لم تدم الألفة التي جمعت بين الملوك الثلاثة: المعظم والأشرف والكامل في محنة دمياط، فما إن تمت هزيمة الصليبيين، واستراحت القلوب من عنائهم، حتى تسلل الحسد والخوف إليها، وبدأت تنتاب المعظم هواجس اتفاق أخويه عليه (^١).
وربما أثارها بقاء الأشرف في مصر عند أخيه الكامل عقب النصر الكبير.
ولكي يحمي المعظم نفسه، وقد شعر بضعفه لوقوع بلاده بينهما، الأشرف في البلاد الشرقية: حران وخلاط وميافارقين، والكامل في مصر، أرسل سرًا إلى جلال الدين خوارزم شاه ملك المملكة الخوارزمية يتقوى به (^٢). وأرسل كذلك إلى أخيه شهاب الدين غازي - وكان الأشرف قد جعله ولي عهده حين سافر إلى مصر - يحثه على عصيان الأشرف، فاستجاب له (^٣).
ولما علم الأشرف بدسائس المعظم عليه خرج من مصر، قاصدًا بلاده بالشرق، وفي طريقه مرَّ على دمشق، فعرض عليه المعظم النزول بالقلعة، فامتنع
_________________
(١) «مرآة الزمان»: (حوادث سنة ٦١٨ هـ) بتحقيقي.
(٢) «المذيل»: ١/ ٣٤٩.
(٣) «المذيل»: ١/ ٣٥٤ - ٣٥٥.
[ ٦٥ ]
الأشرف خوفًا منه، ونزل بجوسق أبيه العادل، وفي وقت السحر خرج من دمشق يطوي البلاد إلى حران، دون أن يُعلم المعظم برحيله، فبرح الخفاء، واستعلن العداء، وبدت الوحشة بين الإخوة الأعداء (^١).
وسارع خليفة بغداد في الصلح بين الإخوة، وبخاصة أن سياسة المعظم بتحالفه مع جلال الدين تهدده (^٢)، إذ كان جلال الدين يطمع بالاستيلاء على بغداد، وتنصيب نفسه سلطانًا عليها (^٣)، وقد هاجم كثيرًا من البلاد حولها، واستولى على دقوقا سنة (٦٢٢ هـ/ ١٢٢٥ م) وأوقع السيف في أهلها (^٤)، ولولا رجوعه إلى تفليس لإعانة جيشه الذي يقاتل هناك لقصد بغداد (^٥). غير أنَّ المعظم أصم أذنيه عن هذه الوساطة، متعللًا بأنَّ أخويه قد اتفقا عليه (^٦).
ولشغل الأشرف عنه أرسل المعظم إلى جلال الدين يحثه على الاستيلاء على خلاط - وهي من بلاد أخيه - حتى يستطيع أن يتفرغ للكامل إن قصده من مصر (^٧). وأثمرت سياسة المعظم هذه بتفكيك التحالف بين الأشرف والكامل، فحين حاصر جلال الدين خلاط شعر الأشرف أن لا خلاص له إلا بتصالحه مع المعظم، فقدم دمشق، وتذلل له، وقال: نحن مماليكك، وما أنبت الشعر على رؤوسنا إلا أنت. وسأله أن يطلب من جلال الدين الرحيل عن خلاط، فبعث المعظم إليه، فرحل عنها، وكان قد أقام على حصارها أربعين يومًا (^٨).
_________________
(١) «المذيل»: ١/ ٣٥٤.
(٢) «المذيل»: ١/ ٣٨٥.
(٣) «المذيل»: ١/ ٣٧٧.
(٤) المصدر السالف.
(٥) «المذيل»: ١/ ٣٧٧ - ٣٧٨.
(٦) «المذيل»: ١/ ٣٨٥ - ٣٨٦.
(٧) «المذيل»: ١/ ٣٨٦.
(٨) المصدر السالف.
