طبع كتاب الروضتين أول ما طبع في مصر بمطبعة وادي النيل سنة (١٢٨٨ هـ/ ١٨٧١ م) في جزأين، الأول عن نسخة خطية فرغ من نسخها سنة (٧٣٤ هـ)، والثاني عن نسخة أخرى فرغ من نسخها سنة (١١٢٣ هـ) (^١).
ثم ترجم إلى الألمانية سنة (١٨٧٩ م).
ثم نشر المستشرق الفرنسي كاترمير (Quatremere)، منتخبات منه مع ترجمتها إلى الفرنسية، وطبعها في باريس سنة (١٨٨٨ م) (^٢).
وكان د. محمد حلمي محمد أحمد المتخرج بدار العلوم بمصر سنة (١٩٤٤ م) قد أوفد في بعثة علمية لانجلترا لنيل درجة الدكتوراه، فتقدم إلى جامعة لندن برسالة عنوانها: دراسة حول أعمال أبي شامة (^٣).
غير أن هذه الدراسة لم تنشر (^٤).
Studies on the Works of Abu Shama; ١٩٥١
_________________
(١) انظر طبعة وادي النيل: ١/ ٢٧٩، ٢/ ٢٤٥.
(٢) «التعريف بالمؤرخين»، لعباس العزاوي: ص ٨٥.
(٣) انظر «من أعلام دار العلوم د. محمد حلمي» مقال بندوة التاريخ الإسلامي للدكتور عبد الله جمال الدين مج ٩/ ١٩٩٢.
(٤) مقدمة د. محمد حلمي: ص ٦٢ من نشرته ل «كتاب الروضتين».
[ ٤٠٣ ]
وقد تصدى من بعد لتحقيق «كتاب الروضتين»، فأصدر القسم الأول من الجزء الأول سنة (١٩٥٦ م)، والقسم الثاني من الجزء الأول سنة (١٩٦٢ م)، وقد نشرته لجنة التأليف والترجمة والنشر بالقاهرة. ثم توقف صدور الكتاب.
وقد قدم د. محمد حلمي في القسم الأول من الجزء الأول دراسة عن أبي شامة، يغلب على الظن أنها ملخصة عن دراسته.
ولم يستطع في دراسته هذه أن يصور لنا حياة أبي شامة تصويرًا متكاملًا في مراحلها كلها، بل كان يقفز فيها عبر السنين إلى بعض أحداث حياته حسبما يتفق له من أخبارها، تاركًا فجوات لم يستطع معرفتها، خالصًا إلى استنتاجات خاطئة أحيانًا، وأحيانًا تفتقر إلى الدقة العلمية، قاده إليها استقراؤه الناقص لأخباره، وقصوره في تحليلها، فكان مما وصل إليه أن الغموض يكتنف حياة أبي شامة في جميع مراحلها (^١)، ومع غموضها عنده استنتج أنها في مجموعها كانت حياة سهلة مطمئنة، وأنه لم يعترضه من الصعوبات ما يعكر صفوها، أو يخرج بها عن هدوئها واستقرارها (^٢).
ومن ثُمَّ اضطرب في تعيين السنوات التي أقام بها في المدارس التي دَرَسَ بها أو دَرَّس بها، فكان من جملة ما قال: «من غير الممكن القطع بتاريخ انتقاله من المدرسة العزيزية التي كان مقيمًا بها حوالي سنة (٦١٥ هـ) إلى المدرسة العادلية التي ثبت استقراره بها سنة (٦٣٤ هـ)، ويبدو أن إقامة أبي شامة بهذه المدرسة الأخيرة بين سنتي (٦٣٤ - ٦٥٦ هـ) كانت متصلة لم يقطعها إلا مدة انصرافه إلى بساتينه (^٣) الخاصة».
وهذه كلها أقوال مبتسرة، لا تقوم على منهج علمي يتهدى في جمع مادته من
_________________
(١) مقدمة د. محمد حلمي لنشرته ل «كتاب الروضتين»: ص ٦، ٧.
(٢) المصدر السالف، ص ١١.
(٣) المصدر السالف، ص ٧.
