تلك الأيام العصيبة، فولدت في (١٨) محرم سنة (٦٥٨ هـ/ ١٢٦٠ م)، ولدًا ذكرًا، فسماه أبو شامة إسماعيل على اسم والده، وكناه أبا العرب، ووافق يوم مولده رابع كانون الثاني في شدة البرد (^٨).
_________________
(١) «السلوك»: ج ١/ ق ٢/ ٤٢٠.
(٢) المصدر السالف.
(٣) «أخبار الأيوبيين»: ص ١٧١.
(٤) «مختصر تاريخ الدول»: ص ٢٧٩.
(٥) المصدر السالف.
(٦) «المذيل»: ٢/ ١٣٨.
(٧) المصدر السالف.
(٨) «المذيل»: ٢/ ١٣٩.
[ ٢٣٢ ]
ووصل هولاكو بعساكره إلى حلب، وأرسل إلى الملك المعظم تورانشاه بن السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب، وكان نائب الناصر يوسف في حلب، يقول له: إنكم تضعفون عن لقائنا، ونحن قَصْدُنا الملك الناصر والعساكر، فاجعلوا لنا عندكم بحلب شحنة، وبالقلعة شحنة، ونحن نتوجه إلى العسكر، فإن كانت الكسرة في عسكر الإسلام كانت البلاد لنا، وتكونون أنتم قد حقنتم دماء المسلمين، وإن كانت الكسرة علينا كنتم مخيرين في الشحنتين، إن شئتم طردتموهما، وإن شئتم قتلتموهما. فلم يجب الملك المعظم إلى ذلك، وقال لهم: ليس لكم عندنا إلا السيف.
فلما ورد هذا الجواب غضب هولاكو، وأحاط التتار بحلب في (٢) صفر سنة (٦٥٨ هـ/ ١٢٦٠ م)، وهجموا في غد ذلك اليوم (^١)، واشتدَّ القتال عليها، وقد استضعفوا من سورها موضعًا عند باب العراق (^٢)، فضربوه بالمنجنيقات حتى استولوا عليها في يوم الأحد (٩) صفر سنة (^٣) (٦٥٨ هـ/ ١٢٦٠ م)، وأخذوا أهلها بالسيف، وقتلوا خلقًا كثيرًا، وأسروا النساء والذرية، ونهبوا الأموال، واستباحوا فيها دماء الناس حتى امتلأت الطرقات من القتلى، وصارت عساكر التتار زيادة في التشنيع تمشي على جيف القتلى، وامتنعت قلعة حلب، فنازلها هولاكو حتى استولى عليها في (١٠) صفر، وخربها، وخرب جميع سور البلد، وجوامعها ومساجدها، وبساتينها، حتى سكنتها الوحشة (^٤)، ودام القتل والنهب في حلب حتى يوم الجمعة (١٤) صفر، فأمر هولاكو برفع السيف، ونودي بالأمان (^٥)، وقد قتل فيها أكثر مما قتل ببغداد (^٦).
_________________
(١) «عقد الجمان»: ص ٢٣٠.
(٢) «مختصر تاريخ الدول»: ص ٢٧٩.
(٣) «عقد الجمان»: ص ٢٣٠.
(٤) «السلوك»: ج ١/ ق ٢/ ٤٢٢.
(٥) «عقد الجمان»: ص ٢٣١ - ٢٣٠.
(٦) «أخبار الأيوبيين»: ص ١٧١.
[ ٢٣٣ ]
ووصل الخبر إلى دمشق بأخذ قلعة حلب، وكان الناصر يوسف يظن أنها لا تؤخذ في عشر سنين لمناعتها (^١)، فحينئذ تمزق أهل دمشق كل ممزق، واضطربوا، وزهدوا في أمتعتهم، وباعوها بأبخس الأثمان، وخرجوا من دمشق هائمين على وجوههم (^٢).
واشتد الحال على الناصر يوسف، وخاف خوفًا شديدًا، وضاقت حيلته، فاستشار أمراءه، فأشاروا عليه بأن يرحل نحو غزة، ويكاتب المظفر قطز يستصرخه، ويسأله أن يخرج بعساكر مصر لتجتمع كلمتهم، ويتفقوا على لقاء هولاكو وقتاله، واستنقاذ البلاد منه (^٣)
فرحل الناصر يوسف عن برزة بعد صلاة الجمعة منتصف صفر سنة (٦٥٨ هـ/ ١٢٦٠ م) بمن بقي معه قاصدًا غزة، وترك دمشق خالية ممن يدافع عنها من العسكر، فاختبطت، ولم يثبت بها الناس، فخرجوا بخروج الناصر يوسف، ووقعت فيهم الجفلات، حتى كأنَّ القيامة قد قامت، ومن بقي من أهل دمشق علا أسوارها، وأطلق لسانه بشتم الناصر يوسف وأمرائه، والدعاء عليهم، قائلين: تركتمونا طعمًا للتتار، لا كتب الله لكم السلامة (^٤)
وكانت أصواتهم تتلاشى كلما ابتعد الناصر يوسف عن دمشق.
ويعكف أبو شامة على تاريخه يسجل فيه هذا الحدث الجلل، مسدلًا الستار على تاريخ الأيوبيين في الشام، بقوله: «وفي منتصف صفر ورد الخبر إلى دمشق باستيلاء التتار على بلاد حلب بالسيف، فهرب صاحبها من دمشق بأمرائه، الموافقين له على سوء تدبيره، وزال ملكه عن تلك البلاد» (^٥).
_________________
(١) «أخبار الأيوبيين»: ص ١٧٢.
(٢) «السلوك»: ج ١/ ق ٢/ ٤٢٠.
(٣) «أخبار الأيوبيين»: ص ١٧٢.
(٤) «أخبار الأيوبيين»: ص ١٧٢، «السلوك»: ج ١/ ق ٢/ ٤٢٣.
(٥) «المذيل»: ٢/ ١٣٩.
[ ٢٣٤ ]