أما وقد فرغ السلطان الظاهر بيبرس من أرسوف، أمر بكشف بلاد قيسارية، وعمل متحصلها، فعملت بذلك أوراق، وطلب قاضي قضاة دمشق ابن خلكان وعدوله، ووكيل بيت المال بها أن يحضروا إليه، وتقدم بأن يُملك الأمراء المجاهدون من البلاد التي فتحها ما عينه لهم (^١)، وكتب لهم كتاب تمليك شرعي جامع، ثم نسخ منه نسخًا، فرقت على كل أمير نسخة، وخلع على قاضي دمشق، وعاد إلى بلده (^٢).
فهل كان أبو شامة في جملة العدول الذين ذهبوا مع القاضي ابن خلكان؟
ما نعرفه عن أبي شامة في تلك الفترة أنه كان يقرئ كتابه «المحقق من علم الأصول» في دار الحديث الأشرفية، وقد فرغ من إقرائه في يوم الثلاثاء (٤) جمادى الآخرة سنة (^٣) (٦٦٣ هـ/ ١٢٦٥ م) والظاهر بيبرس ما يزال يحاصر أرسوف (^٤).
وكان الظاهر بيبرس قد كتب إلى مصر والشام بحمل كل ما تحتاجه قلعة البيرة من أسلحة ومجانيق وغلال تكفيها لمدة عشر سنين (^٥)، فكانت الغلال تحمل من
_________________
(١) «السلوك»: ج ١/ ق ٢/ ٥٣٠.
(٢) «السلوك»: ج ١/ ق ٢/ ٥٣٤.
(٣) «المحقق من علم الأصول»: ص ٣٢.
(٤) انظر ص ٣١٦ من هذا الكتاب.
(٥) انظر ص ٣١٣ من هذا الكتاب.
[ ٣١٩ ]
دمشق إلى البيرة، فلا ترى إلا قوافل حاملة، وركائب موسقة راحلة (^١)، ويبدو أن دمشق قد ضاقت بما فرض عليها منها، فتلكأت بعض التلكؤ في إرسال بعضها، فكتب الظاهر بيبرس إلى نائبه فيها جمال الدين النجيبي يحثه على إرسالها، ويوبخه على تأخره، وكان قد تساهل مع أهل دمشق، فحين جاءه كتاب الظاهر بيبرس تخلى عن تساهله، وعزم عزمة الرجال، وحمل ما ملأ الأرض من الغلال على حد تعبير ابن عبد الظاهر المؤرخ (^٢)، ويبدو أن دمشق قد عانت من نقص غلالها، وقد مس ذلك فلاحي دمشق، وأبو شامة واحد منهم، فهل كان لأبي شامة موقف من هذه الأعباء التي أثقلت كاهل دمشق؟ وهل رأى أن من الغبن أن تتحمل دمشق وحدها إطعام البيرة لمدة تكفيها عشر سنين؟ وهل رأى أن ما غنمه السلطان في أرسوف من غلال - وقد أباحه للناس - كان يمكن أن يفي ببعض حاجتها، ويخفف بعض العبء عن دمشق؟
أسئلة كثيرة تثأر، ولا جواب عنها، ولعلنا نستشف ضيق أبي شامة مما جرى ويجري من خلال إيراده خبر فتح أرسوف في «مذيله»، فهو لم يذكر فيه اسم السلطان الظاهر كما فعل بخبر فتح قيسارية، بل إنه أغفله إغفالًا تامًا، وكأنه يتجاهله، ونسب النصر فيه للمسلمين عامة، فقال: «وفي ثالث عشر رجب جاءنا الخبر باستيلاء المسلمين على مدينة أرسوف عنوة، وقتل من كان بها من الفرنج، وأسرهم، واغتنام أموالهم، وضربت البشائر بذلك» (^٣).
ويرحل السلطان عن أرسوف بعد استكمال هدمها في يوم الاثنين (٢٣) رجب سنة (٦٦٣ هـ/ ١٢٦٥ م) إلى مصر، فيدخل القاهرة يوم الخميس (١١) شعبان سنة (٦٦٣ هـ/ ١٢٦٥ م)، والأسرى بين يديه (^٤).
_________________
(١) الروض الزاهر: ص ٢٢٨.
(٢) الروض الزاهر: ص ٢٢٨.
(٣) المذيل: ٢/ ٢٠٦.
(٤) السلوك: ج ١/ ق ٢/ ٥٣٤.