[ ٦٦ ]
وفزع الكامل لما جرى، وأحس أنَّ المعظم بات حقًا يهدد مصر إن فكر بمهاجمتها مع حليفه جلال الدين، فلكي يشغل المعظم عنه أرسل إلى الإمبراطور فريدريك الثاني يطلب منه القدوم إلى عكا، ووعده أن يعطيه بيت المقدس، وبعض البلاد التي فتحها من قبل عمه صلاح الدين (^١).
وهكذا راح كل من الأخوين يستجلب الأعداء لأخيه، ويرى حياته بموت أخيه … .!
* * *
كان الإمبراطور فريدريك الثاني قد تزوّج من وريثة ما بقي من مملكة بيت المقدس سنة (^٢) (٦٢٢ هـ/ ١٢٢٥ م) مما جعل له الحق في إدارتها، فلما جاءته رسالة الكامل تجددت رغبته في أخذ القدس، ورآها فرصة سانحة لتحقيق ما كان يلوح به منذ زمن بعيد، وذلك بتجهيز حملة صليبية إلى الشرق يقودها بنفسه (^٣)، فسارع إلى إرسال رسول إلى الكامل الذي رحب به ترحيبًا كبيرًا، وكان على رسوله أن يقابل المعظم في دمشق، ويعرض عليه اتفاق الكامل مع الإمبراطور (^٤). فلما وصل إلى دمشق سنة (٦٢٤ هـ/ ١٢٢٧ م) أغلظ له المعظم في الجواب، وقال له معرّضًا بأخيه الكامل: قل لصاحبك ما أنا مثل الغير، وماله عندي سوى السيف (^٥).
وأخذ المعظم يستعد للحرب القادمة، وخيمت أجواء الحزن والضيق على دمشق، وهي ترى عاقبة هذا الخلاف بين الإخوة الذي بات يهدد بضياع بيت المقدس من جديد.
_________________
(١) «مفرج الكروب»: ٤/ ٢٠٦ - ٢٠٧.
(٢) «الحملة الصليبية الخامسة»: ص ٣٦٢.
(٣) «العلاقات السياسية»: ص ٢٨٥ وما بعدها.
(٤) «العلاقات السياسية»: ص ٢٦٨ - ٢٦٩.
(٥) «المذيل»: ١/ ٣٩٦.
[ ٦٧ ]
وبينما كان أبو شامة منهمكًا في إنجاز شرح صغير مختصر لقصيدة الإمام الشاطبي في القراءات «حرز الأماني» (^١) راح يتجرع غصص هذا الحزن والضيق مع مَنْ يتجرعه من أهل دمشق، ويرى ذات ليلة في منامه كأن عمر بن الخطاب ﵁، فاتح القدس، قد أقبل إلى الشام منجدًا لأهله على الفرنج، وأبو شامة يمشي إلى جانبه، ملاصقًا منكبه بمنكبه حتى كان الناس يسألونه عنه وعما يريد أن يفعل، وكان أبو شامة يخبرهم عنه، فكأنه كان واسطة بينه وبين الناس (^٢).
هل كان أبو شامة - وهو الرازح تحت الشعور بالعجز - يبحث عن دور له في كشف هذه الغمة؟
ربما تجلى له هذا الدور، وهو يرى في منامه كذلك ذات ليلة كأن المسلمين في صلاة الجمعة في حر شديد، وأبو شامة خائف عليهم من العطش، ولا ماء، ثم ينظر إلى بئر ماء، وإلى جانبه حوض، فيخطر له أن يستقي من ذلك البئر، ويسكب في الحوض حتى يشرب منه الناس إذا انصرفوا من الصلاة، وكان شخص قبله لا يعرفه قد استقى دلوًا أو دلوين، فيأخذ منه أبو شامة الدلو، فيستقي دلاء كثيرة لم يعرف عددها، ويسكب في الحوض (^٣).
فهل كان من معاني هذا الدور أنه يريد أن يعلّم الأمة الأخذ بأسباب الحياة؟
* * *
ويحركه الشوق إلى القدس، وقد أثاره الخوف عليها، فيسافر إليها في رحلة جماعية في آخر شعبان سنة (٦٢٤ هـ/ ١٢٢٧ م) بصحبة الفقيه عز الدين بن عبد السلام، فيزور الأقصى والخليل، وما بتلك الديار من الآثار، ويقضي هناك أربعة عشر يومًا من رمضان، ثم يعود إلى دمشق (^٤).