[ ٤٠٤ ]
مظانها، ثم يحلّلها التحليل الكاشف لمعناها وسياقها، ولن أقف هنا للرد على ما قاله، وما فاته من مراحل حياة أبي شامة الهامة، ففي دراستي عن أبي شامة التي بين يديك - أيّها القارئ الكريم - رد علمي على هذا الاضطراب والابتسار (^١).
أما تحقيقه ل «كتاب الروضتين» فقد وقع فيه بأوهام تشعرك حقًا أنه كان غريبًا عن النص، غريبًا عن روحه وأماكنه وحوادثه (^٢).
وهكذا بقي كتاب «الروضتين بين أيدي الباحثين والقارئين موزّعًا بين طبعته القديمة، ونشرة د. محمد حلمي الناقصة.
وكانت فكرة تحقيقه كاملًا تراودني منذ قراءتي له، واهتمامي بأخباره في أوائل الثمانينيات من القرن الماضي، حتى عزمت أمري أخيرًا، وهيأت نسخه الخطية (^٣)،
_________________
(١) وقد عوّل على ما كتبه د. محمد حلمي كلّ من د. حسين عاصي في كتابه «المؤرخ أبو شامة وكتابه الروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية» دون أن يشير إليه إلا لمامًا، وقد نشره في دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى (١٤١١ هـ/ ١٩٩١ م). وإبراهيم فرغلي في كتابه «المؤرخ السوري أبو شامة، دراسة في المؤلفات والمنهج» وقد نشرته العربي للنشر والتوزيع، القاهرة، الطبعة الأولى سنة (١٩٩٨ م). وقد غلب على كتابه الاضطراب والتفكك والتكرار الممل والنقل الجامد، ممّا أوقعه في أخطاء فاحشة، منها جعله المحدث الكبير أبا طاهر السلفي المتوفى سنة (٥٧٦ هـ) من تلاميذ أبي شامة، وذكره أن أبا شامة اعتمد على النسوي وهو يتحدث عن وقائع التتار وحروبهم في الشام، علمًا أن حروبهم كانت سنة (٦٥٨ هـ)، وقد توقف النسوي في سيرته سنة (٦٢٨ هـ)! انظر ص ٢٣، ١٢٣ من كتابه. وتبقى مقالة د. نقولا زيادة التي نشرها في مجلة الفكر العربي العدد ٢٧ السنة الرابعة (١٩٨٢ م): ص ٢٢٠ - ٢٤٣ هي الأرقى والأحسن، وإن كان جل اعتماده فيها على د. محمد حلمي، ولم يأت فيها بجديد.
(٢) انظر مقدمتي لتحقيق «كتاب الروضتين»: ١/ ٦ - ٨.
(٣) وصفت هذه النسخ في مقدمة تحقيقي ل «كتاب الروضتين»: ١/ ١٠٨، ٥/ ٣ م - ٨ م.
[ ٤٠٥ ]
وشرعت في تحقيقه مع بداية عام (١٩٨٨ م) وفرغت منه سنة (١٩٩٦ م) (^١)، وقد صدر - بحمد الله - في خمسة أجزاء عن مؤسسة الرسالة في بيروت سنة (١٩٩٧ م) (^٢).
ومن الموافقات الجميلة أنني عشت في المكان الذي عاش فيه أبو شامة، وحققت كتابه في المكان الذي ألفه فيه؛ وهو المدرسة العادلية الكبرى (^٣) … فكثيرًا ما كنت ألقي بالقلم، وأتمشى في باحتها، متفيئًا ظلال أشجار الليمون والنارنج، متحسسًا نبض الأحجار التي اكتحلت عيونها برؤيته، شاعرًا أن ما يفصلني عنه ليس تسعة من القرون، بل لا يكاد أن يكون تسعًا من السنوات.
_________________
(١) انظر خاتمتي لتحقيق «كتاب الروضتين»: ٥/ ٥.
(٢) في هذا العام نفسه صدرت في القاهرة تتمة نشرة د. محمد حلمي، وكان قد أتم تحقيقه قبل وفاته سنة (١٩٨٤ م)، ﵀.
(٣) انظر ص ٤٥ من هذا الكتاب.
[ ٤٠٦ ]