ما كانت أيامه في تلك السنين لتستمر في هدوئها وهناءتها وهو يقضي ساعاتها في المدرسة العادلية الكبرى، متنقلًا بين حلقات شيوخها، أو جالسًا في جامع دمشق بصحبة شيخه علم الدين السخاوي، أو مستمعًا تحت قبة النسر في مجلس شيخه فخر الدين ابن عساكر، أو متردّدًا إلى المدرسة العزيزية حيث شيخاه تقي الدين خزعل، وسيف الدين الآمدي، أو إلى المدرسة الرواحية حيث شيخه تقي الدين ابن الصلاح، أو صاعدًا كل جمعة إلى جبل قاسيون لحضور درس شيخه موفق الدين ابن قدامة، أو مستمتعًا في أويقات فراغه بصحبة صديقه الأثير عبد الغني بن حسان المصري.
في زحام شواغله هذه يُفجع قلبُ أبي شامة بوفاة أمه في سادس رجب سنة (٦٢٠ هـ/ ١٢٢٣ م) تاركةً حُلُمَها وهو في بداية طريقه، ويتجمل أبو شامة بالصبر راضيًا بقضاء الله، وفي مكان ناء في جبل قاسيون في طريق الكهف إلى جانب الوادي يختار لها قبرًا هناك (^١) يضم جسدها الطاهر، ربما كان قريبًا من قبر شيخ المقادسة وزاهدهم أبي عمر، أخي شيخه الموفق، وطالما كان يزوره، ويفيض
_________________
(١) «المذيل»: ١/ ٣٥٥.
[ ٤٩ ]
الدمع على قبره (^١)، ويكتوي القلب المفجوع بألم الفراق، فيتمنى أن يرجع ذات يوم إلى قربها، ويدفن عند قبرها (^٢).
ولم تكد تمضي أربعة أيام على وفاة أمه حتى يعاجله الحزن بوفاة أحبّ شيوخه إلى قلبه، فخر الدين ابن عساكر (^٣)، وتخرج دمشق لتشييع شيخها، ويغص جامع دمشق بالناس، ويصلي عليه أخوه زين الأمناء، ويخرجون بجنازته إلى ناحية الميدان الأخضر بالشرف القبلي، وقد امتلأت الطرق بالناس، ويتمنى أبو شامة، وهو يرى جنازة شيخه تتهادى فوق الأيدي المرفوعة نائية عنه أن يكون ممن يحملها مع الحاملين، ولكن هيهات! .. إذ مَنْ كان يقدر من الناس على الوصول إلى جنازته، لقد وقف أجناد الملك العزيز بن العادل وعزّ الدين أيبك حولها بالدبابيس والعصي يمنعون من يحاول الاقتراب منها (^٤).
وبحب غامر يقاوم به جفاء النسيان يحدّد أبو شامة موقع قبره، فهو على يسار المار مغربًا في طريق الشرف القبلي، مقابل لرأس الميدان الأخضر، قبل الوصول إلى قبر شيخه قطب الدن مسعود النيسابوري بقليل (^٥).
_________________
(١) «المذيل»: ١/ ٢٢٢ - ٢٢٣.
(٢) «المذيل»: ١/ ٣٥٥.
(٣) توفي الشيخ فخر الدين ابن عساكر يوم الأربعاء عاشر رجب سنة (٦٢٠ هـ/ ١٢٢٣ م)، انظر «المذيل»: ١/ ٣٦٦.
(٤) «المذيل»: ١/ ٣٦٦ - ٣٦٧.
(٥) «المذيل»: ١/ ٣٦٧. وقد أزيلت مقبرة الصوفية حيث دفن الشيخ فخر الدين ابن عساكر، وزال معها قبره، وجزء من ذاكرة دمشق، وقام مكانها معهد للطب ومستشفى ولم يبق منها سوى قبور ثلاثة مهجورة، منزوية بغربة وإهمال بين الأبنية، أحدها قبر شيخ الإسلام ابن تيمية، ﵀.
[ ٥٠ ]
وما يكاد أبو شامة يفيق من أحزانه حتى يستقبله عيد الفطر بحزن جديد، لقد توفي شيخه موفق الدين ابن قدامة (^١)، وكما خرجت دمشق لتوديع شيخ الشافعية فخر الدين ابن عساكر تخرج في وداع شيخ الحنابلة موفق الدين، حيث دفن بجبل قاسيون خلف جامع الحنابلة في مقبرتهم المشهورة (^٢)، ويرى راء في منامه ليلة وفاة الموفق كأنَّ مصحف عثمان ﵁ قد رُفِعَ من جامع دمشق إلى السماء (^٣).
_________________
(١) توفي الشيخ موفق الدين ابن قدامة يوم السبت أول أيام عيد الفطر سنة (٦٢٠ هـ/ ١٢٢٣ م)، ودفن من الغد.
(٢) أزيلت كذلك هذه المقبرة، وزال معها قبر الموفق، وقامت مكانها بيوت ودكاكين.
(٣) «المذيل»: ١/ ٣٧٠.
[ ٥١ ]