كان سقوط بغداد صدمة مروعة هزّت وجدان كل مسلم، وأذهلته، وتلجلجت أقلام بعض المؤرّخين في التأريخ لها، ولاذ أبو شامة بالصمت الحزين في معتزله، وهو يرى آثار هذه الكارثة قد سرت في هواء بلاد الشام وباء، راح يحصد أرواح الناس، فيتساقطون موتى في طرقاتها (^١)، ولم يطاوعه قلمه إلا في نقل ما قاله أحد الناجين من هذه المذبحة الرهيبة في رسالة بعث بها إلى دمشق: والأمر أعظم مما بلغكم من الأخبار (^٢). وكأن أبا شامة يريد بهذه الجملة أن يطلق العنان للخيال في تصوير ما جرى بعيدًا عن ضيق الكلمات وأسرها، عازيًا ما حدث إلى مكيدة دبرها وزير بغداد ابن العلقمي (^٣).
وتحت وطأة الألم من هذه الفاجعة فزع أبو شامة إلى الشعر، علّه يخفف في البوح به بعض ما يعانيه من قهر، وقد استباح التتار مدينة الخلافة، زهرة المدائن، فسقطت تحت سنابك خيولهم وبريق سيوفهم وصرخاتهم الوحشية، وحيدة مخذولة، لم تجد لها ناصرًا ومعينًا، ولن تنتهي مأساة المسلمين في بغداد، فطوفان التتار المدمر يجرف في طريقه المدن والناس، فقال:
_________________
(١) «المذيل»: ٢/ ١٢٧.
(٢) «المذيل»: ٢/ ١٢٥.
(٣) المصدر السالف.
[ ٢١٥ ]
لم يُعَنَّ أهلها وللكُفْرِ أعوا … ن عليهم يا ضيعة الإسلام
وانقَضَّتْ دولة الخلافة فيها … صارَ مُسْتَعْصِمُ بغير اعتصام
رَبِّ سَلَّمْ وصُنْ وعاف بقايا الـ … مُدْنِ يا ذا الجلال والإكرام
فحنانًا على الحجاز ومصر … وسلامًا على بلاد الشام (^١)
وأكاد أتخيل أبا شامة، وهو يردد في مناجاة حزينة: وسلامًا على بلاد الشام، فهل ستكون بلاد الشام بنجوة من هذا الطوفان المدمّر؟ وهل سيحل في ربوعها السلام كما يتمنّى قلب أبي شامة المشفق الحزين؟
كان الناصر يوسف غارقًا في بحر اطمئنانه إلى التتار، وكأنه لا يريد أن يبصر ما حوله، وقد قرب منه التتار هذا القرب وهم يحاصرون بغداد، وكأن الأمان الذي ناله منهم تعويذة تدفع شرورهم عنه، فما إن وصل إليه صاحب ميافارقين الكامل محمد بن غازي بن العادل يطلب منه نجدة ليمنع التتار من الدخول إلى الشام حتى استخفّ برأيه، ولم يصغ إلى كلامه، بل سوفه وماطله (^٢).
وما كان يحاذر منه الكامل محمد قد وقع، فما إن عاد إلى ميافارقين، وقد سقطت بغداد، حتى أدركته عساكر التتار، وفي مقدمتها يشموت بن هولاكو، وأحاطت بمدينته، وفي يوم وليلة بنوا حول المدينة سورًا عاليًا، وحفروا خندقًا عميقًا، ثم نصبوا عليها المنجنيقات، وشرعوا في القتال، وتصدى لهم الكامل محمد، وقاتل مع عسكره قتالًا شديدًا، فلما رأى التتار أنَّ المدينة حصينة، ولن يمكنهم أخذها بالقتال، ضربوا حولها الحصار، ومنعوا الناس من الدخول إليها والخروج منها (^٣).
_________________
(١) «المذيل»: ٢/ ١١٥.
(٢) «مختصر تاريخ الدول»: ص ٢٧٧، وفيه الأشرف بدل الكامل، وهو وهم، «أخبار الأيوبيين»: ص ١٦٧.
(٣) «مختصر تاريخ الدول»: ص ٢٧٧.
