حين بلغ أبو شامة نحو الخامسة من عمره، أُرسل على عادة الصبيان في ذلك العصر إلى المكتب لتلقي مبادئ القراءة والكتابة، وكان للمكتب سائق مكلف بأخذ الصبيان يوميًا إلى المكتب وردّهم إلى بيوتهم بعد انتهاء الدرس (^١)؛ إذ كانت مكاتب تعليم الصبيان عند الباب الشمالي لجامع دمشق، وهو المعروف وقتئذ بباب الناطفانيين قبالة الخانقاه السُّميساطية، كان ثمة دهليز واسع يفضي إلى الباب، وقد انتصبت على جانبيه أعمدة رومانية هي من بقايا بنائه القديم، شأنه في ذلك شأن أبواب الجامع كلها، وعلى طول هذا الدهليز مصاطب مسيجة بالأعواد، كان يتخذ منها المعلمون مكاتب لتعليم الصبيان (^٢)، وربما رأى أبو شامة في إحداها عبدان المعلم، عم جده.
وذات صباح، راحت أمّه - وقد أَزِفَ وقت ذهابه إلى المكتب - تقص على صغيرها - تشجيعًا له - قصة الحلم الذي رأته، وهي حامل به، فقد رأت فيما يرى النائم أنها تؤذن في الجامع، وهي تقف في أعلى مكان من المئذنة عند هلالها، وحين قصت رؤياها في اليوم التالي لأحد معبري الأحلام بشرها بأنها ستلد غلامًا
_________________
(١) نهاية الرتبة: ص ١٠٤، و«الحياة العقلية في عصر الحروب الصليبية بمصر والشام»: ص ٨٨.
(٢) رحلة ابن جبير: ص ٣٤٠.
[ ٢١ ]
ينتشر ذِكْرُه في الأرض بالعلم والخير (^١). وقد كتمت حلمها هذا في صدرها زمنًا، وها هي تفضي به الآن إلى صغيرها، راسمةً له من خلاله ملامح مستقبله.
ويترسخ هذا الحلم في عقل الصغير، فيسعى بما في قلبه من حب كبير لها كي يحقق حلمها، وينكب بشغف وحرص غير معهودين في الصغار على تعلم القراءة والكتابة، مما يثير عجب والده منه، وهو الغافل عنه، ولكن الأم العارفة بالسر تقص على زوجها قصة الحلم الذي رأته (^٢)، وكأنها - لإيمانها بتحققه تنفي به كل عجب.
وكان الصغير في غدوه ورواحه إلى المكتب تلتقط ذاكرته الغضة كل ما يراه ويسمعه، حتى تلك الأشعار التي كانت تُغنَّى في الأسواق تعليقًا على خبر، أو ذكرًا لحادثة، وكان مما علق بذاكرته منها، تلك التي قيلت يوم دخل أسير فرنجي إلى جامع دمشق عند أذان الفجر سكران وبيده سيف قد شهره، وراح يهوي به على المصلِّين يمنةً ويسرةً، فقتل منهم رجلين أو ثلاثة، ووقعت بعض ضرباته في جانب المنبر، فأثرت فيه، واستيقظت دمشق على أخبار هذه الحادثة، ونظمت فيها أشعار منها:
مقصورة الخطيب طلب … والناس ولوا للهرب
في جانب المنبر ضرب … بالسيف حتى انكسر
وما كان لهذا الفرنجي المسعور أن ينجو من فعلته هذه، فقد شنق في آخر النهار بجسر اللبادين، ورآه الصغير متدلّيًا من درابزين حافته الشرقية، وهو يمر بجيرون في طريقه نحو المكتب (^٣).
_________________
(١) «المذيل»: ١/ ١٣٨ - ١٣٩.
(٢) المصدر السالف.
(٣) «المذيل»: ١/ ١٩٤.
[ ٢٢ ]