وعلى الرغم مما كانت تعيشه دمشق من أمان في ظل هذا العهد الجديد، ظل هاجس الخوف من التتار يسكن في أعماقها، فهم ما يزالون في العراق، ولا يفصلهم عن بلاد الشام سوى نهر الفرات.
وكثيرا ما كان يعكر أمنها ما ينتشر فيها من شائعات عن قرب عودتهم إليها، وبعض هذه الشائعات كان يتعاظم في الأخيلة الخائفة حتى يقارب الحقيقة. وهذا ما وقع حقا في منتصف رمضان سنة (٦٦٠ هـ/ ١٢٦٢ م) إذ سرت بين الناس شائعة بقرب قدوم التتار، فجفل الناس من حمص وحماة وغيرهما إلى دمشق، وتجهز أهل دمشق للهرب منها إلى الديار المصرية، حتى إن الأمراء باعوا حواصلهم بما فيها حواصل القلعة (^١)، وقد بلغ هذا الإرجاف بقدومهم مسامع السلطان الظاهر بيبرس بالقاهرة، فكتب إلى نوابه برحيل أهل الشام عنها، حفظا على حياتهم وأموالهم، وطلب منهم حراستهم في الطريق، وألا يؤخذ منهم أثناء خروجهم مكس ولا زكاة، ولا يتعرض لما معهم من متجر وغيره (^٢).
_________________
(١) «المذيل»: ٢/ ١٧٦.
(٢) «السلوك»: ج ١/ ق ٢/ ٤٧٣.
[ ٢٩٥ ]
واستغل نائب دمشق الأمير طيبرس الوزيري كتاب السلطان أسوأ استغلال وأبشعه لتحقيق مصالحه، ووجد فيه فرصة ذهبية للإثراء السريع (^١)، فراح يلزم كبراء دمشق بالرحيل عنها بأهاليهم إلى مصر، ويضيق عليهم ليجبرهم على الخروج منها، ويلزم أرباب الدواوين والمتصرفين لهم بإرسال نسائهم إلى مصر، وبقائهم في خدمته في دمشق سواء في ذلك العاجز والقادر، ويلزم كذلك تجار الأسواق في القيسارية الفخرية والخواصين وغيرهما، بل إنه ألزم جماعة من صناع القواسين والفرايين، وحتى يوهم الناس أن أمر التتار جد لا هزل فيه ألزم كل من كان بينه وبين التتار علاقة بالخروج منها كرهًا، فأخرج فيمن أخرج القاضي كمال الدين التفليسي (^٢).
ولحمل الناس على الخروج استعان طيبرس بالعرب البدو، فراح يضيق على أهل دمشق بالغلال، ويمكن العرب البدو من شرائها، وينشر بين الناس الشائعات بقرب قدومهم، فكان البدوي يجلب الجمل، ويبيعه بأضعاف ثمنه، ويشتري به الغلة بأرخص الأثمان، لأنَّ الناس متهافتون على شراء الجمال، فهم بين خائف يبيع حاصله ليتجهز بثمنه، وهو محتاج في سفره إلى الجمال، وبين من هو مكره على الخروج فهو مضطر له، حتى إن كراء جمل المحارة - وهو المجهز للسفر - قد بلغ من دمشق إلى مصر نحو مئتي درهم، وهو مبلغ كبير (^٣).
حتى إذا كان منتصف شوال سنة (٦٦٠ هـ/ ١٢٦٢ م) تكامل استعداد الناس للخروج، فبدؤوا يرحلون عن دمشق، قافلة إثر قافلة، وفي الطريق، وكان الوقت حارًا، اشتد عليهم العطش لقلة الماء، وخرج عليهم قطاع الطرق والصليبيون، فخطف بعضهم، وجرح بعض (^٤).
ووصلت أولى قوافلهم إلى مصر، وقد عانت من أهوال الطريق ما عانت، وبلغ
_________________
(١) «المذيل»: ٢/ ١٧٨.
(٢) «المذيل»: ٢/ ١٧٦.
(٣) «المذيل»: ٢/ ١٧٨.
(٤) «المذيل»: ٢/ ١٧٧.
[ ٢٩٦ ]
الظاهر بيبرس ما وقع، فأرسل على الفور الأمير عز الدين الدمياطي للقبض على طيبرس، وإرساله مخفورًا إلى القاهرة.