[ ٢١٦ ]
وحين بلغ الناصر يوسف سقوط بغداد، وقتل الخليفة المستعصم، بدأ الخوف يتسرب إلى نفسه (^١)، وزايله اطمئنانه، وهو يسمع خبر مسارعة صاحب الموصل بدر الدين لؤلؤ إلى همذان ليقدم إلى هولاكو فروض الطاعة والولاء (^٢).
وبينما هو في ذهوله وحيرته بدأت تقرع أسماعه كتب هولاكو، يقدم بها إليه رسله، يخبرونه فيها بلغة ظافرة متغطرسة سقوط بغداد وقتل الخليفة، وتدعوه بلغة مهددة متوعدة للمسارعة في المثول بين يديه، وقد قال له في بعضها: فقد أيقظناكم حين راسلناكم، فسارعوا إلينا برد الجواب بتة، قبل أن يأتيكم العذاب بغتة، وأنتم تعلمون (^٣). وقال في أخرى: أجب ملك البسيطة، ولا تقولن: لا، وساعة وقوفك على كتابنا نجعل قلاع الشام سماءها أرضًا، وطولها عرضًا، والسلام (^٤).
ومع كل رسالة كان الخوف والهلع يدبّ في قلب الناصر يوسف، فيهرع إلى أمرائه يستشيرهم فيما يفعل، وقد استبدت به الحيرة، فيشير عليه أمراؤه أن يمكث في الشام، ولا يسير إلى هولاكو (^٥)، وهي مشورة صادفت هوى في قلب الناصر يوسف، فجهز ولده الملك العزيز، وصحبته الأموال الكثيرة والهدايا والتحف، وسير معه طبيبه الأثير زين الدين الحافظي (^٦).
ولما وصل العزيز بن الناصر إلى هولاكو بهمذان، وقدم ما معه من الهدايا، سأله هولاكو: لم لا جاء الملك الناصر إلينا؟ فاعتذر العزيز عن أبيه بأن بلاده في وسط بلاد الفرنج، فما يمكنه أن يتركها ويحضر. وتظاهر هولاكو بقبول هذا العذر
_________________
(١) «أخبار الأيوبيين»: ص ١٦٧ - ١٦٨.
(٢) «مختصر تاريخ الدول»: ص ٢٧٦ - ٢٧٧.
(٣) «مختصر تاريخ الدول»: ص ٢٧٧ - ٢٧٨.
(٤) «عيون التواريخ»: ٢٠/ ١٣٦.
(٥) «مختصر تاريخ الدول»: ص ٢٧٨.
(٦) «أخبار الأيوبيين»: ص ١٦٨.
[ ٢١٧ ]
الواهي (^١)، وهو لا شك يعلم بأنَّ الناصر يوسف لم يرفع يومًا سيفًا في وجه الفرنج، بل هو في هدنة معهم (^٢).
وانتهز زين الدين الحافظي خلوة مع هولاكو، فراح يغريه بالمسير إلى دمشق، قائلًا له: بغداد أخذتها، والشام بلا ملك، ومتى قصدته أخذته، وأنا المساعد فيه، فإن أكثر من بدمشق أهلي وأقاربي (^٣).
وكان الناصر يوسف لكي يطمئن إلى أمانه مع التتار، ويطمئنوا إليه، قد طلب من ابنه العزيز أن يطلب من هولاكو نجدة ليستعيد مصر من حكم المماليك. ويبدو أن هولاكو قد تظاهر كذلك بقبول هذا الطلب، ربما تخديرًا للناصر يوسف، وقد تحقق من عدم ولائه له لامتناعه من القدوم إليه، ولضعف سيطرته على الشام، فأصدر أمرًا بتجهيز هذه النجدة بنحو عشرين ألف فارس (^٤).
وأشاع الناصر يوسف خبر هذه النجدة القادمة (^٥).
لربما ألقت أخبار هذه النجدة الخوف على مصر في قلوب من بقي في الشام من المماليك البحرية، وبخاصة أن رسائل أمراء مصر الناقمين على قطز، واستبداده بالأمر كانت تصل إليهم تترى تحثهم على القدوم إلى مصر، وتسلمها، وكذلك كانت رسائل هؤلاء الأمراء تصل إلى الأمير ركن الدين بيبرس، القابع في الكرك يتحين الفرصة السانحة للعودة إلى مصر (^٦).