_________________
(١) «إبراز المعاني»: ١/ ٦٩.
(٢) «المذيل»: ١/ ١٣٩.
(٣) المصدر السالف.
(٤) «المذيل»: ١/ ٣٩٧ - ٣٩٦.
[ ٦٨ ]
وتعاوده الأحلام من جديد، فيرى عقب عودته ذات ليلة في منامه كأنه والفقيه عز الدين بن عبد السلام داخل باب الرحمة بالبيت المقدس، وقد أرادا فتحه، وثَمَّ مَنْ يمنع من فتحه، ويدفعونه لينغلق، فما زالا يعالجان الباب حتى فتحا مصراعيه فتحًا تامًا بحيث أسندا كل مصراع إلى الحائط الذي خلفه (^١).
وتتضح معالم الخلاص لأبي شامة، فلا بد للأمة كي تنهض من كبوتها من حاكم عادل كعمر بن الخطاب ﵁ ومن عالم ناصح، يفتح للأمة باب الرحمة، ويأخذ بأيديها إلى أسباب الحياة.
ويصحو أبو شامة من أحلامه ليرى بؤس الواقع، فبينما كان المعظم يجهز عساكره إلى نابلس يسقط فجأة صريع المرض في منتصف شوال ولعله سقي السم - ويعاني آلام المرض حتى يوم الجمعة الفاتح من ذي الحجة سنة (٦٢٤ هـ/ ١٢٢٧ م) حيث يموت في صباحه عن سبع وأربعين عامًا (^٢)، والأمة أحوج ما تكون إلى قائد في هذه الأوقات العصيبة، وتبكي دمشق ملكها، فهو على ما فيه قد تفرد من بين ملوك عصره بالجمع بين الجهاد، والاشتغال بأنواع العلوم … وكان عديم الالتفات إلى ما يرغب فيه الملوك من الأبهة والتعظيم (^٣)، وهي صفات تغفر له ما عداها عند أبي شامة، ويتولّى من بعده ابنه الناصر داود، وهو في الحادية والعشرين من عمره (^٤). ويزداد بموت المعظم طمع الصليبيين بالبلاد، فيخرجون من عكا وصور وبيروت إلى مدينة صيدا - وكانت مناصفة بينهم وبين المسلمين، وسورها خراب - فيستولون عليها، ويعمرون سورها، ولم تجد صيدا من يدافع عنها؛ لأنَّ أسوار الحصون القريبة منها مثل تبنين وهونين مخربة كذلك (^٥).
_________________
(١) «المذيل»: ١/ ١٣٩.
(٢) «مرآة الزمان» (وفيات سنة ٦٢٤ هـ)، و«المذيل»: ١/ ٢٨.
(٣) «المذيل»: ١/ ٣٩٨.
(٤) مفرج الكروب: ٤/ ٢١٩.
(٥) الكامل لابن الأثير: ١٢/ ٤٧٧ - ٤٧٨.
[ ٦٩ ]
وفي غمرة هذه الحوادث المتلاطمة يخطر في بال أبي شامة أن يدون ما يجري في زمانه مما يعاينه (^١)، فهو لا يملك إلا الكلمة، فليدوّن ما يراه، مما يجري تحت سمعه وبصره، عساه بذلك أن يخدم الأمة بكتابة هذا التاريخ، كي تستفيد تجربة في قراءته. خطر في باله ذلك الخاطر، وراحت الأيام تؤجل الشروع فيه.