ووصل الأمير عز الدين مع عسكره إلى دمشق في ثالث ذي القعدة سنة (٦٦٠ هـ/ ١٢٦٢ م) وبكر بالدخول إليها من عقبة شحورا (^١)، وهناك تلقاه أمراء دمشق للسلام عليه، وفي مقدمتهم الأمير طيبرس الوزيري، فلما تقدم إليه ليسلم عليه، قبض الدمياطي بيد عضد طيبرس، وبيده الأخرى سيفه، وأنزله عن فرسه، وأركبه بغلًا استهانة به، ثم قيده، وتركه بمصلى العيد، فلما جنَّ الليل سيره مخفورًا إلى القاهرة، وراح يستخرج أمواله التي انتزعها من الناس، وبقيت في دمشق، وكان طيبرس قد أرسل قسمًا عظيمًا منها مع العرب ليحفظوها له في مضاربهم (^٢). وناب عنه في دمشق الأمير علاء الدين أيدغدي الحاج الركني (^٣).
في غمرة هذه المظالم التي كانت دمشق تتلوى على جمرها، كان قاضيها الجديد ابن خلكان مشغولًا بنظم الشعر والدوبيت والمواليا (^٤)، متغزلًا بالغلمان (^٥)، وكان يقضي لياليه يتعاطى الحشيشة على إيقاع قرع الطبل مع العفيف بن أبي الفوارس، ذلك الشاب الجميل الذي يهتز بماء الشباب عُجْبًا وسُكْرًا على حدّ تعبير أبي شامة (^٦)، ولك أن تتخيل ما يكون عليه متعاطي الحشيشة من مجون وخلاعة لا يليقان بمنصب القاضي، وما ينبغي له من حسن سمت وكمال عقل.
_________________
(١) بين الكسوة ودمشق، «ذيل مرآة الزمان»: ١/ ٤٨٩، هامش المطبوع.
(٢) «المذيل»: ٢/ ١٧٧ - ١٧٨.
(٣) «السلوك»: ج ١/ ق ٢/ ٤٧٢.
(٤) «المذيل»: ٢/ ١٨٥.
(٥) «وفيات الأعيان»: ٧/ ٩١ - ١٠٧ من مقدمة د. إحسان عباس.
(٦) «المذيل»: ٢/ ١٨٦.
[ ٢٩٧ ]
وكان القاضي ابن خلكان قد أطلق يد هذا الشاب في عمالة جامع دمشق ومخزن الأيتام (^١)، بل إنَّ هذا الشاب قد غدا يتحكم بمجلس القضاء، فهو يحضره مع العدول الأثبات، وفيهم أبو شامة، فيعدل من يشاء، ويجرح من يشاء، والقاضي يصغي إليه، وهو عنده العدل الرضا، بل إنه يولي المناصب من يشاء، ويعزل من يشاء، مبعدًا الشيوخ الكبار عن المناصب التي يستحقونها، وهم يشكون الفاقة والحرمان (^٢).
وتعصف بأبي شامة سورة الغضب، وهو يرى آماله تتحطم على صخرة هذا الجور، وقد ظن أن دمشق قد تخلصت منه برحيل آخر القضاة الفاسدين نجم الدين بن صدر الدين، فيردد وقد خنقه اليأس:
كلَّما قلت دولة الحاكم الجا … ئر زالت قامت علينا أخرى (^٣)
وفي سورة غضبه هذه يتخلى أبو شامة عن حلمه واعتداله وإنصافه، ويترك لقلمه أن يطغى في وصف من عاصرهم من القضاة، ناعتًا إياهم بأنهم كلهم جهال وأوقاح (^٤)، خالطًا بين صالحهم وطالحهم، لا يفرق بين من عرف بنزاهته واستقامته وورعه منهم كجمال الدين أبي القاسم عبد الصمد بن محمد ابن الحرستاني (^٥)، وشمس الدين أحمد بن الخليل الخويي (^٦)، وكان يكن لهما في قلبه أعظم التقدير والاحترام، وبين من عرف منهم بفسقه وظلمه كرفيع الدين الجيلي (^٧)،
_________________
(١) «المذيل»: ٢/ ١٩٦.
(٢) «المذيل»: ٢/ ١٨٦.
(٣) المصدر السالف.
(٤) «المذيل»: ٢/ ١٦٥.
(٥) «المذيل»: ١/ ٢٩١.
(٦) «المذيل»: ٢/ ٥٢.
(٧) «المذيل»: ٢/ ٦٣.