_________________
(١) «أخبار الأيوبيين»: ص ١٦٨.
(٢) انظر ص ١٨٢ - ١٨٣ من هذا الكتاب.
(٣) «ذيل مرآة الزمان»: ٢/ ٢٣٧.
(٤) «السلوك»: ج ٢/ ١/ ق ٤١٠ - ٤١١.
(٥) المصدر السالف.
(٦) «أخبار الأيوبيين»: ص ١٦٨.
[ ٢١٨ ]
كان خوف المماليك البحرية من أن تصل حقًا نجدة هولاكو، ويستولي الناصر يوسف على مصر مع التتار، وتضيع من أيديهم هذه الفرصة المواتية الآن التي طالما انتظروها طويلًا. ففارقوا الناصر يوسف، وتوجهوا نحو الكرك لتحريض صاحبها المغيث عمر على أخذ مصر (^١).
ولم يكن المغيث ينتظر مثل هذا التحريض، فطموحه بالملك كان أعظم من أن تتسع له الكرك، فما إن انضم إليه هؤلاء المماليك البحرية حتى جمع عسكره واحتشد، وسار بهم إلى مصر ومعه الأمير ركن الدين بيبرس (^٢)، فلما بلغ قطر مسيرهم تجهز وخرج من قلعة القاهرة بالعساكر، وحين وصل إلى الصالحية تسلل من جيشه إلى الملك المغيث من كاتبه من الأمراء، وصاروا إليه (^٣)، ولقيهم قطز وقاتلهم، وأسفرت المعركة عن هزيمة منكرة للمغيث والمماليك البحرية، فاشتدوا فارين نحو الكرك، واستولى عسكر مصر على أثقالهم، وأسروا جماعة كثيرة منهم، وقتل قطز كل من كاتب المغيث من عسكر مصر، واستولى على أمواله وخيوله وأثقاله (^٤).
ما كاد الناصر يوسف يتخفف من عبء المماليك البحرية، ويفرح لهزيمتهم مع صاحب الكرك على حدود مصر، حتى ثار عليه الأكراد الشهرزورية، ناقمين عليه تحالفه مع التتار.
وكان هؤلاء الشهرزورية قد قدموا عليه سنة (٦٥٤ هـ/ ١٢٥٦ م) بنسائهم وأولادهم جافلين من هولاكو، فأحسن إليهم، وأعطاهم الأموال والإقطاعات كي يتقوى بهم كما أشار عليه الأمراء القيمرية (^٥)، وقد بلغه الآن عنهم أنهم مالوا
_________________
(١) «أخبار الأيوبيين»: ص ١٦٨، «السلوك»: ج ١/ ق ٢/ ٤١١.
(٢) «أخبار الأيوبيين»: ص ١٦٨، «الروض الزاهر»: ص ٥٩ - ٦٠.
(٣) «السلوك»: ج ١/ ق ٢/ ٤١١.
(٤) «أخبار الأيوبيين»: ص ١٦٨.
(٥) انظر ص ١٨٣ - ١٨٤ من هذا الكتاب.
[ ٢١٩ ]
لصاحب الكرك الملك المغيث، فخشي الناصر يوسف أن تقوى بهم شوكة الملك المغيث، فيخرج عن طاعته، فزاد في إحسانه إليهم، فلم يزدهم ذلك إلا عصيانًا، فأشار عليه الأمراء القيمرية أن يزيد في نفقاتهم، ويسيرها مع الأمير بدر الدين القيمري، لعله يستعطف قلوبهم، فيقيموا على الولاء له، فأرسل إليهم الناصر يوسف النفقات والتشاريف مع الأمير بدر الدين القيمري، وسير معه شمس الدين ابن قاضي إربل، وفوجئ الناصر يوسف بعد عدة أيام بعودة شمس الدين يخبره بعصيان بدر الدين القيمري عليه، وبرحيله مع الشهرزورية إلى الملك المغيث (^١)، معلنًا أنَّ سبب عصيانه تحالف الناصر يوسف وأمرائه مع التتار، وجبنه عن قتالهم (^٢).