وتعاوده الأحلام يستنجدها على هذا الخذلان الذي أصاب ملوك الأمة، فيرى فيما يرى النائم ليلة الثلاثاء تاسع صفر سنة (٦٢٥ هـ/ ١٢٢٨ م) كأنَّ عمر بن الخطاب قد جاء للنصرة، وعليه برد يمان، ويقول لأبي شامة: سنأمر من ينادي بالرحيل إلى الساحل، ووعد بأن يستخلف على الشام إذا عاد رجلًا شريفًا شجاعًا (^٢)، ويقص أبو شامة رؤياه هذه على الناس، فيستبشرون بهذه الرؤيا (^٣). فهل تحققت هذه الرؤيا حين بعث الكامل لابن أخيه الناصر منشور الولاية (^٤)؟
كان الناس في دمشق في خوف عظيم من أن يأتي الصليبيون من الساحل، أو يأتي الكامل من مصر، وقد غدا بعد موت أبيه العادل كبير البيت الأيوبي، فلربما اطمأنوا بعض الاطمئنان حين أرسل منشور الولاية للناصر، وأقره على حكم مملكة دمشق.
ومن ثُمَّ تستعيد دمشق بعض عافيتها، ويغير جنودها على بلاد صور، ويعودون محملين بالغنائم بعد أن أثخنوا في الصليبيين (^٥).
أما الكامل فقد كان يرمي من وراء ذلك إلى تطمين الناصر داود، ريثما يتضح له موقف الإمبراطور فريدريك الثاني المتأهب للقدوم إلى الشرق.
_________________
(١) «المذيل»: ١/ ٢٤.
(٢) «المذيل»: ٢/ ٥.
(٣) المصدر السالف.
(٤) المصدر السالف.
(٥) المصدر السالف.
[ ٧٠ ]
ولا شك أنَّ الكامل وجد نفسه بعد موت المعظم في موقف صعب، وشعر بندم شديد على استقدام الإمبراطور، إذ لم يبق له حاجة إليه (^١)، فخصمه العنيد الذي كان وراء استدعائه قد غاب، والإمبراطور القادم لاستلام بيت المقدس محروم من الكنيسة، ورسائل البابا إليه تحثُّه على عدم تسليمه بيت المقدس كيلا يكتسب بذلك شرفًا ونصرًا في حربه مع البابوية (^٢)، وهو يخشى - إن لم يف للإمبراطور بما وعده - أن ينفتح له من جديد باب محاربة الصليبيين الذي لم يستطع إغلاقه إلّا من وقت قريب، فما عليه إن أرضى الصليبيين بمدينة القدس، وهي خراب، ثم إنه قادر على انتزاعها منهم متى شاء (^٣).
وربما لم يخرج الكامل من حيرته وأفكاره إلّا عند اقتراب وصول الامبراطور إلى عكا، حينئذ غلب جانب اتفاقه مع الإمبراطور، وأرسل إلى الناصر داود متحرشًا به، طالبًا منه تسليم قلعة الشوبك، وهو العارف بمنزلتها عنده، وأنها عزيزة عليه (^٤)، ويأتيه جواب الناصر داود المتوقع، وهو رفض تسليمها إليه (^٥)، فيتخذه الكامل ذريعة لمهاجمة الناصر، ويخرج من مصر بعساكره المتوافرة في شهر رمضان سنة (٦٢٥ هـ/ ١٢٢٨ م)، ويصل إلى غزة، ويخيّم بتلّ العجول، ويبعث ولاته إلى نابلس والقدس والخليل وغيرها من الأعمال التابعة للناصر داود، فينزعج الناصر لذلك (^٦)، ويرسل إلى عمّه الأشرف موسى بن العادل، مستنصرًا به (^٧).
* * *
_________________
(١) «ذيل مرآة الزمان»: ٢/ ١٢٥.
(٢) «العلاقات السياسية»: ص ٣٠١.
(٣) «مفرج الكروب»: ٤/ ٢٤٢.
(٤) «مرآة الزمان» (حوادث سنة ٦٢٦ هـ).
(٥) «مفرج الكروب»: ٤/ ٢٢٥.
(٦) «مفرج الكروب»: ٤/ ٢٢٦ - ٢٢٧.
(٧) «مفرج الكروب»: ٤/ ٢٢٨.