[ ٢٩٨ ]
ونجم الدين بن صدر الدين ابن سني الدولة (^١)، بل إنَّ منهم من تعرض لمحنة رق لها قلب أبي شامة كالطاهر بن محيي الدين ابن الزكي (^٢)، وكأنه بذلك يحملهم جميعًا مسؤولية ما آل إليه حال القضاء من ظلم فادح وعدل مضيع، فيقول:
دمشق في عَصْرِنَا مَعْ فَضْلُها بُلِيَتْ … من القُضَاةِ بجهال وأوقاح
بأَعْجَمِينَ ومِصْري وصائغهم … وإربليّ وخَيَّاطِ وفلاح (^٣)
هُمْ ضِعْفُ ستةَ والنُّوَّابُ كلُّهُمُ … ضعفان أحزانُهُمْ أضعاف أفراح (^٤)
ويقرر أبو شامة الاعتزال من جديد عن دنيا المناصب والتدريس، فلن يكون شاهدًا على الظلم، أو مشاركًا فيه بصمته، فيترك التدريس بالمدرسة الركنية، عائدًا إلى بستانه لفلاحته وزراعته (^٥).
وبينما كان أبو شامة معتزلًا في بيته أتاه جماعة من أهل دمشق في يوم الثلاثاء (٨) ذي الحجة سنة (٦٦٠ هـ/ ١٢٦٢ م) يعرف بعضهم، ومعهم شيخ زعموا أنه نصراني، معروف ببيع اللحم بدمشق، وأنه رأى رؤيا، وأنه جاء مسلمًا.
_________________
(١) «المذيل»: ٢/ ١٦٥.
(٢) «المذيل»: ١/ ٣١٨ - ٣١٦.
(٣) الأعجمون: شمس الدين الخويي، ورفيع الدين الجيلي، وكمال الدين التفليسي. المصري: جمال الدين يونس بن بدران. الصائغ: هما الأخوان الطاهر ويحيى ابنا محيي الدين ابن الزكي. الإربلي: هو شمس الدين ابن خلكان. الخياط: هم بنو سني الدولة: شمس الدين يحيى، وصدر الدين أحمد، ونجم الدين محمد. الفلاح: هما أبو القاسم عبد الصمد ابن الحرستاني وابنه عماد الدين عبد الكريم. وبذلك تكتمل عدتهم اثني عشر قاضيًا، وقد عاصرهم كلهم أبو شامة.
(٤) «المذيل»: ٢/ ١٦٦ - ١٦٥.
(٥) «المذيل»: ٢/ ١٨٢.
[ ٢٩٩ ]
قال أبو شامة: فأخبرني أنه رأى النبي ﷺ ليلة الجمعة، جاءه - وكان مضطجعًا من أثر مرض - فقال له: قم واخرج من الضلالة إلى الهدى، ومُرَّ إلى أبي شامة، وأسلم على يده، وأخبره أن الملك الأشرف - يعني صاحب حمص - يملك بلاد سيس، ويهلك العدو بها (^١)، وأنَّ صاحب مصر في السنة الآتية يهدم عكا ويملكها (^٢)، وتكون أنت تخدم مسجد صالح بها، ثم ارتفع ﷺ إلى نحو السماء، وهو في صورة لا أقدر أصفها، ولا أشبهها بقمر ولا شمس، هي أكمل من ذلك وأتم. فقلت: إلى أين يا رسول الله؟ قال: أسال ربي في الناس، ونصرهم على الكفرة، أو كما قال.
قال الرجل: فانتبهت، وبقيت في حيرة من أمري، فلما كان ليلة السبت رأيت مثل ذلك المنام، ثم ليلة الأحد كذلك، ثلاث ليال متوالية، ثم صممت على الدخول في الإسلام، فسألت عمن يقال له أبو شامة من المشايخ، فدلوني عليك.
قال أبو شامة: فأمرته بالإسلام، فأسلم، والحمد لله رب العالمين (^٣).
وفي أواخر ذي الحجة سنة (٦٦٠ هـ/ ١٢٦٢ م) قدم دمشق واليًا عليها الأمير جمال الدين أقش النجيبي، ورحل علاء الدين الركني إلى مصر (^٤).
_________________
(١) لم يملك الأشرف موسى بن المنصور بلاد سيس، بل توفي في (١٠) صفر سنة (٦٦٢ هـ/ ١٢٦٣ م) بحمص، انظر «المذيل»: ٢/ ١٩٣.
(٢) وكذلك لم يهدم الظاهر بيبرس عكا، ولم يملكها طوال سني حكمه، بل بقيت بيد الصليبيين حتى فتحها الأشرف خليل بن السلطان قلاوون سنة (٦٩٠ هـ/ ١٢٩١ م)، فالله أعلم بصحة هذه الرؤيا.
(٣) «المذيل»: ٢/ ١٧٩ - ١٨٠.
(٤) «المذيل»: ٢/ ١٨٠.
[ ٣٠٠ ]