رجع أبو شامة من حجه صافي النفس، منشرحَ الصَّدر، وقد ضم بين أوراقه أولى قصائده التي نظمها في منازل الحجاج من دمشق إلى عرفات، ووصف فيها أماكن الزيارات، ولا شك أنه كان فرحًا بنظمها، إذ شعر وهو ينظمها كيف بدأت اللغة تُسْلِسُ له قيادها، وكيف أنَّ معرفته بالعروض كانت عاصمةً له من الإخلال بوزنها، كما أنَّ معرفته بالنحو كانت عاصمة له من اللحن فيها.
ولا شك أنه أطلع عليها صديقه عبد الغني في بعض مجالسه، فاستحسنها، وربما أطلع عليها من بعد شيخيه علم الدين السخاوي وتقي الدين خزعل، وهما ممن تمكن من النظم، وله قدرة عليه، ولربما في لحظة ثقة بالنفس استدعتها كلمة ثناء، خطر له خاطر: لِمَ لا يتصدى للتصنيف، وقد لانت له اللغة؟ وكي لا يكون بعيدًا عما يحسنه اختار قصائد شيخه علم الدين السخاوي التي مدح فيها النبي ﷺ، ليكتب شرحًا لها (^١).
وكانت نفسه مواتية لهذا الشرح، فعهده قريب بزيارة المصطفى ﷺ، والشوق له
_________________
(١) هو كتابه «المقاصد السنية في شرح القصائد النبوية»، وهو أول ما ظهر من مصنفاته، انظر «المذيل»: ١/ ١٤٢، و«نور المسرى»: ص ١٣٠، و«معرفة القراء الكبار»: ٣/ ١٣٣٥، وص ٥٠٥ من هذا الكتاب.
[ ٥٧ ]
ما زال يضطرم في القلب، والقلم يساعف، ولربما شعر، وهو منهمك في كتابة هذا الشرح أنه قد بدأ يلملم أطراف العلوم، ويجمعها إليه، فقد أتم علم القراءات، وأتقن العربية، وقرأ الفقه، وسمع الحديث، وبدأ قلبه ينتشي بمشاعر الرضا، تلك المشاعر التي تنتاب قلب طالب العلم وهو في أول طريقه، وقد خُيِّلَ إليه أنه قد علم. حتى كان ذات يوم، وقد حضر كعادته مجلس قاضي القضاة جمال الدين المصري، وهو يلقي درسه في التفسير في المدرسة العادلية (^١)، وجرى في أثنائه محاورة بين قاضي القضاة ومَنْ يحضر درسه من أعيان الشيوخ والمدرسين حول من تحرم عليه الصدقة من ذوي القربى (^٢)، ربما كان ذلك أثناء تفسيره لقوله تعالى في سورة الأنفال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ (^٣)، فقد جعل الله لذوي القربى الخمس مكان الصدقة، فمن هم ذوو القربى؟ ويفاجأ أبو شامة بقولهم جميعًا، وكأنَّ الأمر بالنسبة لهم لا يستحق عناء البحث والسؤال: هم بنو هاشم وبنو عبد المطلب. ويباغت أبو شامة بالجواب، ويتساءل: أحقًا لا يفرِّقُ هؤلاء الكبار بين المطلب وعبد المطلب؟ أحقًا يجهلون أن عبد المطلب هو ابن هاشم، وأن المراد هو المطلب عم عبد المطلب، ويأسى أبو شامة لحالهم وهو يراهم يتمرغون بتراب الخطأ، غير أنَّ سنّهُ، وهو الصغير بين الكبار، تحجزه أن يعلن لهم ما يعرفه من أنَّ ذوي القربى الذين تحرم عليهم الصدقة هم بنو هاشم وبنو المطلب من أبناء عبد مناف، لا يشاركهم في ذلك أبناء عبد شمس ونوفل، ألم يسمعوا حديث رسول الله ﷺ: «إنَّما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد» (^٤)؟
_________________
(١) انظر ص ٤٧ من هذا الكتاب.
(٢) ذكر أبو شامة هذا المجلس في «كتاب الروضتين»: ١/ ٢٥ مغفلًا تعيين المكان واسم قاضي القضاة، وقد استظهرته من سياق سيرته، والله أعلم.
(٣) سورة الأنفال، الآية ٤١.
(٤) أخرجه البخاري (٣١٤٠) من حديث جبير بن مطعم ﷺ، وهو في «مسند الإمام أحمد» برقم (١٦٧٤١).
[ ٥٨ ]
ويكتَشِفُ أبو شامةَ أنَّهُم أُتُوا - على فضلِهِم - من جهلِهِم بالتاريخِ، ويتنبهُ عندئذٍ إلى ما لم يتنبه له من قبل، فهو أيضًا قد أهمل التاريخ كما أهملوه، وهو أصل من أصول الشريعة. وباب من أبواب العلم، ويأنفُ لنفسِهِ أن تقوم ذات يوم مثل مقامهم، وتخطئُ مثل خطئِهِم، فيعقدُ العزمَ على أن يتممَ علومَهُ بقراءةِ التاريخِ، وهو علم - كما سيكتشف فيما بعد - ليس سهل التحصيل، فهو بابٌ واسع، غزير الفوائد، صعب المصادر والموارد (^١).
* * *
_________________
(١) انظر «كتاب الروضتين»: ١/ ٢٥، وقد أضفت إلى ما ذكره أبو شامة تعميقًا للمعنى ما خمنته قد جال بخاطره، وهو لا يخرج على حدود المنهج التاريخي، وسياق الخبر لا يأباه.
[ ٥٩ ]