[ ٧١ ]
وحانت أخيرًا للأشرف الفرصة التي طالما انتظرها، فدمشق هي مطمع آماله ومهوى فؤاده، فسار إليها على عجل، وقد ازينت لقدومه، ودخل قلعتها مع الناصر داود في العشر الأخير من رمضان سنة (٦٢٥ هـ/ ١٢٢٨ م) والناصر في غاية أفراحه! (^١)
ووصل الإمبراطور فريدريك الثاني بعد أيام إلى عكا عن طريق قبرص في يوم الخميس (٥) شوال سنة (٦٢٥ هـ/ ١٢٢٨ م) (^٢) ومعه نحو خمس مئة فارس بعد أن سبقته إليها قوات الحملة، مدركًا أنَّ ما استجد من أحداث لم تعد في صالحه (^٣)، وأنه لم يبق له غير سلاح المفاوضات والاستعطاف لتحقيق هدفه، واستلام بيت المقدس (^٤).
وتنفيذًا لما عزم عليه الأشرف من الاستيلاء على دمشق، اقترح على الناصر داود أن يمضي في صحبته إلى نابلس ويقيم فيها، بينما يتابع هو طريقه إلى الكامل في غزة لإصلاح الأمر معه. فأجابه الناصر إلى ذلك، ورحلا معًا من دمشق (^٥).
ولما وصل الأشرف إلى غزة خفَّ الكامل لاستقباله، وعاد به إلى معسكره بتل العجول (^٦)، وهناك سرعان ما اتفقا على أخذ البلاد من الناصر داود، وأن تكون دمشق للأشرف، وقد انضم إليهما من عسكر الناصر داود عمه الصالح إسماعيل بن
_________________
(١) «مفرج الكروب»: ٤/ ٢٢٨ - ٢٢٩.
(٢) «العلاقات السياسية»: ص ٣٠١.
(٣) «الحملة الصليبية الخامسة»: ص ٣٦٣ - ٣٦٤، «العلاقات السياسية»: ص ٢٩٤.
(٤) «الحملة الصليبية الخامسة»: ص ٣٦٤.
(٥) «مفرج الكروب»: ٤/ ٢٣٠.
(٦) «مفرج الكروب»: ٤/ ٢٣٠، وقد رجحت رواية ابن واصل هذه على رواية أبي شامة التي تقول: إنهما اجتمعا بالقدس، وهناك اتفقا على أخذ البلاد من الناصر، لأن رواية ابن واصل متسقة مع الأحداث، ثم إنه لم يذكر أحد من المؤرخين أنَّ الكامل ذهب إلى القدس في تلك الفترة. انظر «المذيل»: ٢/ ٦.
[ ٧٢ ]
العادل، وابن عمّه شهاب الدين محمود بن المغيث عمر بن العادل، وجاء مناصرًا لهم كذلك المظفّر شهاب الدين غازي بن العادل (^١).
وأسقط في يد الناصر حين علم باجتماع أعمامه عليه، ووقوفهم ضده، وأنهم عازمون على القبض عليه، فانكفأ إلى دمشق، وأخذ يستعد للحصار القادم (^٢).
* * *
وكانت المفاوضات قد بدأت بين الكامل والإمبراطور فريدريك الثاني، وراحت الرسل تتردد بينهما، إلى أن اتفقا أخيرًا بعد نحو ستة أشهر على أن يسلّم الكامل بيت المقدس للإمبرطور دون قراه، وأن يبقى سوره خرابًا، ويبقى الحرم الشريف من الصخرة المقدَّسة والمسجد الأقصى بأيدي المسلمين (^٣)، ويتعهد الإمبراطور لقاء ذلك بمخالفة الكامل ضد أعدائه حتى لو كانوا من الصليبيين، وأن تعقد هدنة بين الطرفين مدتها عشر سنوات (^٤)، وأبرم هذا الاتفاق في يافا في (٢٢) ربيع الأول سنة (٦٢٦ هـ/ ١٨ شباط ١٢٢٩ م) (^٥).