وما إن انضم الشهرزورية إلى الملك المغيث حتى وجدها فرصة سانحة لتحقيق طموحه في الاستيلاء على دمشق بعد أن أوصدت في وجهه أبواب مصر، فكاتب جماعة من أمراء الناصر يوسف ليضمن ولاءهم له، وبلغ ذلك الناصر يوسف، فخاف خوفًا شديدًا، واضطرب وتحيَّر، وتوهم من جميع الأمراء القيمرية وغيرهم، كبيرهم وصغيرهم، وظن أنهم اتفقوا على نزع مملكة دمشق منه، وتسليمها للمغيث، وما فعل بدر الدين القيمري ما فعل إلا بمشورتهم واتفاق منهم (^٣).
ولتبديد أوهامه هذه أشار على الناصر يوسف بعض غلمانه أن يُحضر الأمراء الأكابر، ويستحلفهم أولًا، ثم يستحلف بقية الأمراء، ومن امتنع من اليمين يحتاط عليه، ويأخذ موجوده ويعتقله، وبذلك يتبين من تحالف ضده من الأمراء ممن بقي منهم على ولائه له (^٤). ورأى الناصر يوسف ألا سبيل أمامه غير هذا السبيل، فتغلب على خوفه واضطرابه، واستجمع شجاعته، وأحضر الأمراء الأكابر،
_________________
(١) «أخبار الأيوبيين»: ص ١٦٨.
(٢) «أخبار الأيوبيين»: ص ١٦٩.
(٣) «أخبار الأيوبيين»: ص ١٦٨.
(٤) المصدر السالف.
[ ٢٢٠ ]
واستحلفهم، وطيب قلوبهم، وامتنع جماعة من الأمراء العزيزية؛ مماليك والده، وشكوا إليه قلة رواتبهم، فأزال شكواهم، وأنعم عليهم، فطابت نفوسهم، وحلفوا جميعًا، وحينئذ زايل الناصر يوسف ما كان بقلبه من الخوف والقلق (^١).
ولما تهيأ للملك المغيث أمره، خرج بعساكره، ومعه المماليك البحرية والشهرزورية من قلعة الكرك على عزم قصد دمشق، فأشار الأمراء الأكابر على الناصر يوسف بأن يخرج بالعساكر ويلقاه (^٢).
في تلك الأثناء جاء الناصر كتابٌ من قطز - وكان قد بلغته أخبار نجدة هولاكو له - يتودد له فيه ويترقق، ويقسم بالأيمان ألا ينازعه في ملك مصر ولا يقاومه، وأنه نائب عنه فيها، ومتى قدم عليه تنازل له عنها، ومما قال في كتابه: «وإن اخترتني خدمتك، وإن اخترت قدمت ومن معي من العساكر نجدة لك على القادم عليك، فإن كنت لا تأمن حضوري سيرت إليك العساكر صحبة من تختاره …».
فلما قدم على الناصر يوسف كتاب قطز اطمأن من جهة مصر، وتقوى (^٣)، وخرج بعساكره من دمشق في أوائل سنة (٦٥٧ هـ/ ١٢٥٩ م) وسار حتى وصل إلى أريحا، وكان على عقبتها المماليك البحرية وعساكر صاحب الكرك، فالتقاهم عسكر الناصر يوسف، وتقاتلوا، فانهزم عسكر المغيث، وكان الناصر يوسف يريد أن يبقي المغيث حليفًا له، فأرسل إليه سرًا الأمير جمال الدين بن يغمور، ينصح له بأن يطلع إلى قلعته كيلا يحال بينه وبينها، فمضى المغيث إليها (^٤).
وسار الناصر يوسف إلى القدس الشريف، فدخلها يوم الجمعة، وصلى بالحرم في المسجد الأقصى صلاة الجمعة، وأقام أيامًا قليلة على القدس، ثم سار بعساكره،
_________________
(١) «أخبار الأيوبيين»: ص ١٦٨ - ١٦٩.