[ ٣٢٠ ]
وفي شهر رمضان سنة (٦٦٣ هـ/ ١٢٦٥ م) يُشرع في دمشق في تبليط ما بين باب جامع دمشق الغربي إلى ناحية القناة المعروفة بباب البريد، ويُجدد في الصف القبلي من ذلك بركة وشاذروان (^١)، ويكتب فوق الشاذروان اسم الملك الظاهر بيبرس، ونائب السلطنة جمال الدين النجيبي، ومتولي شرطة دمشق فخر الدين أياز الحراني (^٢)، وكان في موضع البركة والشاذروان قناة يجري إليها الماء من نهر القنوات، فأزيلت (^٣).
ويعبر أبو شامة عن ضيقه بهذه البركة والشاذروان، وقد حرم الناس بسببهما من تلك القناة التي كان يجري إليها الماء من نهر القنوات، فيكتب في «مذيله»: «وكان الناس ينتفعون به أي من ماء نهر القنوات - زمان انقطاع نهر بانياس الذي منه ماء الجامع بدمشق» (^٤).
فهل أعلن أبو شامة عن سخطه واستيائه من إنشاء البركة والشاذروان؟ وهل ضاق بما فرض من رسوم عليهما (^٥)؟ لا ندري، ولكن ما ندريه حقًا أن الظاهر
_________________
(١) «المذيل»: ٢/ ٢٠٩.
(٢) انظر الحاشية رقم (٥) من المذيل على الروضتين: ٢/ ٢٠٩ - ٢١٠ بتحقيقي، وكان فخر الدين قد تولى شرطة دمشق أول سنة (٦٦٠ هـ/ ١٢٦١ م)، «المذيل»: ٢/ ١٧٥.
(٣) «المذيل»: ٢١٠ - ٢/ ٢٠٩.
(٤) «المذيل»: ٢١٠ - ٢/ ٢٠٩.
(٥) أشار إلى فرض تلك الرسوم شافع بن علي في كتابه «حسن المناقب السرية في السيرة الظاهرية»، وهو مخطوط، لم أقف عليه، وإنما وقفت على هذا الخبر في كتاب «الظاهر بيبرس» للمستشرق بيتر تورا وص ١٦٦، ٢٥٤، وقد أحال عليه. غير أن هذا المستشرق خلط ما بين هذا الخبر، وما بين حاشية جاءت في نشرة الشيخ زاهد الكوثري للمذيل، ظنها من كلام أبي شامة، وهي ليست له، وقد خرج من ذلك باستنتاجات عجيبة! .. انظر كتاب الظاهر بيبرس ترجمة محمد جديد، طبعة قدمس للنشر، دمشق سنة ٢٠٠١ ط ٢ ص ١٦٦، ٢٥٤، وانظر تلك الحاشية رقم (٥) في طبعتنا للمذيل: ٢١٠ - ٢/ ٢٠٩.
[ ٣٢١ ]
بيبرس استدعى نائبه في دمشق الأمير جمال الدين النجيبي إلى القاهرة، فسافر إليها في ذي القعدة سنة (٦٦٣ هـ/ ١٢٦٥ م) ثم عاد إلى دمشق (^١).
ولعل المنام الذي رآه برهان الدين إبراهيم أخو أبي شامة في بكرة يوم الجمعة (١٢) ذي الحجة سنة (٦٦٣ هـ/ ١٢٦٥ م) يكشف جانبًا من هذا الموقف الغامض، فقد رأى إبراهيم فيما يرى النائم أنه جالس إلى جانب أخيه أبي شامة، وأبو شامة يكتب شيئًا ويقرؤه، فكان ما كتبه قوله تعالى: ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ﴾ (^٢) (^٣).
وإذا كان لنا أن نفهم الآية الكريمة بظاهر دلالتها، فإننا نحدس أن ما كان أبو شامة يستشعره من خطر، إنما هو من السلطان الظاهر بيبرس، تنزيلًا للآية على موسى ﵇، وهو يواجه فرعون، فهل كان أبو شامة حقًا على خطر من السلطان؟ وهل كان سفر الأمير جمال الدين النجيبي إلى القاهرة لجملة أمور، منها ما يتعلق بأبي شامة؟ ألا يدل المنام على أن أبا شامة كان خائفًا يترقب من أمر يقع عليه؟ ألا يدل على أنه كان يتوقع أذى يلحقه؟ وقد جاءته البشرى بأن لا سبيل للوصول إليه، إنه هو الغالب على كيد من يكيد له.
ولربما زيادة في التحدي يشرع أبو شامة عقب منام أخيه بإقراء «كتاب الروضتين» بدار الحديث الأشرفية، حتى يفرغ منه (٨) محرم سنة (^٤) (٦٦٤ هـ/ ١٢٦٥ م).
_________________
(١) «المذيل»: ٢/ ٢١٠.
(٢) «المذيل»: ٢/ ٢١١.
(٣) سورة القصص، الآية ٣٥.
(٤) «كتاب الروضتين»: ٣/ ١٦ م.
[ ٣٢٢ ]