وأرسل الكامل إلى القدس من نادى بخروج المسلمين منه، وتسليمه إلى الصليبيين، وتعالى الصراخ والبكاء بين أهل القدس، وعظم ذلك على المسلمين، وأنكروا ما فعله الكامل واستشنعوه، إذ كان فتح هذا البلد الشريف، واستنقاذه من الكفار من أعظم مآثر عمّه صلاح الدين.
وقد دافع الكامل عما أقدم عليه بأنَّ الفرنج لا يمكنهم الامتناع بالقدس مع خراب أسواره، وأنه إذا قضى غرضه، واستتبت الأمور له، يستطيع تطهيره من الفرنج
_________________
(١) «المذيل»: ٢/ ٦.
(٢) المصدر السالف.
(٣) «مفرج الكروب»: ٤/ ٢٤١ - ٢٤٢، و«الكامل»: ١٢/ ٤٨٢ - ٤٨٣.
(٤) «الحملة الصليبية الخامسة»: ص ٣٦٥.
(٥) «الحملة الصليبية الخامسة: ص ٣٦٤، «العلاقات السياسية»: ٣١٤.
[ ٧٣ ]
وإخراجهم منه، وقال: إنا لم نسمح لهم إلا بكنائس وآدر خراب … والحرم وما فيه من الصخرة المقدسة وسائر المزارات بأيدي المسلمين على حاله، وشعار الإسلام قائم على ما كان عليه، ووالي المسلمين متحكم على رساتيقه وأعماله (^١).
ولم تقنع كلمات الكامل هذه أحدًا من خصومه، فما إن سمع المسلمون بتخلي الكامل عن القدس، ودخول الإمبراطور إليه حتى قامت القيامة في بلاد الإسلام، واشتدت العظائم، وأقيمت المآتم، وتوغرّت قلوب أهل دمشق عليه، ووجد الناصر بذلك فرصة للتشنيع عليه، وتأليب القلوب ضده، فأشار على واعظ دمشق سبط ابن الجوزي أن يجلس في جامع دمشق، وأن يذكر ما جرى على بيت المقدس، فجلس بالجامع، وقد غصّ بالناس، إذ لم يتخلف من أهل دمشق أحد، وحضر الناصر داود على باب مشهد علي، وتجاوبت قلوب الحاضرين، وهي تسمع ما يقوله سبط ابن الجوزي، بصوتِ باكِ حزين: انقطعت عن بيت المقدس وفود الزائرين، يا وحشة المجاورين، كم كان لهم في تلك الأماكن من ركعة، كم جرت على تلك المساكن من دمعة، تالله لو صارت عيونهم عيونًا لما وفت، ولو تقطعت قلوبهم أسفًا لما شفت، أحسن الله عزاء المسلمين، يا خجلة ملوك المسلمين، لمثل هذه الحادثة تُسكَبُ العبرات، لمثلها تنقطع القلوب من الزفرات، لمثلها تعظم الحسرات:
أَعَيْنِيَ لَا تَرْقَأْيِ مِنَ الْعَبَرَاتِ … صَلِّي بِالْبُكَا الْآصَالَ بِالْبُكُرَاتِ
على المسجد الأقصى الذي جلَّ قَدْرُهُ … على موطن الإخبات والصلوات
على منزل الأملاك والوحي والهدى … على مشهد الأبدال والبدلات
على سُلَّم المعراج والصخرة التي … أنافَتْ بما في الأرض من صخرات
«مدارس آاتِ خَلَتْ من تلاوة … ومنزلُ وَحْيِ مُوحِسُ العَرَصَاتِ» (^٢)
وعلا ضجيج الناس وبكاؤهم وعويلهم، وكان يومًا مشهودًا (^٣).
_________________
(١) «مفرج الكروب»: ٤/ ٢٤٣ - ٢٤٤.
(٢) «مرآة الزمان» (حوادث سنة ٦٢٦ هـ)، وانظر «كتاب الروضتين»: ٤/ ٣٣٥ - ٣٣٦.
(٣) «مفرج الكروب»: ٤/ ٢٤٥ - ٢٤٦.
[ ٧٤ ]