(٢) «أخبار الأيوبيين»: ص ١٦٩.
(٣) «السلوك»: ح ١/ ق ٢/ ٤١٨.
(٤) «أخبار الأيوبيين»: ص ١٦٩.
[ ٢٢١ ]
ونزل على بركة زيزي، وهي قريبة من الكرك، فأقام فيها نحو ستة أشهر، والرسل تتردد بينه وبين الملك المغيث في تسليم المماليك البحرية وإبعاد الشهرزورية (^١).
ورأى الأمير ركن الدين بيبرس مصلحته في الانحياز لجانب الناصر يوسف، فأرسل إليه ليحلف له كي يحضر إلى خدمته، ورأى الناصر يوسف أن في ذلك إضعافًا للمغيث، فحلف له، فحضر إليه بيبرس، وأقبل عليه الناصر يوسف، وأحسن إليه، وأعاده إلى إقطاعه بنابلس (^٢).
وتم الصلح أخيرًا بين الناصر يوسف والمغيث في أوائل رجب سنة (٦٥٧ هـ/ ١٢٥٩ م) وقد نزل المغيث على حكم الناصر، فسلّمه المماليك البحرية، فسيرهم الناصر يوسف تحت الحوطة إلى دمشق، ثم فرقهم على الحصون، واعتقلهم بها (^٣). أما الشهرزورية فتوجهوا إلى الأعمال الساحلية (^٤)، وعاد الناصر يوسف إلى مستقر ملكه بدمشق، فرحًا بما أنجزه (^٥).
كان أبو شامة يرقب هذه الأحداث، وهو في معتزله، مشفقًا مما يجري، عاكفًا على تاريخه يدون فيه أخبار من توفي بدمشق من معارفه، لا يفرق بين عالم وتاجر، وتقي وزنديق، وعاقل وموله، وممن يتوفى في تلك الفترة، في (١٧) صفر سنة (٦٥٧ هـ/ ١٢٥٩ م) الشيخ شمس الدين أبو الفتح الأنصاري، شيخ الإقراء في التربة الصالحية، وبوفاته تشغر مشيخة الإقراء فيها، لأنَّ شرط واقفها أن يكون شيخها أعلم أهل البلد بالقراءات. لقد كان أبو الفتح ذات يوم قبل نحو أربعة عشر عامًا
_________________
(١) «أخبار الأيوبيين»: ص ١٦٩.
(٢) «أخبار الأيوبيين»: ص ١٦٩، «السلوك»: ج ١/ ق ٢/ ٤١٥.
(٣) «أخبار الأيوبيين»: ١٦٩.
(٤) «أخبار الأيوبيين»: ص ١٦٩، «السلوك»: ج ١/ ق ٢/ ٤١٤.
(٥) «أخبار الأيوبيين»: ص ١٦٩.
[ ٢٢٢ ]
منافسًا لأبي شامة على مشيخة الإقراء فيها، على ما بينهما من فارق في السن والعلم، وكان أبو شامة أحق بها منه، تنفيذًا لشرط واقفها، غير أنه أزيح عنها بخديعة، تحالف فيها ضده نائب دمشق وقتئذ معين الدين بن شيخ الشيوخ، والقاضي صدر الدين ابن سني الدولة (^١)، ولم يبق من آثار هذه الخديعة في نفس أبي شامة الآن إلا غصة، أحس بها وهو يدوّن في تاريخه خبر وفاة أبي الفتح، فهو لا يعترف به شيخًا للقراء، بل ولا يذكره في عداد تلاميذ شيخه علم الدين السخاوي، إنه الشمس أبو الفتح الذي كان يقرئ بالتربة الصالحية (^٢). بهذا التجاهل كان أبو شامة يعبر عن استيائه مما حدث له في سنة (٦٤٣ هـ/ ١٢٤٦ م).
فهل كان يعتقد أنَّ أبا الفتح قد شارك في تلك الخديعة؟ أما الآن فلم تعد تعنيه مشيخة الإقراء، ولا التربة الصالحية، ولا غيرها من الترب والمدارس، إنه يعيش الآن في عزلة وانفراد، غير مؤثر للتردد إلى أبواب أهل الدنيا، متجنبًا المزاحمة على المناصب، لا يؤثر على العافية والكفاية شيئًا (^٣)، ولا يعنيه من سيتولى مشيخة القراء بعد أبي الفتح، وإن كان شيخًا دونه في الإقراء مثل عبد السلام بن علي بن عمر بن سيد الناس المالكي الزواوي (^٤).
