ألمع أبو شامة إلى كتابه هذا في «كتاب الروضتين» حين تحدث فيه عن الدولة الفاطمية (^١)، ثم أدرجه ضمن مؤلفاته التي ذكرها في ترجمته لنفسه في «المذيل على الروضتين» (^٢).
ويبدو أن الذي قاده إلى تأليفه هو اختصاره لتاريخ دمشق لابن عساكر (^٣)، فقد مرت فيه ترجمة عبد الرحيم بن إلياس، أمير الشام، وابن عم الحاكم وولي عهده (^٤)، فأحب أن يقف على أصل دولتهم، واستعان على ذلك بما ألف عنها، فوقف على كتاب «كشف أسرار الباطنية» للقاضي أبي بكر ابن الباقلاني، وكتاب «تثبيت دلائل النبوة» للقاضي عبد الجبار البصري المعتزلي، وكتاب «الرد على الباطنية» للإمام أبي القاسم عبد الرحمن بن علي بن أبي نصر الشاشي. فنقل من كلامهم، وأودعه في مختصره لتاريخ دمشق في ترجمة عبد الرحيم بن إلياس (^٥).
_________________
(١) «كتاب الروضتين»: ٢/ ٢٢٢.
(٢) «المذيل»: ١/ ١٤٢.
(٣) انظر ص ٤٧٠ من هذا الكتاب.
(٤) «تارخ دمشق» لابن عساكر: مج ٤٢/ ص ١٦٦ - ١٦٨، طبعة مجمع اللغة العربية بدمشق سنة ١٩٩٢
(٥) «كتاب الروضتين»: ٢/ ٢١٦ - ٢١٧، ٢٢١ - ٢٢٢.
[ ٤٧٧ ]
بيد أنه لم يقنع على عادته بهذه الشذرات، فرأى أن يفرد كتابًا في الدولة الفاطمية، فعكف على تأليفه، وسماه «كشف ما كان عليه بنو عبيد من الكفر والكذب والمكر والكيد» (^١).
ويبدو أنه بعد فراغه من تأليفه وقف على كتاب كبير صنفه الشريف الهاشمي، وكان في أيام العزيز الفاطمي، وقد بين فيه أصولهم أتم بيان، فنقل أبو شامة منه إلى ما كان قد جمعه قطعة كبيرة، فكان التأليف الثاني للكتاب (^٢).
ولا يخفي أبو شامة موقفه من الدولة الفاطمية، فهو يجبه به قارئه من عنوانه «كشف ما كان عليه بنو عبيد»، فهو لا يعترف بصحة نسبهم إلى الأشراف الفاطميين، بل هم - كما يعتقد - بنو عبيد، وعبيد هذا هو من أهل سلمية من بلاد الشام، كان حدادًا، واسمه سعيد، فلما دخل المغرب تسمى بعبيد الله، وزعم أنه علوي فاطمي، مدعيًا نسبًا ليس بصحيح (^٣).
ثم ترقت به الحال إلى أن ملك، وتسمى بالمهدي، وبنى مدينة المهدية (^٤)، فنسبت إليه، وقد تستر بالتشيع، وإنما كان حريصًا على إزالة الملة الإسلامية، ونشأت ذريته على ذلك (^٥). وقد رأى أبو شامة آثار سبهم للصحابة، رضوان الله عليهم، منقورًا في الحجر على أحد أبواب دمشق، حين أمر الحاكم بأمر الله، أحد خلفائهم بذلك (^٦).
_________________
(١) «كتاب الروضتين»: ٢/ ٢٢٢.
(٢) المصدر السالف.
(٣) «كتاب الروضتين»: ٢/ ٢١٤.
(٤) هي الآن بلدة صغيرة، تقع على ساحل تونس، إلى الجنوب الشرقي من سوسة.
(٥) «كتاب الروضتين»: ٢/ ٢١٤ - ٢١٥.
(٦) «كتاب الروضتين»: ٢/ ٢٢٠ - ٢٢١.
[ ٤٧٨ ]
وموقف أبي شامة هذا من الدولة الفاطمية، هو موقف فريق من المؤرخين ممن تقدمه أو أتى بعده، لا يصححون نسبهم اعتمادًا على المحضر الذي رفع للقادر بالله العباسي سنة (٤٠٢ هـ/ ١٠١١ م)، وقد تضمن القدح فيهم (^١).
* * *
_________________
(١) اختلف علماء النسب والمؤرخون في صحة نسبهم، وشابت اختلافاتهم العداوة السياسية والمذاهب العقائدية، انظر في ذلك «الكامل» لابن الأثير: ٨/ ٢٤ وما بعدها، و«المنتظم» لابن الجوزي: ٧/ ٢٥٥ - ٢٥٦، و«سير أعلام النبلاء» للذهبي: ١٥/ ١٣٢ - ١٣٣، ١٧٧ - ١٧٨، و«مقدمة ابن خلدون: ١/ ٣٠٩ - ٣١٢، و«اتعاظ الحنفا» للمقريزي: ١/ ٢٢ - ٥٤، و«الإعلان بالتوبيخ» للسخاوي: ٥٤٤ - ٥٤٥، و«الضوء اللامع»: ٢/ ٢٣. ولبرنارد لويس دراسة في نسبهم في كتابه: «أصول الإسماعيلية»، توسع فيها، وقد طبع بالقاهرة سنة (١٩٤٨ م)، ثم أعيد طبعه في بيروت، وصدر عن دار الحداثة سنة (١٩٨٠ م)، وانظر كذلك كتاب «الفاطميون» لهاينز هالم، وقد طبع في دمشق، وصدر عن دار المدى سنة (١٩٩٩ م). وقد شن حسن الأمين هجومًا شنيعًا على أبي شامة لموقفه هذا من الدولة الفاطمية، وتلفظ بكلمات لا تتفق ومنهج البحث العلمي، انظر كتابه «صلاح الدين»: ص ١٥١، ١٥٢، ١٥٨، ١٦٢ - ١٦٣
[ ٤٧٩ ]