وكان أكثر الناس شعورًا بما يعانيه أبو شامة من جحود أخوه إبراهيم، وهو يرى طلاب الأمس وقد غدوا شيوخًا كبارًا بينما أخوه أبو شامة على علمه الجم وتفننه معتزل في بيته أو بستانه، لا يدري به أحد، فيرى ذات ليلة فيما يراه النائم أخاه
_________________
(١) انظر ص ١٣٦ - ١٣٨ من هذا الكتاب.
(٢) «المذيل»: ٢/ ١٣٤.
(٣) «المذيل»: ١/ ١٤٩.
(٤) «معرفة القراء الكبار»: ٣/ ١٣٥٠، وقد ذكر الذهبي فيه: أنَّه أقرأ بالتربة بعد أبي الفتح الأنصاري مع وجود أبي شامة، وأسندت إليه رئاسة الإقراء بالشام. قلت: وقد فات الذهبي أن أبا شامة في تلك الفترة كان حبيس عزلة اختارها لنفسه.
[ ٢٢٣ ]
أبا شامة وكأنه متمسك بحبل قد دلي من السماء، وهو مرتفع فيه، فيسأل إبراهيم في منامه رجلًا أن يعبره له، فينكشف لهما البيت المقدس والمسجد الأقصى، فيسأل ذلك الرجل إبراهيم: مَنْ بنى هذا المسجد؟ فيجيبه إبراهيم: سليمان بن داود ﵉ (^١)، فيقول الرجل: قد أعطي أخوك مثل ما أعطي سليمان. فيقول له إبراهيم: كيف ذلك؟ فيقول الرجل: أليس سليمان قد أوتي ملكًا لا ينبغي لأحد من بعده؟ أليس أعطي كذا وكذا؟ وعدَّد الرجل أنواع ما أُوتي، وفي ذلك كله يقول إبراهيم: بلى. قال الرجل: وكذا أخوك، أُوتي أنواعًا من العلم كثيرة.
ويغدو إبراهيم على أخيه أبي شامة يقص عليه رؤياه التي رآها، فيسر بها أبو شامة، ويسجلها في أوراقه (^٢).
كان أبو شامة في عزلته هذه في غاية الرضا والسكينة، وتعبيرًا عن هذا الرضا ينظم في أواخر جمادى الآخرة سنة (٦٥٧ هـ/ ١٢٥٩ م) بيتين يقول فيهما:
الثُّوبُ واللُّقْمَةُ والعافيَةُ … لِقانِعٍ مِنْ عَيْشهِ كافيَةُ
وما يَزِدْ فالنفس لست به … وإن تكن مملكة راضية (^٣)
حسبه من دنياه هذا الثوب واللقمة والعافية، وحسبه أنه ساكن النفس في بيته مع ابنته الكبرى فاطمة، وابنه أحمد أبي الهدى ذي السنوات الأربع، وزوجه المخلصة الودود ست العرب، وها هي حامل في شهرها الثاني (^٤).
_________________
(١) صح عن النبي ﷺ أن المسجد الأقصى بني بعد المسجد الحرام بمكة بأربعين سنة، يعني أنه بني قبل سليمان بن داوود ﵉، ويبدو أنه كان يتجدد في بعض العهود، حتى بناه على هيئته الآن في العهد الإسلامي الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان، انظر صحيح البخاري (٣٣٦٦) مع شرحه فتح الباري: ٤٠٨/ ٦ - ٤٠٩، والأنس الجليل بتاريخ القدس والخليل لمجير الدين الحنبلي: ١/ ٢٧٢ - ٢٧٣.
(٢) «المذيل»: ١/ ١٤٠.
(٣) «المذيل»: ٢/ ١٣٦.
(٤) «المذيل»: ٢/ ١٣٩.
[ ٢٢٤ ]